الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في خلود أهل الجنة وأهل النار

جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء في خلود أهل الجنة وأهل النار

2557 حدثنا قتيبة حدثنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد ثم يطلع عليهم رب العالمين فيقول ألا يتبع كل إنسان ما كانوا يعبدونه فيمثل لصاحب الصليب صليبه ولصاحب التصاوير تصاويره ولصاحب النار ناره فيتبعون ما كانوا يعبدون ويبقى المسلمون فيطلع عليهم رب العالمين فيقول ألا تتبعون الناس فيقولون نعوذ بالله منك نعوذ بالله منك الله ربنا هذا مكاننا حتى نرى ربنا وهو يأمرهم ويثبتهم ثم يتوارى ثم يطلع فيقول ألا تتبعون الناس فيقولون نعوذ بالله منك نعوذ بالله منك الله ربنا وهذا مكاننا حتى نرى ربنا وهو يأمرهم ويثبتهم قالوا وهل نراه يا رسول الله قال وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر قالوا لا يا رسول الله قال فإنكم لا تضارون في رؤيته تلك الساعة ثم يتوارى ثم يطلع فيعرفهم نفسه ثم يقول أنا ربكم فاتبعوني فيقوم المسلمون ويوضع الصراط فيمرون عليه مثل جياد الخيل والركاب وقولهم عليه سلم سلم ويبقى أهل النار فيطرح منهم فيها فوج ثم يقال هل امتلأت فتقول هل من مزيد ثم يطرح فيها فوج فيقال هل امتلأت فتقول هل من مزيد حتى إذا أوعبوا فيها وضع الرحمن قدمه فيها وأزوى بعضها إلى بعض ثم قال قط قالت قط قط فإذا أدخل الله أهل الجنة الجنة وأهل النار النار قال أتي بالموت ملببا فيوقف على السور بين أهل الجنة وأهل النار ثم يقال يا أهل الجنة فيطلعون خائفين ثم يقال يا أهل النار فيطلعون مستبشرين يرجون الشفاعة فيقال لأهل الجنة وأهل النار هل تعرفون هذا فيقولون هؤلاء وهؤلاء قد عرفناه هو الموت الذي وكل بنا فيضجع فيذبح ذبحا على السور الذي بين الجنة والنار ثم يقال يا أهل الجنة خلود لا موت ويا أهل النار خلود لا موت قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم روايات كثيرة مثل هذا ما يذكر فيه أمر الرؤية أن الناس يرون ربهم وذكر القدم وما أشبه هذه الأشياء والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء ثم قالوا تروى هذه الأحاديث ونؤمن بها ولا يقال كيف وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تروى هذه الأشياء كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه ومعنى قوله في الحديث فيعرفهم نفسه يعني يتجلى لهم

التالي السابق


قوله : ( في صعيد واحد ) الصعيد الأرض الواسعة المستوية ( ثم يطلع عليهم رب العالمين ) قال في القاموس : طلع فلان علينا كمنع ونصر أتانا كاطلع ، انتهى ( فيمثل لصاحب الصليب صليبه ولصاحب التصاوير تصاويره ولصاحب النار ناره ) قال ابن العربي : يحتمل أن يكون التمثيل تلبيسا عليهم ، ويحتمل أن يكون التمثيل لمن لا يستحق التعذيب . وأما من سواهم فيحضرون حقيقة لقوله تعالى : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ( نعوذ بالله منك ) وعند الشيخين وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي [ ص: 232 ] يعرفون ، فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك . قال ابن العربي : إنما استعاذوا منه أولا لأنهم اعتقدوا أن ذلك الكلام استدراج ; لأن الله لا يأمر بالفحشاء ، ومن الفحشاء اتباع الباطل وأهله ، ولهذا وقع في الصحيح فيأتيهم الله في صورة : أي بصورة لا يعرفونها وهي الأمر باتباع أهل الباطل فلذلك يقولون إذا جاء ربنا عرفناه أي إذا جاءنا بما عهدناه منه من قول الحق ( ثم يتوارى ) أي يستتر ( وهل تضارون ) قال النووي : روي تضارون بتشديد الراء وتخفيفها والتاء مضمومة فيهما ومعنى المشدد هل تضارون غيركم في حالة الرؤية بزحمة أو مخالفة في الرؤية أو غيرها لخفائه كما تفعلون أول ليلة من الشهر ، ومعنى المخفف هل يلحقكم في رؤيته ضير وهو الضرر . وقال الحافظ : بضم أوله بالضاد المعجمة وتشديد الراء بصيغة المفاعلة من الضرر وأصله تضاررون بكسر الراء وبفتحها أي لا تضرون أحدا ولا يضركم بمنازعة ولا مجادلة ولا مضايقة وجاء تخفيف الراء من الضير وهو لغة في الضر ، أي لا يخالف بعض بعضا فيكذبه وينازعه فيضيره بذلك يقال ضاره يضيره ( ثم يطلع فيعرفهم نفسه ) أي يلقي في قلوبهم علما قطعيا يعرفون به أنه ربهم سبحانه وتعالى ( أنا ربكم فاتبعوني ) وعند الشيخين أنا ربكم فيقولون : أنت ربنا فيتبعونه . قال النووي : معناه يتبعون أمره إياهم بذهابهم إلى الجنة ، أو يتبعون ملائكته الذين يذهبون بهم إلى الجنة ( ويوضع الصراط ) وعند مسلم ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم ( فيمر عليه ) أي فيمر المسلمون على الصراط .

( مثل جياد الخيل ) ، قال في القاموس : فرس جواد بين الجودة بالضم رائع والجمع جياد ، وقد جاد في عدوه جودة انتهى ، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف ( والركاب ) بكسر الراء عطف على الخيل ، والمراد بها الإبل ولا واحد له من لفظه ( وقولهم ) أي قول الرسل والأنبياء ( عليه ) أي على الصراط ( سلم سلم ) أمر مخاطب أي يقول كل نبي اللهم سلم أمتي من ضرر الصراط اللهم اجعلهم سالمين من آفاته آمنين من مخافاته وتكراره مرتين المراد به الكثرة أو باعتبار كل واحد من أهل الشفاعة أو للإلحاح في الدعاء كما هو من آدابه . وفي رواية البخاري : ودعاء الرسل يومئذ اللهم سلم سلم .

[ ص: 233 ] قال الحافظ في رواية شعيب : ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل ، وفي رواية إبراهيم بن سعد : ولا يكلمه إلا الأنبياء ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم . ووقع في رواية العلاء وقولهم اللهم سلم سلم ، وللترمذي من حديث المغيرة شعار المؤمنين على الصراط رب سلم سلم ، والضمير في الأول للرسل ، ولا يلزم من كون هذا الكلام شعار المؤمنين أن ينطقوا به ، بل تنطق به الرسل يدعون للمؤمنين بالسلامة ، فسمي ذلك شعارا لهم ، فبهذا تجتمع الأخبار ، ويؤيده قوله في رواية سهيل : فعند ذلك حلت الشفاعة اللهم سلم سلم ، انتهى ( ثم يطرح فيها فوج ) أي من أهل النار ( فتقول هل من مزيد ) أي من زيادة ( حتى إذا أوعبوا فيها ) من الإيعاب ، وهو الاستقصاء في كل شيء ( وضع الرحمن قدمه فيها ) .

وفي رواية لمسلم رجله . قال القاري مذهب السلف التسليم والتفويض مع التنزيه وأرباب التأويل من الخلف ، يقولون : المراد بالقدم قدم بعض مخلوقاته فيعود الضمير في " قدمه " إلى ذلك المخلوق المعلوم أو قوم قدمهم الله للنار من أهلها ، وتقدم في سابق حكمه أنهم لاحقوها فتمتلئ منهم جهنم ، والعرب تقول كل شيء قدمته من خير أو شر فهو قدم ، ومنه قوله تعالى : أن لهم قدم صدق عند ربهم أي ما قدموه من الأعمال الصالحة الدالة على صدقهم في تصديقهم ، والمراد بالرجل الجماعة من الجراد وهو وإن كان موضوعا لجماعة كثيرة من الجراد لكن استعارته لجماعة الناس غير بعيد . أو أخطأ الراوي في نقله الحديث بالمعنى ، وظن أن الرجل سد مسد القدم ، هذا : وقد قيل : وضع القدم على الشيء مثل للردع والقمع ، فكأنه قال : يأتيها أمر الله فيكفها من طلب المزيد ، وقيل : أريد به تسكين فورتها كما يقال للأمر يراد إبطاله وضعته تحت قدمي ذكره في النهاية . وفي شرح السنة : القدم والرجل المذكوران في هذا الحديث من صفات الله المنزهة عن التكييف والتشبيه ، وكذلك كل ما جاء من هذا القبيل في الكتاب أو السنة ، كاليد والأصبع والعين والمجيء والإتيان والنزول .

فالإيمان بها فرض والامتناع عن الخوض فيها واجب . فالمهتدي من سلك فيها طريق التسليم ، والخائض فيها زائغ والمنكر معطل والمكيف مشبه ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، انتهى .

قال القاري : وهو الموافق لمذهب الإمام مالك -رحمه الله- ولطريق إمامنا الأعظم على ما أشار إليه في الفقه الأكبر ، فالتسليم أسلم والله تعالى أعلم ، انتهى .

[ ص: 234 ] قلت : الأمر كما قال القاري ، فلا شك أن التسليم والتفويض هو الأسلم بل هو المتعين ( وأزوي بعضها إلى بعض ) بصيغة المجهول ، وفي رواية يزوى أي يضم بعضها إلى بعض فتجتمع وتلتقي على من فيها ( قالت ) أي النار ( قط قط ) قال النووي : معنى قط حسبي أي يكفيني هذا وفيه ثلاث لغات قط قط بإسكان الطاء فيهما وبكسرها منونة وغير منونة انتهى والتكرار للتأكيد ( أتي بالموت ) أي أحضر به كهيئة كبش أملح كما في حديث أبي سعيد الآتي ( ملببا ) في القاموس لببه تلبيبا جمع ثيابه عند نحره في الخصومة ثم جره ( فيطلعون خائفين ) أي أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه ( فيطلعون مستبشرين يرجون الشفاعة ) أي يرجون أن يشفع لهم فيخرجوا من النار . وفي رواية ابن ماجه : مستبشرين فرحين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه ( يا أهل الجنة خلود ) أي هذا الحال مستمر ويحتمل أن يكون جمع خالد أي أنتم خالدون في الجنة ( لا موت ) بفتح التاء المثناة أي لا موت في الجنة .

قوله : ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه مختصرا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث