الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى

أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى

الإشارة إلى من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما عطف على صلته من صفاتهم وجيء باسم إشارة الجمع لأن ماصدق‌ ( من ) هو فريق من الناس ، وفصلت الجملة عن التي قبلها لتفيد تقرير معنى ويمدهم في طغيانهم يعمهون فمضمونها بمنزلة التوكيد ، وذلك مما يقتضي الفصل ، ولتفيد تعليل مضمون جملة ويمدهم في طغيانهم فتكون استئنافا بيانيا لسائل عن العلة ، وهي أيضا فذلكة للجمل السابقة الشارحة لأحوالهم ، وشأن الفذلكة عدم العطف كقوله تعالى تلك عشرة كاملة وكل هذه الاعتبارات مقتض لعدم العطف ففيها ثلاثة موجبات للفصل . وموقع هذه الجملة من نظم الكلام مقابل موقع جملة أولئك على هدى من ربهم ومقابل موقع جملة ختم الله على قلوبهم الآية ، واسم الإشارة هنا غير مشار به إلى ذوات ولكن إلى صنف اجتمعت فيهم الصفات الماضية فانكشفت أحوالهم حتى صاروا كالحاضرين تجاه السامع بحيث يشار إليهم ، وهذا استعمال كثير الورود في الكلام البليغ .

وليس في هذه الإشارة إشعار ببعد أو قرب حتى تفيد تحقيرا ناشئا عن البعد لأن هذا من أسماء الإشارة الغالبة في كلام العرب فلا عدول فيها حتى يكون العدول لمقصد كما تقدم في قوله تعالى ذلك الكتاب ولأن المشار إليه هنا غير محسوس حتى يكون له مرتبة معينة فيكون العدول عن لفظها لقصد معنى ثان ، فإن قوله تعالى ذلك الكتاب مع قرب الكتاب للناطق بآياته عدول عن إشارة القريب إلى البعيد فأفاد التعظيم . وعكس هذا قول قيس بن الخطيم :


متى يأت هذا الموت لا يلف حاجة لنفسي إلا قد قضيت قضاءها

فإن الموت بعيد عنه فحقه أن يشير إليه باسم البعيد ، وعدل عنه إلى إشارة القريب لإظهار استخفافه به .

[ ص: 298 ] والاشتراء افتعال من الشري وفعله شرى الذي هو بمعنى باع كما أن اشترى بمعنى ابتاع ، فاشترى وابتاع كلاهما مطاوع لفعله المجرد . أشار أهل اللسان إلى أن فاعل هذه المطاوعة هو الذي قبل الفعل والتزمه فدلوا بذلك على أنه آخذ شيئا لرغبة فيه ، ولما كان معنى البيع مقتضيا آخذين وباذلين كان كل منهما بائعا ومبتاعا باختلاف الاعتبار ، ففعل باع منظور فيه ابتداء إلى معنى البذل ، والفعل ابتاع منظور فيه ابتداء إلى معنى الأخذ فإن اعتبره المتكلم آخذا لما صار بيده عبر عنه بمبتاع ومشتر ، وإن اعتبره باذلا لما خرج من يده من العوض ، عبر عنه ببائع وشار ، وبهذا يكون الفعلان جاريين على سنن واحد .

وقد ذكر كثير من اللغويين أن شرى يستعمل بمعنى اشترى والذي جرأهم على ذلك سوء التأمل في قوله تعالى وشروه بثمن بخس دراهم معدودة فتوهموا الضمير عائدا إلى المصريين مع أن معاده واضح قريب وهو سيارة من قوله تعالى وجاءت سيارة أي باعوه ، وحسبك شاهدا على ذلك قوله وكانوا فيه من الزاهدين أما الذي اشتراه فهو فيه من الراغبين ، ألا ترى إلى قوله لامرأته أكرمي مثواه وعلى ذينك الاعتبارين في فعلي الشراء والبيع كانت تعديتهما إلى المفعول فهما يتعديان إلى المقصود الأصلي بأنفسهما وإلى غيره بالباء فيقال باع فرسه بألف وابتاع فرس فلان بألف لأن الفرس هو الذي كانت المعاقدة لأجله لأن الذي أخرجه ليبيعه علم أن الناس يرغبون فيه والذي جاء ليشتريه كذلك .

وإطلاق الاشتراء هنا مجاز مرسل بعلاقة اللزوم ، أطلق الاشتراء على لازمه الثاني وهو الحرص على شيء والزهد في ضده أي حرصوا على الضلالة ، وزهدوا في الهدى إذ ليس في ما وقع من المنافقين استبدال شيء بشيء إذ لم يكونوا من قبل مهتدين .

ويجوز أن يكون الاشتراء مستعملا في الاستبدال وهو لازمه الأول واستعماله في هذا اللازم مشهور . قال بشامة بن حزن :

إنا بني نهشل لا ندعي لأب     عنه ولا هو بالأبناء يشرينا

أي يبيعنا أي يبدلنا ، وقال عنترة بن الأخرس المعني من شعراء الحماسة :

ومن إن بعت منزلة بأخرى     حللت بأمره وبه تسير

[ ص: 299 ] أي إذا استبدلت دارا بأخرى . وهذا بخلاف قول أبي النجم :


أخذت بالجمة رأسا أزعرا     وبالطويل العمر عمرا جيدرا
كما اشترى المسلم إذ تنصرا

فيكون الحمل عليه هنا أن اختلاطهم بالمسلمين وإظهارهم الإيمان حالة تشبه حال المهتدي تلبسوا بها ، فإذا خلوا إلى شياطينهم طرحوها واستبدلوها بحالة الضلال ، وعلى هذا الوجه الثاني يصح أيضا أن يكون الاشتراء استعارة بتشبيه تينك الحالتين بحال المشتري لشيء كان غير جائز له وارتضاه في الكشاف .

والموصول في قوله : ( الذين اشتروا ) بمعنى العرف بلام الجنس فيفيد التركيب قصر المسند على المسند إليه وهو قصر ادعائي باعتبار أنهم بلغوا الغاية في اشتراء الضلالة والحرص عليها إذ جمعوا الكفر والسفه والخداع والإفساد والاستهزاء بالمهتدين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث