الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 289 ] وسئل رحمه الله تعالى عن " الخلع " : هل هو طلاق محسوب من الثلاث ؟ وهل يشترط كونه بغير لفظ الطلاق ونيته ؟

[ ص: 303 ]

التالي السابق


[ ص: 303 ] وقد اختلف العلماء في صحة الخلع بغير عوض ؟ على قولين : هما روايتان عن أحمد .

" أحدهما " كقول أبي حنيفة والشافعي وهي اختيار أكثر أصحابه .

" والثانية " يصح كالمشهور في مذهب مالك وهي اختيار الخرقي . وعلى هذا القول فلا بد أن ينوي بلفظ الخلع الطلاق ويقع به طلاق بائن لا يكون فسخا على الروايتين نص على ذلك أحمد رحمه الله فإنه لو أجاز أن يكون فسخا بلا عوض لكان الرجل يملك فسخ النكاح ابتداء ولا يحسب ذلك عليه من الثلاث وهذا لا يقوله أحد ; فإنه لو جاز ذلك لكان هذا يستلزم جعل الطلاق بغير عدد كما كانوا في الجاهلية : وفي أول الإسلام لم يكن للطلاق عدد . فلو كان لفظ الفسخ أو غيره يقع ولا يحسب من الثلاث لكان ذلك يستعمل بدل لفظ الطلاق ومعناه معنى الطلاق بلا عدد . وهذا باطل . وإن قيل : هو طلاق بائن . قيل : هذا أشد بطلانا ; فإنه إن قيل إنه لا يملك إلا الطلاق الرجعي ولا يملك طلاقا بائنا بطل هذا . وإن قيل : إنه يملك إيقاع طلاق بائن فلو جوز له أن يوقعه بلفظ الفسخ ولا يكون من الثلاث لزم المحذور وهو أن يطلق المرأة كلما شاء ولا يحسب عليه من الثلاث . ولهذا لم يتنازع العلماء أن لفظ الخلع بلا عوض ولا سؤال لا يكون فسخا ; وإنما النزاع فيما إذا طلبت المرأة أن يطلقها طلقة بائنة بلا عوض : هل تملك ذلك ؟ على قولين . [ ص: 304 ] فإن العلماء تنازعوا على ثلاثة أقوال في الطلاق البائن .

فقيل : إن شاء الزوج طلق طلاقا بائنا وإن شاء طلق طلاقا رجعيا ; بناء على أن الرجعة حق له . وإن شاء أثبتها . وإن شاء نفاها .

وهذا مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد . وأظنه رواية عن مالك . وقيل : لا يملك الطلاق البائن ابتداء بل إذا طلبت منه الإبانة ملك ذلك وهذا معروف عن مالك ورواية عن أحمد اختارها الخرقي . وقيل : لا يملك إبانتها بلا عوض ; بل سواء طلبت ذلك أو لم تطلبه ولا يملك إبانتها إلا بعوض . وهذا مذهب أكثر فقهاء الحديث وهو مذهب الشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه وعليه جمهور أصحابه وهو قول إسحاق وأبي ثور وابن المنذر وابن خزيمة وداود وغيرهم وعليه أكثر النقول الثابتة عن أكثر الصحابة وعلى هذا القول يدل الكتاب والسنة ; فإن الله لم يجعل الطلاق إلا رجعيا وليس في كتاب الله طلاق بائن من الثلاث ; إلا بعوض لا بغير عوض بل كل فرقة تكون بائنة فليست من الثلاث . و " أيضا " فإن الخلع والطلاق يصح بغير اللفظ العربي باتفاق الأئمة ومعلوم أنه ليس في لغة العجم لفظ يفرق مع العوض بين ما هو خلع وما هو طلاق ليس بخلع ; وإنما يفرق بينهما ما يختص بالخلع من دخول العوض فيه وطلب المرأة الفرقة . فلفظ الطلاق يضاف إلى غير المرأة كقولهم : طلقت الدنيا وطلقت ودك . وإذا أضيف إلى المرأة فقد يراد به الطلاق من غير الزوج كما تقول أنت : طالق من وثاق أو طالق من الهموم والأحزان [ ص: 305 ] ولو وصل لفظ الطلاق بذلك لم يقع به بلا ريب وإن نواه ولم يصله بلفظ دين وفي قبوله في الحكم نزاع .

فإذا وصل لفظ الطلاق بقوله : أنت طالق بألف . فقالت : قبلت . أو قالت : طلقني بألف . فقال : طلقتك . كان هذا طلاقا مقيدا بالعوض ; ولم يكن هو الطلاق المطلق في كتاب الله ; فإن ذلك جعله الله رجعيا وجعل فيه تربص ثلاثة قروء ; وجعله ثلاثا . فأثبت له ثلاثة أحكام . وهذا ليس برجعي بدلالة النص والإجماع ولا تتربص فيه المرأة ثلاثة قروء بالسنة فلذلك يجب أن لا يجعل من الثلاث ; وذلك لأن هذا لا يدخل في مسمى " الطلاق " عند الإطلاق ; وإنما يعبر عنه بلفظ الطلاق مع قيد كما يسمى الحلف بالنذر " نذر اللجاج والغضب " فيسمى نذرا مقيدا ; لأن لفظه لفظ النذر وهو في الحقيقة من الأيمان ; لا من النذور : عند الصحابة وجمهور السلف والشافعي وأحمد وغيرهما .

وكذلك لفظ " الماء " عند الإطلاق لا يتناول المني ; وإن كان يسمى ماء مع التقييد كقوله تعالى : { خلق من ماء دافق } { يخرج من بين الصلب والترائب } . وكذلك لفظ " الخف " لا يتناول عند الإطلاق المقطوع وإن كان يقال خف مقطوع . فلا يدخل المقطوع في لفظ المسح على الخفين [ ص: 306 ] ولا فيما نهي عنه المحرم من لبس الخف على الأصح من أقوال العلماء ; فلهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم المحرم أولا بقطع الخفين ; لأن المقطوع ليس بخف ثم رخص في عرفات في لبس السراويل ولبس الخفاف ولم يشترط فتق السراويل ولا قطع الخفاف . والسراويل المفتوق والخف المقطوع : لا يدخل في مسمى " الخف " و " السراويل " عند الإطلاق . وكذلك لفظ " البيع " المطلق لا يتناول بيع الخمر والميتة والخنزير وإن كان يسمى بيعا مع التقييد . وكذلك " الإيمان " عند الإطلاق إنما يتناول الإيمان بالله ورسوله ; وأما مع التقييد فقد قال الله تعالى : { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت } لا يدخل في مطلق الإيمان . وكذلك لفظ " البشارة " عند الإطلاق إنما تناول الإخبار بما يسر ; وأما مع التقييد فقد قال تعالى : { فبشرهم بعذاب أليم } .

وأمثال ذلك كثيرة فالطلاق المطلق في كتاب الله يتناول الطلاق الذي يوقعه الزوج بغير عوض فتثبت له فيه الرجعة وما كان بعوض فلا رجعة له فيه ; وليس من الطلاق المطلق ; وإنما هو فداء تفتدي به المرأة نفسها من زوجها [ ص: 307 ] كما تفتدي الأسيرة نفسها من أسرها ; وهذا الفداء ليس من الطلاق الثلاث سواء وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو الفداء والسراح ; أو الفراق أو الطلاق أو الإبانة أو غير ذلك من الألفاظ . ولهذا جاز عند الأئمة الأربعة والجمهور من الأجنبي : فيجوز للأجنبي أن يختلعها كما يجوز أن يفتدي الأسيرة ; كما يجوز أن يبذل الأجنبي لسيد العبد عوضا ليعتقه ; ولهذا ينبغي أن يكون ذلك مشروطا بما إذا كان قصده تخليصها من رق الزوج ; لمصلحتها في ذلك كما يفتدي الأسير . وفي مذهب الشافعي وأحمد وجه أنه إذا قيل : إنه فسخ : لم يصح من الأجنبي . قالوا . لأنه حينئذ يكون إقالة ; والإقالة لا تصح مع الأجنبي . وهذا الذي ذكره أبو المعالي وغيره من أهل الطريقة الخراسانية .

والصحيح في المذهبين أنه على القول بأنه فسخ هو فسخ وإن كان من الأجنبي كما صرح بذلك من صرح به من فقهاء المذهبين وإن كان صاحب " شرح الوجيز " لم يذكر ذلك فقد ذكره أئمة العراقيين كأبي إسحاق الشيرازي في " خلافه " وغيره . وهذا لأنهم جعلوه كافتداء الأسير وكالبذل لإعتاق العبد ; لا كالإقالة ; فإن المقصود به رفع ملك الزوج عن رق المرأة لتعود خالصة من رقه ; ليس المقصود منه نقل ملك إليها ; فهو شبيه بإعتاق العبد ; وفك الأسير ; لا بالإقالة في البيع فلهذا يجوز باتفاق الأئمة بدون الصداق المسمى ; وجوزه الأكثرون بأكثر من الصدقات ; ويجوز أيضا بغير جنس الصداق وليست الإقالة كذلك ; بل [ ص: 308 ] الإقالة المقصود بها تراد العوض . وإذا كرهنا أو حرمنا أخذ زيادة على صداقها فهذا لأن العوض المطلق في خروجها من ملك الزوج هو المسمى في النكاح فإن البضع لا يباع ولا يوهب ولا يورث كما يباع المال ويوهب ويورث وكما تؤجر المنافع وتعار وتورث والتجارة والإجارة جائزة في الأموال بالنص والإجماع .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث