الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أقسام صفات الله تعالى

جزء التالي صفحة
السابق

اعلم أولا : أن المتكلمين قسموا صفاته جل وعلا إلى ستة أقسام :

صفة نفسية ، وصفة سلبية ، وصفة معنى ، وصفة معنوية ، وصفة فعلية ، وصفة جامعة ، والصفة الإضافية تتداخل مع الفعلية ; لأن كل صفة فعلية من مادة متعدية إلى المفعول كالخلق والإحياء والإماتة ، فهي صفة إضافية ، وليست كل صفة إضافية فعلية فبينهما عموم وخصوص من وجه ، يجتمعان في نحو الخلق والإحياء والإماتة ، وتتفرد الفعلية في نحو الاستواء ، وتتفرد الإضافية في نحو كونه تعالى كان موجودا قبل كل شيء ، وأنه فوق كل شيء ; لأن القبلية والفوقية من الصفات الإضافية ، وليستا من صفات الأفعال ، ولا يخفى على عالم بالقوانين الكلامية والمنطقية أن إطلاق النفسية على شيء من صفاته جل وعلا أنه لا يجوز ، وأن فيه من الجراءة على الله جل وعلا ما الله عالم به ، وإن كان قصدهم بالنفسية في حق الله الوجود فقط وهو صحيح ; لأن الإطلاق الموهم للمحذور في حقه تعالى لا يجوز ، وإن كان المقصود به صحيحا ; لأن الصفة النفسية في الاصطلاح لا تكون إلا جنسا أو فصلا ، فالجنس كالحيوان بالنسبة إلى الإنسان ، والفصل كالنطق بالنسبة إلى الإنسان ، ولا يخفى أن الجنس في الاصطلاح قدر مشترك بين أفراد مختلفة الحقائق كالحيوان بالنسبة إلى الإنسان والفرس والحمار ، وأن الفصل صفة نفسية لبعض أفراد الجنس ينفصل بها عن غيره من الأفراد المشاركة له في الجنس كالنطق بالنسبة إلى الإنسان ، فإنه صفته النفسية التي تفصله عن الفرس مثلا المشارك له في الجوهرية والجسمية والنمائية والحساسية ، ووصف الله جل وعلا بشيء يراد به اصطلاحا ما بينا لك ; من أعظم الجراءة على الله تعالى كما ترى ; لأنه جل وعلا واحد في ذاته وصفاته وأفعاله ، فليس بينه وبين غيره اشتراك في شيء من ذاته ، ولا من صفاته ، حتى يطلق عليه ما يطلق على الجنس والفصل سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا لأن الجنس قدر مشترك بين حقائق مختلفة .

[ ص: 20 ] والفصل : هو الذي يفصل بعض تلك الحقائق المشتركة في الجنس عن بعض ، سبحان رب السماوات والأرض وتعالى عن ذلك علوا كبيرا .

وسنبين لك أن جميع الصفات على تقسيمهم لها جاء في القرآن وصف الخالق والمخلوق بها ، وهم في بعض ذلك يقرون بأن الخالق موصوف بها ، وأنها جاء في القرآن أيضا وصف المخلوق بها ، ولكن وصف الخالق مناف لوصف المخلوق ، كمنافاة ذات الخالق لذات المخلوق ، ويلزمهم ضرورة فيما أنكروا مثل ما أقروا به ; لأن الكل من باب واحد ، لأن جميع صفات الله جل وعلا من باب واحد ; لأن المتصف بها لا يشبهه شيء من الحوادث .

فمن ذلك : الصفات السبع ، المعروفة عندهم بصفات المعاني وهي : القدرة ، والإرادة ، والعلم ، والحياة ، والسمع ، والبصر ، والكلام .

فقد قال تعالى في وصف نفسه بالقدرة :

والله على كل شيء قدير [ 2 \ 284 ] و [ 3 \ 29 ] و [ 3 \ 189 ] و [ 5 \ 19 ] و [ 5 \ 40 ] و [ 8 \ 41 ] .

وقال في وصف الحادث بها : إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم [ 5 \ 34 ] فأثبت لنفسه قدرة حقيقية لائقة بجلاله وكماله ، وأثبت لبعض الحوادث قدرة مناسبة لحالهم من الضعف والافتقار والحدوث الفناء ، وبين قدرته ، وقدرة مخلوقه من المنافاة ما بين ذاته وذات مخلوقه .

وقال في وصف نفسه بالإرادة : فعال لما يريد [ 11 \ 107 ] و [ 85 \ 16 ] ، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون [ 36 \ 82 ] ، يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [ 2 \ 185 ] ، ونحو ذلك من الآيات .

وقال في وصف المخلوق بها : تريدون عرض الدنيا الآية [ 8 \ 67 ] ، إن يريدون إلا فرارا [ 33 \ 13 ] ، يريدون ليطفئوا نور الله [ 61 \ 8 ] ، ونحو ذلك من الآيات .

فله جل وعلا إرادة حقيقية لائقة بكماله وجلاله ، وللمخلوق إرادة أيضا مناسبة لحاله ، وبين إرادة الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق .

وقال في وصف نفسه بالعلم : والله بكل شيء عليم [ 24 \ 35 ] ، لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه الآية [ 4 \ 166 ] [ ص: 21 ] فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين [ 7 \ 7 ] .

وقال في وصف الحادث به : قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم [ 51 \ 28 ] ، وقال : وإنه لذو علم لما علمناه [ 12 \ 68 ] ، ونحو ذلك من الآيات .

فله جل وعلا علم حقيقي لائق بكماله وجلاله ، وللمخلوق علم مناسب لحاله ، وبين علم الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق .

وقال في وصف نفسه بالحياة : الله لا إله إلا هو الحي القيوم [ 2 \ 55 ] ، هو الحي لا إله إلا هو الآية [ 40 \ 65 ] ، وتوكل على الحي الذي لا يموت الآية [ 25 \ 58 ] ، ونحو ذلك من الآيات .

وقال في وصف المخلوق بها : وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا [ 19 \ 15 ] ، وجعلنا من الماء كل شيء حي [ 21 \ 30 ] ، يخرج الحي من الميت ويخرج الميت [ 30 \ 19 ] .

فله جل وعلا حياة حقيقية تليق بجلاله وكماله ، وللمخلوق أيضا حياة مناسبة لحاله ; وبين حياة الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق .

وقال في وصف نفسه بالسمع والبصر : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، إن الله سميع بصير [ 22 \ 75 ] و [ 31 \ 28 ] ، ونحو ذلك من الآيات .

وقال في وصف الحادث بهما : إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا [ 76 \ 2 ] ، أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا الآية [ 19 \ 38 ] ونحو ذلك من الآيات .

فله جل وعلا سمع وبصر حقيقيان يليقان بكماله وجلاله ، وللمخلوق سمع وبصر مناسبان لحاله ، وبين سمع الخالق وبصره ، وسمع المخلوق وبصره من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق .

وقال في وصف نفسه بالكلام وكلم الله موسى تكليما [ 4 \ 164 ] ، إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي [ 7 \ 144 ] ، فأجره حتى يسمع كلام الله [ 9 \ 6 ] ، ونحو ذلك من الآيات .

[ ص: 22 ] وقال في وصف المخلوق به : فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين [ 12 \ 54 ] ، اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم الآية [ 36 \ 65 ] ، قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا [ 19 \ 29 ] ، ونحو ذلك من الآيات .

فله جل وعلا كلام حقيقي يليق بكماله وجلاله ; وللمخلوق كلام أيضا مناسب لحاله . وبين كلام الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق .

وهذه الصفات السبع المذكورة يثبتها كثير ممن يقول بنفي غيرها من صفات المعاني .

والمعتزلة ينفونها ويثبتون أحكامها فيقولون : هو تعالى حي قادر ، مريد عليم ، سميع بصير ، متكلم بذاته لا بقدرة قائمة بذاته ، ولا إرادة قائمة بذاته ، هكذا فرارا منهم من تعدد القديم ! !

ومذهبهم الباطل لا يخفى بطلانه وتناقضه على أدنى عاقل ; لأن من المعلوم أن الوصف الذي منه الاشتقاق إذا عدم فالاشتقاق منه مستحيل فإذا عدم السواد عن جرم مثلا استحال أن تقول هو أسود ، إذ لا يمكن أن يكون أسود ولم يقم به سواد ، وكذلك إذا لم يقم العلم والقدرة بذات ، استحال أن تقول : هي عالمة قادرة لاستحالة اتصافها بذلك ، ولم يقم بها علم ولا قدرة ، قال في " مراقي السعود " : [ الرجز ]


وعند فقد الوصف لا يشتق وأعوز المعتزلي الحق

وأما الصفات المعنوية عندهم : فهي الأوصاف المشتقة من صفات المعاني السبع المذكورة ، وهي كونه تعالى : قادرا ، مريدا ، عالما حيا ، سميعا بصيرا ، متكلما .

والتحقيق أنها عبارة عن كيفية الاتصاف بالمعاني ، وعد المتكلمين لها صفات زائدة على صفات المعاني مبني على ما يسمونه الحال المعنوية ، زاعمين أنها أمر ثبوتي ليس بموجود ، ولا معدوم ; والتحقيق الذي لا شك فيه أن هذا الذي يسمونه الحال المعنوية لا أصل له ، وإنما هو مطلق تخييلات يتخيلونها ; لأن العقل الصحيح حاكم حكما لا يتطرقه شك بأنه لا واسطة بين النقيضين البتة ، فالعقلاء كافة مطبقون على أن النقيضين لا يجتمعان ، ولا يرتفعان ، ولا واسطة بينهما البتة ، فكل ما هو غير موجود ، فإنه معدوم قطعا ، وكل ما هو غير معدوم ، فإنه موجود قطعا ، وهذا مما لا شك فيه كما ترى .

[ ص: 23 ] وقد بينا في اتصاف الخالق والمخلوق بالمعاني المذكورة منافاة صفة الخالق للمخلوق ، وبه تعلم مثله في الاتصاف بالمعنوية المذكورة لو فرضنا أنها صفات زائدة على صفات المعاني ، مع أن التحقيق أنها عبارة عن كيفية الاتصاف بها .

وأما الصفات السلبية عندهم : فهي خمس ، وهي عندهم : القدم ، والبقاء ، والوحدانية ، والمخالفة للخلق ، والغنى المطلق ، المعروف عندهم بالقيام بالنفس .

وضابط الصفة السلبية عندهم : هي التي لا تدل بدلالة المطابقة على معنى وجودي أصلا ، وإنما تدل على سلب ما لا يليق بالله عن الله .

أما الصفة التي تدل على معنى وجودي : فهي المعروفة عندهم بصفة المعنى ، فالقدم مثلا عندهم لا معنى له بالمطابقة ، إلا سلب العدم السابق ، فإن قيل : القدرة مثلا تدل على سلب العجز ، والعلم يدل على سلب الجهل ، والحياة تدل على سلب الموت ، فلم لا يسمون هذه المعاني سلبية أيضا ؟

فالجواب : أن القدرة مثلا تدل بالمطابقة على معنى وجودي قائم بالذات ، وهو الصفة التي يتأتى بها إيجاد الممكنات وإعدامها على وفق الإرادة ، وإنما سلبت العجز بواسطة مقدمة عقلية ، وهي أن العقل يحكم بأن قيام المعنى الوجودي بالذات يلزمه نفي ضده عنها لاستحالة اجتماع الضدين عقلا ، وهكذا في باقي المعاني .

أما القدم عندهم مثلا : فإنه لا يدل على شيء زائد على ما دل عليه الوجود ، إلا سلب العدم السابق ، وهكذا في باقي السلبيات ، فإذا عرفت ذلك فاعلم أن القدم ، والبقاء اللذين يصف المتكلمون بهما الله تعالى زاعمين ، أنه وصف بهما نفسه في قوله تعالى : هو الأول والآخر الآية [ 57 \ 3 ] - جاء في القرآن الكريم وصف الحادث بهما أيضا ، قال في وصف الحادث بالقدم : والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم [ 36 \ 39 ] ، وقال : قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم [ 12 \ 95 ] ، وقال : أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون [ 26 \ 75 ، 76 ] ، وقال في وصف الحادث بالبقاء : وجعلنا ذريته هم الباقين [ 37 \ 77 ] ، وقال : ما عندكم ينفد وما عند الله باق [ 16 \ 96 ] ، وكذلك وصف الحادث بالأولية والآخرية المذكورتين في الآية ، قال : ألم نهلك الأولين ثم نتبعهم الآخرين [ 67 \ 16 ، 17 ] ، ووصف نفسه بأنه واحد ، قال : وإلهكم إله واحد [ 2 \ 163 ] ، وقال في وصف الحادث بذلك : يسقى بماء واحد [ ص: 24 ] وقال في وصف نفسه بالغنى : والله هو الغني الحميد [ 35 \ 15 ] ، وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد [ 14 \ 8 ] ، وقال في وصف الحادث بالغنى : ومن كان غنيا فليستعفف الآية [ 4 \ 6 ] ، إن يكونوا فقراء يغنهم الله الآية [ 24 \ 32 ] ، فهو جل وعلا موصوف بتلك الصفات حقيقة على الوجه اللائق بكماله وجلاله ، والحادث موصوف بها أيضا على الوجه المناسب لحدوثه وفنائه ، وعجزه وافتقاره ، وبين صفات الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين الخالق والمخلوق ، كما بيناه في صفات المعاني .

وأما الصفة النفسية عندهم ، فهي واحدة ، وهي : الوجود ، وقد علمت ما في إطلاقها على الله ، ومنهم من جعل الوجود عين الذات فلم يعده صفة ، كأبي الحسن الأشعري ، وعلى كل حال ، فلا يخفى أن الخالق موجود ، والمخلوق موجود ، ووجود الخالق ينافي وجود المخلوق ، كما بينا .

ومنهم من زعم أن القدم والبقاء صفتان نفسيتان ، زاعما أنهما طرفا الوجود الذي هو صفة نفسية في زعمهم .

وأما الصفات الفعلية ، فإن وصف الخالق والمخلوق بها كثير في القرآن ، ومعلوم أن فعل الخالق مناف لفعل المخلوق كمنافاة ذاته لذاته ، فمن ذلك وصفه جل وعلا نفسه بأنه يرزق خلقه ، قال : إن الله هو الرزاق الآية [ 51 \ 58 ] ، وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين [ 34 \ 39 ] ، وقال : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها الآية [ 11 \ 6 ] ، وقال في وصف الحادث بذلك : وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه الآية [ 4 \ 8 ] ، وقال : وعلى المولود له رزقهن الآية [ 2 \ 233 ] ، ووصف نفسه بالعمل ، فقال : أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما الآية [ 36 \ 71 ] ، وقال في وصف الحادث به : إنما تجزون ما كنتم تعملون [ 66 \ 7 ] ووصف نفسه بتعليم خلقه فقال : الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان [ 55 \ 1 - 4 ] .

وقال في وصف الحادث به : هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة الآية [ 62 \ 2 ] .

وجمع المثالين في قوله تعالى : تعلمونهن مما علمكم الله [ 5 \ 4 ] ، ووصف [ ص: 25 ] نفسه بأنه ينبئ ، ووصف المخلوق بذلك ، وجمع المثالين في قوله تعالى : وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير [ 66 \ 3 ] ، ووصف نفسه بالإيتاء ، فقال : ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك [ 2 \ 258 ] ، وقال : يؤتي الحكمة من يشاء [ 2 \ 269 ] ، وقال : ويؤت كل ذي فضل فضله [ 11 \ 3 ] ، وقال : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء [ 57 \ 21 ] .

وقال في وصف الحادث بذلك : وآتيتم إحداهن قنطارا [ 4 \ 20 ] ، وآتوا اليتامى أموالهم [ 4 \ 2 ] ، وآتوا النساء صدقاتهن نحلة [ 4 \ 4 ] ، وأمثال هذا كثيرة جدا في القرآن العظيم .

ومعلوم أن ما وصف به الله من هذه الأفعال فهو ثابت له حقيقة على الوجه اللائق بكماله وجلاله ; وما وصف به المخلوق منها فهو ثابت له أيضا ، على الوجه المناسب لحاله ، وبين وصف الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق .

وأما الصفات الجامعة ، كالعظم والكبر والعلو ، والملك والتكبر والجبروت ، ونحو ذلك . فإنها أيضا يكثر جدا وصف الخالق والمخلوق بها في القرآن الكريم .

ومعلوم أن ما وصف به الخالق منها مناف لما وصف به المخلوق ، كمنافاة ذات الخالق لذات المخلوق . قال في وصف نفسه جل وعلا بالعلو والعظم والكبر : ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم [ 2 \ 255 ] ، إن الله كان عليا كبيرا [ 4 \ 34 ] ، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال [ 13 \ 9 ] .

وقال في وصف الحادث بالعظم : فكان كل فرق كالطود العظيم [ 26 \ 63 ] ، إنكم لتقولون قولا عظيما [ 17 \ 40 ] ، ولها عرش عظيم [ 27 \ 23 ] ، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم [ 9 \ 129 ] إلى غير ذلك من الآيات .

وقال في وصف الحادث بالكبر : لهم مغفرة وأجر كبير [ 67 \ 12 ] ، وقال : إن قتلهم كان خطئا كبيرا [ 17 \ 31 ] ، وقال : إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير [ 8 \ 73 ] ، وقال : وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله [ 2 \ 143 ] ، وقال : وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين [ 2 \ 45 ] .

[ ص: 26 ] وقال في وصف الحادث بالعلو : ورفعناه مكانا عليا [ 19 \ 57 ] ، وجعلنا لهم لسان صدق عليا [ 19 \ 50 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

وقال في وصف نفسه بالملك : يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس الآية [ 59 \ 23 ] ، هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس الآية [ 59 \ 23 ] ، وقال : في مقعد صدق عند مليك مقتدر .

وقال في وصف الحادث به : وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان الآية [ 12 \ 43 ] ، وقال الملك ائتوني به [ 12 \ 50 ] ، وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا [ 18 \ 79 ] ، أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه [ 2 \ 247 ] ، تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء [ 3 \ 26 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

وقال في وصف نفسه بالعزة : فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم [ 2 \ 209 ] ، يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم [ 62 \ 1 ] ، أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب [ 38 \ 9 ] .

وقال في وصف الحادث بالعزة : قالت امرأة العزيز الآية [ 12 \ 51 ] ، فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب [ 38 \ 23 ] .

وقال في وصف نفسه جل وعلا بأنه جبار متكبر هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر [ 59 \ 23 ] .

وقال في وصف الحادث بهما : كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار [ 40 \ 35 ] ، أليس في جهنم مثوى للمتكبرين [ 39 \ 60 ] ، وإذا بطشتم بطشتم جبارين [ 26 \ 130 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

وقال في وصف نفسه بالقوة : إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين [ 51 \ 58 ] ، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز [ 22 \ 40 ] .

وقال في وصف الحادث بها : الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة الآية [ 41 \ 15 ] ، ويزدكم قوة إلى قوتكم الآية [ 11 \ 52 ] ، إن خير من استأجرت القوي الأمين [ 28 \ 26 ] ، الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة الآية [ 30 \ 54 ] [ ص: 27 ] إلى غير ذلك من الآيات .

وأمثال هذا من الصفات الجامعة كثيرة في القرآن ، ومعلوم أنه جل وعلا متصف بهذه الصفات المذكورة حقيقة على الوجه اللائق بكماله ، وجلاله . وإن ما وصف به المخلوق منها مخالف لما وصف به الخالق ، كمخالفة ذات الخالق جل وعلا لذوات الحوادث ، ولا إشكال في شيء من ذلك ، وكذلك الصفات التي اختلف فيها المتكلمون ; هل هي من صفات المعاني أو من صفات الأفعال ، وإن كان الحق الذي لا يخفى على من أنار الله بصيرته أنها صفات معان أثبتها الله - جل وعلا - لنفسه ، كالرأفة والرحمة .

قال في وصفه - جل وعلا - بهما :

فإن ربكم لرءوف رحيم [ 16 \ 47 ] ، وقال في وصف نبينا صلى الله عليه وسلم بهما : لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم [ 9 \ 128 ] ، وقال في وصف نفسه بالحلم : ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم [ 22 \ 59 ] .

وقال في وصف الحادث به : فبشرناه بغلام حليم [ 37 \ 101 ] ، إن إبراهيم لأواه حليم [ 9 \ 114 ] .

وقال في وصف نفسه بالمغفرة : إن الله غفور رحيم [ 2 \ 182 ] و [ 5 \ 34 ] و [ 5 \ 39 ] و [ 5 \ 98 ] و [ 8 \ 69 ] و [ 9 \ 5 ] و [ 9 \ 99 ] و [ 9 \ 102 ] و [ 24 \ 62 ] و [ 29 \ 14 ] و [ 60 \ 12 ] و [ 73 \ 20 ] . لهم مغفرة وأجر عظيم [ 49 \ 3 ] ، ونحو ذلك من الآيات .

وقال في وصف الحادث بها : ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور [ 42 \ 43 ] ، قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله الآية [ 45 \ 14 ] ، قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى [ 2 \ 263 ] ، ونحو ذلك من الآيات .

ووصف نفسه جل وعلا بالرضى ووصف الحادث به أيضا فقال : رضي الله عنهم ورضوا عنه [ 5 \ 119 ] ، ووصف نفسه جل وعلا بالمحبة ، ووصف الحادث بها ، فقال : فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم [ 5 \ 54 ] ، قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله [ 3 \ 31 ] .

[ ص: 28 ] ووصف نفسه بأنه يغضب إن انتهكت حرماته فقال : قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه الآية [ 5 \ 60 ] ، ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه الآية [ 4 \ 93 ] .

وقال في وصف الحادث بالغضب ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا وأمثال هذا كثير جدا .

والمقصود عندنا ذكر أمثلة كثيرة من ذلك ، مع إيضاح أن كل ما اتصف به جل وعلا من تلك الصفات بالغ من غايات الكمال والعلو والشرف ما يقطع علائق جميع أوهام المشابهة بين صفاته جل وعلا ، وبين صفات خلقه ، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث