الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 141 ] فصل

قال : الدرجة الثانية : صفاء حال ، يشاهد به شواهد التحقيق . ويذاق به حلاوة المناجاة . وينسى به الكون .

هذه الدرجة إنما كانت أعلى مما قبلها لأنها همة حال . والحال ثمرة العلم ، ولا يصفو حال إلا بصفاء العلم المثمر له . وعلى حسب شوب العلم يكون شوب الحال . وإذا صفا الحال : شاهد العبد - بصفائه - آثار الحقائق . وهي الشواهد فيه ، وفي غيره ، وعليه ، وعلى غيره . ووجد حلاوة المناجاة . وإذا تمكن في هذه الدرجة : نسي الكون وما فيه من المكونات .

وهذه الدرجة تختص بصفاء الحال كما اختصت الأولى بصفاء العلم .

والحال هو تكيف القلب وانصباغه بحكم الواردات على اختلافها ، والحال يدعو صاحبه إلى المقام الذي جاء منه الوارد ، كما تدعوه رائحة البستان الطيبة إلى دخوله والمقام فيه . فإذا كان الوارد من حضرة صحيحة - وهي حضرة الحقيقة الإلهية ، لا الحقيقة الخيالية الذهنية - شاهد السالك بصفائه شواهد التحقيق ، وهي علاماته : والتحقيق هو حكم الحقيقة ، وتأثر القلب والروح بها ، والحقيقة ما تعلق بالحق المبين سبحانه . فالله هو الحق . والحقيقة ما نسب إليه وتعلق به . والتحقيق تأثر القلب بآثار الحقيقة . ولكل حق حقيقة ، ولكل حقيقة تحقيق يقوم بمشاهدة الحقيقة .

قوله " ويذاق به حلاوة المناجاة " المناجاة : مفاعلة من النجوى . وهو الخطاب في سر العبد وباطنه . والشيخ ذكر في هذه الدرجة ثلاثة أمور .

أحدها : مشاهدة شواهد التحقيق . الثاني : ذوق حلاوة المناجاة . فإنه متى صفا له حاله من الشوائب ، خلصت له حلاوته من مرارة الأكدار . فذاق تلك الحلاوة في حال مناجاته . فلو كان الحال مشوبا مكدرا لم يجد حلاوة المناجاة . والحال المستندة إلى وارد تذاق به حلاوة المناجاة : هو من حضرة الأسماء والصفات ، بحسب ما يصادف القلب من ظهورها وكشف معانيها .

فمن ظهر له اسم الودود - مثلا - وكشف له عن معاني هذا الاسم ، ولطفه ، وتعلقه بظاهر العبد وباطنه : كان الحال الحاصل له من حضرة هذا الاسم مناسبا له . [ ص: 142 ] فكان حال اشتغال حب وشوق ، ولذة مناجاة ، لا أحلى منها ولا أطيب ، بحسب استغراقه في شهود معنى هذا الاسم . وحظه من أثره .

فإن الودود - وإن كان بمعنى المودود ، كما قال البخاري في صحيحه : الودود الحبيب - واستغراق العبد في مطالعة صفات الكمال التي تدعو العبد إلى حب الموصوف بها : أثمر له صفاء علمه بها ، وصفاء حاله في تعبده بمقتضاها : ما ذكره الشيخ من هذه الأمور الثلاثة وغيرها .

وكذلك إن كان اسم فاعل بمعنى الواد وهو المحب : أثمرت له مطالعة ذلك حالا تناسبه .

فإنه إذا شاهد بقلبه غنيا كريما جوادا ، عزيزا قادرا ، كل أحد محتاج إليه بالذات . وهو غني بالذات عن كل ما سواه . وهو - مع ذلك - يود عباده ويحبهم ، ويتودد إليهم بإحسانه إليهم وتفضله عليهم - : كان له من هذا الشهود حالة صافية خالصة من الشوائب .

وكذلك سائر الأسماء والصفات . فصفاء الحال بحسب صفاء المعرفة بها وخلوصها من دم التعطيل وفرث التمثيل . فتخرج المعرفة من بين ذلك فطرة خالصة سائغة للعارفين . كما يخرج اللبن من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين .

والأمر الثالث : قوله " وينسى به الكون " أي ينسى الكون بما يغلب على قلبه من اشتغاله بهذه الحال المذكورة . والمراد بالكون : المخلوقات . أي يشتغل بالحق عن الخلق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث