الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب من قاد دابة غيره في الحرب

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

2709 [ ص: 541 ] 52 - باب: من قاد دابة غيره في الحرب

2864 - حدثنا قتيبة ، حدثنا سهل بن يوسف ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، قال رجل للبراء بن عازب - رضي الله عنهما - : أفررتم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين ؟ قال : لكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يفر ، إن هوازن كانوا قوما رماة ، وإنا لما لقيناهم حملنا عليهم فانهزموا ، فأقبل المسلمون على الغنائم ، واستقبلونا بالسهام ، فأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يفر ، فلقد رأيته وإنه لعلى بغلته البيضاء وإن أبا سفيان آخذ بلجامها ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول :


أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب



[2874 ، 2930 ، 3042 ، 4315 ، 4316 ، 4317 - مسلم : 1776 - فتح: 6 \ 69]

التالي السابق


ذكر فيه حديث أبي إسحاق قال : قال رجل للبراء بن عازب : أفررتم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين ؟ قال : لكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يفر ، إن هوازن كانوا قوما رماة ، وإنا لما لقيناهم حملنا عليهم فانهزموا ، فأقبل المسلمون على الغنائم ، واستقبلونا بالسهام ، فأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يفر ، فلقد رأيته وإنه لعلى بغلته البيضاء وإن أبا سفيان آخذ بلجامها ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول :


أنا النبي لا كذب     أنا ابن عبد المطلب



هذا الحديث أخرجه مسلم أيضا ، وفي لفظ : كنا والله إذا احمر البأس نتقي به .

وذكره البخاري في موضع آخر : فنزل واستنصر .

[ ص: 542 ] وفي موضع آخر : قال إسرائيل وزهير : نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بغلته ، وفي رواية قال البراء : رجل من قيس .

ثم الكلام عليه من وجوه :

أحدها : (حنين ) بالحاء المهملة : واد بينه وبين مكة ثلاث ليال قرب الطائف قاله الواقدي .

وقال البكري : بضعة عشر ميلا ، والأغلب فيه التذكير ; لأنه اسم ماء ، وربما أنثته العرب جعلته اسما للبقعة ، وهو وراء عرفات ، سمي بحنين بن قانية بن مهلاييل .

وقال الزمخشري : هو إلى جنب ذي المجاز ، وتأتي في الغزوات ، وكانت سنة ثمان ، وسببها أنه لما أجمع - عليه السلام - على الخروج من مكة لنصرة خزاعة أتى الخبر إلى هوازن أنه يريدهم ، فاستعدوا للحرب حتى أتوا سوق ذي المجاز فسار - عليه السلام - حتى أشرف على وادي حنين مساء ليلة الأحد ، ثم صابحهم يوم الأحد نصف شوال .

ثانيها : قوله : (ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يفر ) هذا معلوم من حاله وحال الأنبياء ; لفرط إقدامهم وشجاعتهم وثقتهم بوعد الله في رغبتهم في الشهادة ولقائه ، ولم يثبت عن واحد منهم -والعياذ بالله - أنه فر ، ومن قال ذلك في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتل ، ولم يستتب عند مالك ; لأنه صار بمنزلة من قال : إنه كان أسود أو أعجميا ; لإنكاره ما علم من وصفه قطعا وذلك كفر .

[ ص: 543 ] قال القرطبي : وحكي عن بعض أصحابنا الإجماع على قتل من أضاف إليه نقصا أو عيبا ، وقيل : يستتاب فإن تاب وإلا قتل .

وقال ابن بطال : من زعم أنه انهزم فقد رماه بأنه كذب وحي الله بالعصمة من الناس ، فإن تاب وإلا قتل ; لأنه كافر إن لم يتأول ويعذر بتأويله ، وستكون لنا عودة إليه قريبا في باب : من صف أصحابه عند الهزيمة .

والذين فروا يومئذ إنما فتحه عليهم من كان في قلبه مرض من مسلمة الفتح المؤلفة ومشركيها ، والذين لم يكونوا أسلموا ، والذين خرجوا لأجل الغنيمة ، وإنما كانت هزيمتهم فجأة .

ثالثها : ركوبه يومئذ بغلته البيضاء هو النهاية في الشجاعة والثبات ، لا سيما في نزوله عنها وتقدمه يركض على بغلته إلى جمع المشركين حين فر الناس ، وليس معه إلا اثنا عشر نفرا ، وكان العباس وأبو سفيان -كما ذكر هنا ، وهو ابن الحارث كما سيأتي - آخذين بلجامها يمنعانها ، ففي مسلم : كانت بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة ، وفي لفظ : كانت شهباء .

وعند ابن سعد : كان راكبا دلدل التي أهداها له المقوقس .

[ ص: 544 ] فيجوز أن يكون ركوبه متعددا بعد أن نزل .

رابعها : قوله : ("أنا النبي لا كذب " ) كان بعض العلماء يرويه "لا كذب " بنصب الباء ليخرجه عن وزن الشعر ، حكاه ابن التين ، وقد قيل : إنما قيل :

أنت النبي لا كذب     أنت ابن عبد المطلب

فقال حكايته قولهم "أنا النبي لا كذب " .

وفيه : إثبات النبوة، أي : أنا ليس بكاذب فيما أقول ، فيجوز على الانهزام ، وإنما ينهزم من ليس على يقين من النصرة وهو على خوف من الموت ، والشارع على يقين من النصرة مما أوحى الله إليه في كتابه وأعلمه أنه لا بد له من كمال هذا الأمر ، فمن زعم بعد هذا أنه انهزم فقد رماه بأنه كذب وحي الله أن الله يعصمه ، وقد سلف حكمه .

خامسها : إن قلت : نهى عن الافتخار بالآباء وقال هنا ما قال ، قلت : عنه قولان :

أحدهما : أنه أشار بذلك إلى رؤية رآها عبد المطلب دالة على نبوته مشهورة عند العرب فأخبر بها قريشا ، فعبرت بأن سيكون له ولد يسود الناس ويهلك أعداؤه على يديه ، وكان أمر تلك الرؤيا مشهورة في قريش ، فذكرهم بقوله هذا أمر تلك الرؤيا ; ليقوى بذلك من انهزم من أصحابه فيرجعوا وليثقن بأن الظفر لهم .

ثانيها : أنه أشار بذلك إلى خبر نقل عن سيف بن ذي يزن أنه أخبر عبد المطلب وقت وجوده ، وأنه في جماعة قريش وهو أن يكون في ولده .

وعنه : جواب ثالث : لشهرة جده فإنها أكبر من شهرة والده ; لأنه توفي شابا في حياة أبيه ، وكان كثيرا ما ينسب إليه عملا بالعادة في الشهرة ; ولهذا قال ضمام بن ثعلبة لما وفد عليه قال : أيكم ابن

[ ص: 545 ] عبد المطلب
؟

سادسها : فيه : خدمة السلطان في الحرب ، وسياسة دوابه لأشراف الناس من قرابته وغيرهم .

وفيه : جواز الانتماء في الحرب ، وإنما كره من ذلك ما كان على وجه الافتخار في غير الحرب ; لأنه رخص في الخيلاء فيه مع نهيه عنهما في عرفنا ، وفي الترمذي محسنا عن ابن عمر : لقد رأيتنا يوم حنين وإن الفئتين موليتين وما مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا مائة رجل .

ولعله عند البلاء حق كما قال ابن إسحاق ، وعند الزبير ممن ثبت منهم يومئذ عتبة ومعتب ابنا أبي لهب . ولابن إسحاق : وجعفر بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وأبو بكر وعمر وعلي والفضل بن العباس وأسامة وقثم بن العباس وأيمن بن أم أيمن -وقتل يومئذ - وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، وعقيل بن أبي طالب فيما ذكره ابن الأثير ، وأم سليم أم أنس بن مالك . قال العباس :


نصرنا رسول الله في الحرب تسعة     وقد فر من قد فر عنه وأقشعوا
وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه     لما مسه في الله لا يتوجع



ويروى : سبعة وثامننا .

وقال العباس -فيما رواه ابن أبي عاصم في "الجهاد " - شهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين وما معه إلا أنا وأبو سفيان .

[ ص: 546 ] فإن قلت : كيف فر القوم ، وهو كبيرة ؟

قلت : ذاك أن ينوي عدم العود عند وجدان القوة ، وأما من تحيز إلى فئة أو كان فراره لكثرة عدد العدو أو نوى العود إذا أمكنه فلا محذور فيه ولا داخل في الوعيد ، ولقد قال تعالى في حق هؤلاء : ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين [الفتح : 26] .

وفيه : جواز الأخذ بالشدة ، والتعرض للهلكة في سبيل الله ; لأن الناس فروا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا ، والمشركون في أضعافهم عددا جرارا كثيرا فلزموا مكانهم ومصافهم ، ولم يأخذوا بالرخصة من الفرار .

وفيه : ركوب البغال في الحرب للإمام كما سلف ; ليكون أثبت له ; ولئلا يظن به الاستعداد للفرار والتولي ، وهو من باب السياسة لنفوس الأتباع ; لأنه إذا ثبت ثبت أتباعه ، وإذا رئي منه العزم على الثبات عزم معه عليه .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث