الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 1888 ] كتاب البيوع

باب الكسب وطلب الحلال

الفصل الأول

2759 - عن المقدام بن معدي كرب - رضي الله عنه : قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يديه ، وإن نبي الله داود - عليه السلام - كان يأكل من عمل يديه " . رواه البخاري .

التالي السابق


كتاب البيوع

قال الأزهري : تقول العرب : بعت بمعنى ما كنت ملكته ، وبعت بمعنى لاشتريت ، وكذلك شريت بالمعنيين ، لأن الثمن والمثمن كل منهما مبيع ، وقال ابن الهمام : عرف أن مشروعات الشارع منقسمة إلى حقوق الله - تعالى - خالصة ، وحقوق العباد خالصة ، وما اجتمع فيه الحقان ، وحقه - تعالى - غالب وما اجتمعنا فيه ، وحق العباد غالب ، ، فحقوقه - تعالى - عبادات وعقوبات وكفارات ، فابتدأ المصنف بحقوق الله - تعالى - الخالصة ، حتى أتى على آخر أنواعها ، ثم شرع في حقوق العباد وهي المعاملات ، ثم البيع مصدر ، فقد يراد به المفعول فيجمع كالجمع المبيع ، وقد يراد به المعنى وهو الأصل ، فجمعه باعتبار أنواعه : فإن البيع يكون سلما ، وهو بيع الدين بالعين ، وقلبه وهو البيع المطلق ، وصرفا : وهو بيع الثمن بالثمن ، ومقابضة : وهو بيع العين بالعين وبخيار ومنجزا ، ومؤجل الثمن ومرابحة ، وتولية ، ووضيعة وغير ذلك . والبيع من الأضداد يقال : باع إذا أخرج العين عن ملكه إليه ، وباعه إذا اشتراه ، ويتعدى بنفسه بالحرف يقال : باع زيد الثوب وباعه منه .

وأما مفهومه لغة وشرعا فقال فخر الإسلام : البيع لغة مبادلة المال بالمال ، وكذا في الشرع ، لكن زيد فيه قيد التراضي ، وشرعية البيع بالكتاب والسنة وهو قوله - تعالى : وأحل الله البيع والسنة ، وهو قوله - عليه الصلاة والسلام - والناس يتبايعون فقرهم عليه ، والإجماع منعقد عليه ، وسبب شرعيته تعلق البقاء المعلوم فيه لله - تعالى - على وجه جميل ، وذلك أن الإنسان لو استقل بابتداء بعض حاجاته من حرث الأرض ، ثم بذر القمح وخدمته وحراثته وحصده ودراسته ثم تذريته ثم تنظيفه وطحنه بيده وعجنه لم يقدر على مثل ذلك .

وفي الكتان والصوف لبسه ، وبناء ما يظله من الحر والبرد إلى غير ذلك ، فلا بد من أن تدفعه الحاجة إلى أن يشتري شيئا مزاولة شيء ، فلو لم يشرع البيع سببا للتمليك في البدلين لاحتاج إلى أن يؤخذ على التغالب والمقاهرة ، أو السؤال ، والشحاذة أو يصبر حتى يموت ، وفي كل منها ما لا يخفى من الفساد ، وفي الثاني من الذل والصغار ما لا يقدر عليه كل أحد ، ويزري بصاحبه ، فكان في شرعيته بقاء المكلفين المحتاجين ودفع حاجاتهم على النظام الحسن .

[ 1 ] باب الكسب

أي تبيين فضله وتعيين طيبه وخبيثه ( وطلب الحلال ) : أي : واجتناب الحرام الذي من لوازمه ، وكونه فرضا بعد الفرض أو قبله ، والثاني أظهر لقوله - تعالى : كلوا من الطيبات واعملوا صالحا الفصل الأول

2759 - ( عن المقدام ) : بكسر الميم ( ابن معدي كرب ) : بفتح الموحدة ( قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " ما أكل أحد طعاما قط ) : بفتح القاف وتشديد الطاء أي أبدا ( خيرا ) : أي : أفضل أو أحل أو أطيب ( من أن يأكل من عمل يديه ) : بالثنية لأن غالب المزاولة بهما ( وإن نبي الله داود - عليه الصلاة والسلام - ) : وهو بالنصب على أنه بدل أو عطف بيان ، وخص بالذكر لتعليم الله - تعالى - إياه قال الله - تعالى : وعلمناه صنعة لبوس لكم . ( كان يأكل من عمل يديه ) : قال المظهر : فيه تحريض على الكسب الحلال ، فإنه يتضمن فوائد كثيرة . منها : إيصال النفع إلى المكتسب بأخذ الأجرة إن كان العمل لغيره ، [ ص: 1889 ] وبحصول الزيادة على رأس المال إن كان العمل تجارة : ومنها : إيصال النفع إلى الناس بتهيئة أسبابهم من حول ثيابهم وخياطتهم ونحوها ، مما يحصل بالسعي ، كغرس الأشجار ، وزرع الأقوات والثمار . ومنها : أن يشتغل الكاسب به فيسلم عن البطالة واللهو . ومنها : كسر النفس به فيقل طغيانها ومرحها . ومنها : أن يتعفف عن ذل السؤال والاحتياج إلى الغير ، وشرط المكتسب أن لا يعتقد الزرق من الكسب ، بل من الله الكريم الرزاق ذي القوة المتين ، ثم في قوله : " وإن نبي الله " الخ . توكيد للتحريض ، وتقرير له يعني : الاكتساب من سنن الأنبياء ، فإن نبي الله داود كان يعمل السرد ويبيعه لقوته فاستنوا به . اهـ .

وروي أن داود - عليه الصلاة والسلام - كان في خلافته يتجسس الناس في أمره ، ويسأل من لا يعرفه كيف سيرة داود فيكم ، فبعث الله ملكا في صورة إنسان ، فتقدم إليه داود فسأله فقال : نعم الرجل داود إلا أنه يأكل من بيت المال ، فسأل داود ربه أن يغنيه عن بيت المال ، فعلمه الله صنعة الدروع ، ويبيع كل درع بأربعة آلاف درهم ، وقيل : كان يعمل كل يوم درعا ويبيعه بستة آلاف درهم ، فينفق ألفين على نفسه وعياله ، ويتصدق بأربعة آلاف درهم على فقراء بني إسرائيل ، ثم الكسب بقدر الكفاية واجب لنفسه وعياله عند عامة العلماء ، وما زاد عليه فهو مباح إذ لم يرد به الفخر والتكاثر ، وقيل : الاشتغال به مكروه ، وإنما الواجب على كل أحد أن يشتغل بعبادة ربه لقوله - تعالى : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون قلنا : المراد بالعبادة المعرفة ، وهي لا تنافي الكسب ، وإن كانت على حقيقتها فالمراد بها المفروضة ، وهي أيضا غير منافية له لأنها لا تستغرق الأوقات . ( رواه البخاري ) .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث