الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


495 [ ص: 296 ] حديث ثان لابن شهاب عن أبي عبيد .

مالك عن ابن شهاب عن أبي عبيد مولى ابن أزهر ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول : قد دعوت فلم يستجب لي .

التالي السابق


في هذا الحديث دليل على خصوص قول الله عز وجل ادعوني أستجب لكم وأن الآية ليست على عمومها . ألا ترى أن هذه السنة الثابتة خصت منها الداعي إذا عجل فقال قد دعوت فلم يستجب لي ؟ والدليل على صحة هذا التأويل قول الله عز وجل فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ولكن قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الإجابة [ ص: 297 ] ومعناها ما فيه غنى عن قول كل قائل ، وهو حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث : فإما أن يعجل له دعوته ، وإما أن يؤخرها له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه أو يكف عنه من السوء مثلها وقد ذكرنا هذا الحديث بإسناده في آخر باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا .

وفيه دليل على أنه لا بد من الإجابة على أحد هذه الأوجه الثلاثة . فعلى هذا يكون تأويل قول الله عز وجل ، والله أعلم فيكشف ما تدعون إليه إن شاء أنه يشاء ، وأنه لا مكره له ويكون قوله عز وجل دعوة الداع إذا دعان على ظاهره وعمومه بتأويل حديث أبي سعيد [ ص: 298 ] المذكور ، والله أعلم بما أراد بقوله وبما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم والدعاء خير كله وعبادة وحسن عمل ، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا .

وقد روي عن أبي هريرة أنه كان يقول : ما أخاف أن أحرم الإجابة ولكني أخاف أن أحرم الدعاء . وهذا عندي على أنه حمل آية الإجابة على العموم والوعد ، والله لا يخلف الميعاد . وروي عن بعض التابعين أنه كان يقول : الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا يقبل الله دعاء من قلب لاه فادعوه وأنتم موقنون بالإجابة وقد علمنا أن ليس كل الناس تجاب دعوته ولا في كل وقت [ ص: 299 ] تجاب دعوة الفاضل وأن دعوة المظلوم لا تكاد ترد ، وحديث أبي سعيد المذكور الذي هو في الموطأ من قول زيد بن أسلم أولى ما قيل به واحتمل عليه من هذا الباب في الدعاء ، وبالله التوفيق .

أخبرنا قاسم بن محمد قال : حدثنا خالد بن سعيد قال : حدثنا أحمد بن عمرو بن منصور قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثنا معاوية بن صالح أن ربيعة بن يزيد حدثهم عن أبي إدريس الخولاني عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : يستجاب لأحدكم ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل . قالوا : وما الاستعجال يا رسول الله ؟ قال : يقول : ( قد دعوتك يا رب ( فلا أراك تستجيب لي .

[ ص: 300 ] وهذا أكمل من حديث ابن شهاب عن أبي عبيد عن أبي هريرة المذكور في هذا الباب وأوضح معنى وهو يفسره ويعضده .

وقد روى النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن الدعاء هو العبادة ثم تلا : وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي الآية .

وقال يحيى بن أبي كثير : أفضل العبادة كلها الدعاء . وروى أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يواظب على حزبه من الدعاء كما يواظب على حزبه من القرآن . وقال ابن مسعود : لكل شيء ثمرة وثمرة الصلاة الدعاء . وقال أيضا : لا يسمع الله دعاء مسمع ولا مراء ولا لاعب .

[ ص: 301 ] وقال يزيد الرقاشي : الدعاء المستجاب الذي تخرجه الأحزان ، ومفتاح الرحمة : التفرغ . وقد قالوا : إن الله يحب أن يسأل ولذلك أمر عباده أن يسألوه من فضله . وقالوا : لا يصلح الإلحاح على أحد إلا على الله ( عز وجل ( وقال مورق العجلي : دعوت ربي في حاجة عشرين سنة فلم يقضها لي ولم أيأس منها .

وروي عن أبي جعفر محمد بن علي وعن الضحاك أنهما قالا في قوله تعالى قد أجيبت دعوتكما كان بينهما أربعون سنة . وقال ابن جريج : يقال : إن فرعون ملك بعد هذه الآية أربعين سنة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث