الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها فلا يخاف عقباها

[ ص: 375 ] فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها فلا يخاف عقباها .

أي : صاح عليهم ربهم صيحة غضب . والمراد بهذه الدمدمة صوت الصاعقة والرجفة التي أهلكوا بها ، قال تعالى : ( فأخذتهم الصيحة ) وإسناد ذلك إلى الله مجاز عقلي ; لأن الله هو خالق الصيحة وكيفياتها . فوزن ( دمدم ) فعلل ، وقال أكثر المفسرين : دمدم عليهم : أطبق عليهم الأرض ، يقال : دمم عليه القبر ، إذا أطبقه ودمدم مكرر دمم للمبالغة مثل كبكب ، وعليه فوزن دمدم : فعفل .

وفرع على ( دمدم عليهم ) ( فسواها ) أي : فاستووا في إصابتها لهم ، فضمير النصب عائد إلى الدمدمة المأخوذة من ( دمدم عليهم ) .

ومن فسروا ( دمدم ) بمعنى : أطبق عليهم الأرض قالوا : معنى ( سواها ) : جعل الأرض مستوية عليهم لا تظهر فيها أجسادهم ولا بلادهم ، وجعلوا ضمير المؤنث عائدا إلى الأرض المفهومة من فعل ( دمدم ) فيكون كقوله تعالى : ( لو تسوى بهم الأرض ) .

وبين ( فسواها ) هنا وقوله : ( وما سواها ) قبله محسن الجناس التام .

والعقبى : ما يحصل عقب فعل من الأفعال من تبعة لفاعله أو مثوبة ، ولما كان المذكور عقابا وغلبة وكان العرف أن المغلوب يكنى في نفسه الأخذ بالثأر من غالبه فلا يهدأ له بال حتى يثأر لنفسه ، ولذلك يقولون : الثار المنيم ، أي : الذي يزيل النوم عن صاحبه ، فكان الذي يغلب غيره يتقي حذرا من أن يتمكن مغلوبه من الثأر ، أخبر الله أنه الغالب الذي لا يقدر مغلوبه على أخذ الثأر منه ، وهذا كناية عن تمكن الله من عقاب المشركين وأن تأخير العذاب عنهم إمهال لهم وليس عن عجز ، فجملة ( فلا يخاف عقباها ) تذييل للكلام وإيذان بالختام .

ويجوز أن يكون قوله : ( فلا يخاف عقباها ) تمثيلا لحالهم في الاستئصال بحال من لم يترك من يثأر له فيكون المثل كناية عن هلاكهم عن بكرة أبيهم لم يبق منهم أحد .

[ ص: 376 ] وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر ( فلا يخاف عقباها ) بفاء العطف تفريعا على ( فدمدم عليهم ربهم ) وهو مكتوب بالفاء في مصاحف المدينة ومصحف الشام . . . ومعنى التفريع بالفاء على هذه القراءة تفريع العلم بانتفاء خوف الله منهم مع قوتهم ليرتدع بهذا العلم أمثالهم من المشركين .

وقرأ الباقون من العشرة ( ولا يخاف عقباها ) بواو العطف أو الحال ، وهي كذلك في مصاحف أهل مكة وأهل البصرة والكوفة ، وهي رواية قرائها . وقال ابن القاسم وابن وهب : أخرج لنا مالك مصحفا لجده وزعم أنه كتبه في أيام عثمان بن عفان حين كتب المصاحف وفيه ( ولا يخاف ) بالواو ، وهذا يقتضي أن بعض مصاحف المدينة بالواو ولكنهم لم يقرءوا بذلك ; لمخالفته روايتهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث