الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين عطف على قوله ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا والمقصود مقابلة الإعلام بخلاف الحسبان في حالتين : إحداهما تلوح للناظر حالة ضر ، والأخرى تلوح حالة خير ، فأعلم الله أن كلتا الحالتين على خلاف ما يتراءى للناظرين .

ويجوز كونه معطوفا على قوله ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إذ نهاه عن أن يكون ذلك موجبا لحزنه ، لأنهم لا يضرون الله شيئا ، ثم ألقى إليه خبرا لقصد إبلاغه إلى المشركين وإخوانهم المنافقين : أن لا يحسبوا أن بقاءهم نفع لهم بل هو إملاء لهم يزدادون به آثاما ، ليكون أخذهم بعد [ ص: 175 ] ذلك أشد . وقرأه الجمهور ولا يحسبن الذين كفروا بياء الغيبة وفاعل الفعل الذين كفروا ، وقرأه حمزة وحده بتاء الخطاب .

فالخطاب إما للرسول - عليه السلام - وهو نهي عن حسبان لم يقع ، فالنهي للتحذير منه أو عن حسبان هو خاطر خطر للرسول - صلى الله عليه وسلم - غير أنه حسبان تعجب ، لأن الرسول يعلم أن الإملاء ليس خيرا لهم ، أو المخاطب الرسول والمقصود غيره ، ممن يظن ذلك من المؤمنين على طريقة التعريض مثل لئن أشركت ليحبطن عملك ، أو المراد من الخطاب كل مخاطب يصلح لذلك .

وعلى قراءة - الياء التحتية - فالنهي مقصود به بلوغه إليهم ليعلموا سوء عاقبتهم ، ويمر عيشهم بهذا الوعيد ، لأن المسلمين لا يحسبون ذلك من قبل . والإملاء : الإمهال في الحياة ، والمراد به هنا تأخير حياتهم ، وعدم استئصالهم في الحرب ، حيث فرحوا بالنصر يوم أحد ، وبأن قتلى المسلمين يوم أحد كانوا أكثر من قتلاهم .

ويجوز أن يراد بالإملاء التخلية بينهم وبين أعمالهم في كيد المسلمين وحربهم وعدم الأخذ على أيديهم بالهزيمة والقتل كما كان يوم بدر ، يقال : أملى لفرسه إذا أرخى له الطول في المرعى ، وهو مأخوذ من الملو بالواو وهو سير البعير الشديد ، ثم قالوا : أمليت للبعير والفرس إذا وسعت له في القيد لأنه يتمكن بذلك من الخبب والركض ، فشبه فعله بشدة السير ، وقالوا : أمليت لزيد في غيه أي تركته : على وجه الاستعارة ، وأملى الله لفلان أخر عقابه ، قال تعالى وأملي لهم إن كيدي متين واستعير التملي لطول المدة تشبيها للمعقول بالمحسوس فقالوا : ملأك الله حبيبك تمليئة ، أي أطال عمرك معه .

وقوله أنما نملي لهم خير لأنفسهم ( أن ) أخت إن المكسورة الهمزة ، و ( ما ) موصولة وليست الزائدة ، وقد كتبت في المصحف كلمة واحدة كما تكتب إنما المركبة من ( إن ) أخت أن و ( ما ) الزائدة الكافة ، التي هي حرف حصر بمعنى ( ما ) و ( إلا ) ، وكان القياس أن تكتب مفصولة وهو اصطلاح حدث بعد كتابة المصاحف لم يكن مطردا في الرسم القديم ، على هذا اجتمعت كلمات [ ص: 176 ] المفسرين من المتقدمين والمتأخرين . وأنا أرى أنه يجوز أن يكون أنما من قوله أنما نملي لهم خير لأنفسهم هي أنما أخت إنما المكسورة وأنها مركبة من ( أن ) و ( ما ) الكافة الزائدة وأنها طريق من طرق القصر عند المحققين ، وأن المعنى : ولا يحسبن الذين كفروا انحصار إمهالنا لهم في أنه خير لهم لأنهم لما فرحوا بالسلامة من القتل وبالبقاء بقيد الحياة قد أضمروا في أنفسهم اعتقاد أن بقاءهم ما هو إلا خير لهم لأنهم يحسبون القتل شرا لهم ، إذ لا يؤمنون بجزاء الشهادة في الآخرة لكفرهم بالبعث . فهو قصر حقيقي في ظنهم .

ولهذا يكون رسمهم كلمة أنما المفتوحة الهمزة في المصحف جاريا على ما يقتضيه اصطلاح الرسم . و أنما نملي لهم خير لأنفسهم هو بدل اشتمال من الذين كفروا ، فيكون سادا مسد المفعولين ، لأن المبدل منه صار كالمتروك ، وسلكت طريقة الإبدال لما فيه من الإجمال ، ثم التفصيل ، لأن تعلق الظن بالمفعول الأول يستدعي تشوف السامع للجهة التي تعلق بها الظن ، وهي مدلول المفعول الثاني ، فإذا سمع ما يسد مسد المفعولين بعد ذلك تمكن من نفسه فضل تمكن وزاد تقريرا .

وقوله إنما نملي لهم ليزدادوا إثما استئناف واقع موقع التعليل للنهي عن حسبان الإملاء ، خيرا ، أي ما هو بخير لأنهم يزدادون في تلك المدة إثما .

و ( إنما ) هذه كلمة مركبة من ( إن ) حرف التوكيد و ( ما ) الزائدة الكافة وهي أداة حصر أي : ما نملي لهم إلا ليزدادوا إثما ، أي فيكون أخذهم به أشد . فهو قصر قلب .

ومعناه أنه يملي لهم ويؤخرهم وهم على كفرهم فيزدادون إثما في تلك المدة ، فيشتد عقابهم على ذلك ، وبذلك لا يكون الإملاء لهم خيرا لهم ، بل هو شر لهم .

واللام ليزدادوا إثما لام العاقبة كما هي في قوله تعالى ليكون لهم عدوا وحزنا أي : إنما نملي لهم فيزدادون إثما ، فلما كان ازدياد الإثم [ ص: 177 ] ناشئا عن الإملاء ، كان كالعلة له ، لا سيما وازدياد الإثم يعلمه الله فهو حين أملى لهم علم أنهم يزدادون به إثما ، فكان الازدياد من الإثم شديد الشبه بالعلة ، أما علة الإملاء في الحقيقة ونفس الأمر فهي شيء آخر يعلمه الله ، وهو داخل في جملة حكمة خلق أسباب الضلالة وأهله والشياطين والأشياء الضارة . وهي مسألة مفروغ منها في علم الكلام ، وهي مما استأثر الله بعلم الحكمة في شأنه . وتعليل النهي على حسبان الإملاء لهم خيرا لأنفسهم حاصل ، لأن مداره على التلازم بين الإملاء لهم وبين ازديادهم من الإثم في مدة الإملاء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث