الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


336 ( ابن شهاب ، عن رجل من آل خالد بن أسيد : حديث واحد )

مالك ، عن ابن شهاب ، عن رجل من آل خالد بن أسيد أنه سأل عبد الله بن عمر فقال : يا أبا عبد الرحمن إنا نجد صلاة الخوف ، وصلاة الحضر في القرآن ، ولا نجد صلاة السفر ؟ ، فقال ابن عمر : يا ابن أخي إن الله بعث إلينا محمدا - صلى الله عليه وسلم - ، ولا نعلم شيئا فإنما نفعل كما رأيناه يفعل .

التالي السابق


هكذا رواه جماعة الرواة ، عن مالك ، ولم يقم مالك إسناد هذا الحديث أيضا ; لأنه لم يسم الرجل الذي سأل ابن عمر ، وأسقط من الإسناد رجلا ، والرجل الذي لم يسمه هو أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف .

وهذا الحديث يرويه ابن شهاب ، عن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، عن أمية بن عبد الله بن خالد بن عبد الله بن أسيد ، عن ابن عمر .

[ ص: 162 ] كذلك رواه معمر بن سعد ، ويونس بن يزيد من غير رواية ابن وهب .

وقال ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن عبد الملك بن أبي بكر ، عن أمية بن عبد الله بن خالد ، فجعل موضع عبد الله بن أبي بكر عبد الملك بن أبي بكر فغلط ، ووهم .

ولابن شهاب ، عن عبد الملك بن أبي بكر غير هذا الحديث روي عنه ، عن أبي هريرة قوله : إني لأصلي في الثوب الواحد ، وإن ثيابي لعلى المشجب ، ورواية ابن شهاب ، عن أبيهما لا تجهل .

فأما حديث معمر فذكر عبد الرزاق قال : أنبأنا معمر ، عن الزهري ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عبد الرحمن بن أمية بن عبد الله أنه قال لابن عمر : هذه صلاة الخوف ، وصلاة الحضر في القرآن ، ولا نجد صلاة المسافر ، فقال ابن عمر : بعث الله إلينا نبيه عليه الصلاة والسلام ، ونحن أجفا الناس ، نصنع كما صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

هكذا في كتاب عبد الرزاق عبد الله بن أبي بكر ، عن عبد الرحمن بن أمية ، وإنما هو عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أمية بن عبد الله ، وهو من غلط الكاتب - والله أعلم - .

[ ص: 163 ] وإنما قلنا إن ذلك في كتاب عبد الرزاق ; لأنا وجدناه في كتاب الدبري ، وغيره عنه كذلك .

وكذلك ذكره الذهلي محمد بن يحيى ، وقال : لا أدري هذا الوهم أمن معمر جاء أم من عبد الرزاق ؟

قال أبو عمر :

هو عندي من كتاب عبد الرزاق - والله أعلم - .

وأخبرنا عبد الرحمن بن يحيى قال : حدثنا أحمد بن سعيد قال : حدثنا محمد بن زبان قال : حدثنا محمد بن رمح قال : أنبأنا الليث بن سعد قال : أنبأنا ابن شهاب ، عن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد أنه قال لعبد الله بن عمر : إنا نجد صلاة الحضر ، وصلاة الخوف في القرآن ، ولا نجد صلاة السفر ، فقال ابن عمر : إن الله تعالى بعث إلينا محمدا - صلى الله عليه وسلم - ، ونحن لا نعلم شيئا ، فإنما نفعل كما رأيناه يفعل .

وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا مطلب بن شعيب قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثني الليث قال : حدثني يونس ، عن ابن شهاب أن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد أخبره : أنه سأل عبد الله بن عمر فذكره .

[ ص: 164 ] وذكر النيسابوري قال : حدثنا أحمد بن شبيب بن سعيد مولى الحطة قال : حدثني أبي ، عن يونس ، عن ابن شهاب قال : أخبرني عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث أن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد أخبره أنه سأل عبد الله بن عمر بهذا الخبر .

قال أبو عمر :

أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد كان عاملا لعبد الملك بن مروان على خراسان ، وله إخوة كثيرة ذكرهم أهل النسب ، ومن أعمامه من يسمى أمية بن خالد ، ولخالد بن أسيد جده بنون كثير أيضا أسنهم عبد الرحمن بن خالد .

في هذا الحديث من الفقه أن قصر الصلاة في السفر من غير خوف سنة لا فريضة ; لأنها لا ذكر لها في القرآن ، وإنما القصر المذكور في القرآن إذا كان سفرا ، وخوفا ، واجتمعا جميعا ; قال الله عز وجل ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) فلم يبح القصر إلا مع هذين الشرطين ، ومثله في القرآن قوله عز وجل ( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات ) يعني الحرائر فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المومنات إلى قوله ( ذلك لمن خشي العنت منكم ) فلم يبح نكاح الإماء إلا بعدم [ ص: 165 ] الطول إلى الحرة ، وخوف العنت جميعا ثم قال عز وجل ( فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة ) أي فأتموا الصلاة فهذه صلاة الحضر ، وقد تقدمت صلاة الخوف مع السفر ، وقد نص عليهما جميعا القرآن .

وقصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة من أربع إلى اثنتين إلا المغرب في أسفاره كلها آمنا لا يخاف إلا الله تعالى .

فكان ذلك منه سنة مسنونة - صلى الله عليه وسلم - زيادة منه في أحكام الله كسائر ما سنه وبينه مما ليس له في القرآن ذكر مما لو ذكرنا بعضه لطال الكتاب بذكره ، وهو ثابت عند أهل العلم أشهر من أن يحتاج فيه إلى القول في غير موضعه .

فحديث ابن عمر في هذا الباب قوله : إنما نفعل كما رأينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل ، مع حديث عمر : حيث سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، عن القصر في السفر من غير خوف فقال له : تلك صدقة تصدق الله تعالى بها عليكم ، فاقبلوا صدقته يدلان على أن الله عز وجل قد يبيح في كتابه الشيء بشرط ثم يبيح ذلك الشيء على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - بغير ذلك الشرط ، ألا ترى أن القرآن إنما أباح القصر لمن كان خائفا ضاربا في الأرض ، وأباحه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آمنا .

والدليل على أن قصر الصلاة في السفر من غير خوف سنة مسنونة مع ما تقدم من حديث هذا الباب ، ما حدثنا عبد الله بن [ ص: 166 ] محمد بن أبي بكر حدثنا أبو داود حدثنا أحمد بن حنبل ، ومسدد قالا : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج قال : حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار ، عن عبد الله بن بابيه ، عن يعلى بن أمية قال : قلت لعمر بن الخطاب : إقصار الناس الصلاة اليوم ، وإنما قال الله عز وجل ( إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) فقد ذهب ذلك ، فقال : عجبت مما عجبت منه ، فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : صدقة تصدق الله بها عليكم ، فاقبلوا صدقته .

قال أبو داود ، وحدثنا خشيش بن أصرم حدثنا عبد الرزاق ، عن ابن جريج فذكر بإسناده مثله قال علي بن المديني : عبد الرحمن بن أبي عمار ، وعبد الله بن بابيه مكيان ثقتان .

قال أبو عمر :

اختلف على عبد الرزاق في اسم ابن أبي عمار ، فروى عنه خشيش بن أصرم أنه قال فيه كما قال يحيى بن سعيد القطان عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار فيما ذكر أبو داود .

وقد روي عن عبد الرزاق أنه قال فيه ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن أبي عمار ، ولذلك قال فيه محمد بن بكر البرساتي ، وأبو عاصم النبيل ، وحماد بن مسعدة ، عن ابن جريج قال : سمعت عبد الله بن أبي عمار ، وقال فيه ابن إدريس ، وأبو إسحاق الفزاري ، عن ابن أبي عمار لم يقل عبد الله ، ولا عبد الرحمن .

[ ص: 167 ] ورواه الشافعي ، عن عبد المجيد بن عبد العزيز ، عن ابن جريج قال : حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار كما قال يحيى القطان ، وهو الصواب إن شاء الله لا شك فيه .

فروي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار بن جريج وغيره .

وأما أبوه عبد الله بن أبي عمار فروى عنه ابن أبي مليكة ، وعكرمة بن خالد ، ويوسف بن ماهر ، ويروى هذا عن عمر بن الخطاب ، ومعاذ بن جبل ، وأما عبد الله بن بابيه ، ويقال ابن باباه ، ويقال ابن بابي ، فرجل مكي أيضا مولى آل حجير بن أبي إهاب ، يروي عن جبير بن مطعم ، وابن عمر ، وعبد الله بن عمرو ، روى عنه عمرو بن دينار ، وأبو الزبير ، وابن نجيح ، وكلهم ثقات .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي أبو إسماعيل قال : حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا مالك بن مغول ، عن أبي حنظلة قال : سألت ابن عمر عن صلاة السفر فقال : ركعتين ، فقلت : وأين قوله ( إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) ونحن آمنون فقال : سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

فهذا ابن عمر قد أطلق عليها سنة ، وكذلك قال ابن عباس ، فأين المذهب عنهما ؟

حدثنا قاسم بن محمد قال : حدثنا خالد بن سعد قال : حدثنا أحمد بن عمر قال : حدثنا محمد بن سنجر قال : حدثنا [ ص: 168 ] هشام بن عبد الملك ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن موسى بن سلمة قال : سألت ابن عباس قال : قلت أكون بمكة فكيف أصلي ؟ قال : ركعتين سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم - .

وأخبرنا عبد الرحمن بن أبان قال : حدثنا محمد بن يحيى بن عبد العزيز قال : حدثنا أحمد بن خالد ، وحدثنا خلف بن سعيد قال : حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا أحمد بن خالد قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال : أنبأنا عبد الرزاق قال : أنبأنا ابن جريج قال : سأل حميد الضمري ابن عباس فقال : إني أسافر أفأقصر الصلاة في السفر أم أتمها ؟ فقال ابن عباس : ليس بقصرها ، ولكنه تمامها ، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آمنا لا يخاف إلا الله ، فصلى ركعتين حتى رجع ، ثم خرج أبو بكر آمنا لا يخاف إلا الله فصلى ركعتين حتى رجع ، ثم خرج عمر آمنا لا يخاف إلا الله فصلى اثنتين حتى رجع ، ثم فعل ذلك عثمان ثلثي إمارته أو شطرها ، ثم صلاها أربعا ، ثم أخذ بها بنو أمية .

قال ابن جريج ، وبلغني أنه إنما أوفاها عثمان أربعا بمنى فقط من أجل أن أعرابيا ناداه في مسجد الخيف بمنى فقال : يا أمير المومنين ما زلت أصليهما ركعتين منذ رأيتك عام الأول ، فخشي عثمان أن يظن جهال الناس أنما الصلاة ركعتان .

قال عبد الرزاق : وأخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر قال : صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 169 ] بمنى ركعتين ، ومع أبي بكر ركعتين ، ومع عمر ركعتين ، ومع عثمان صدرا من خلافته ، ثم صلاها أربعا قال الزهري : فبلغني أن عثمان إنما صلاها أربعا ; لأنه أزمع أن يعتمر بعد الحج .

قال : وأخبرنا معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسافر من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا الله ، فيصلي ركعتين ركعتين .

قال : وأخبرنا هشام بن حسان ، عن ابن سيرين ، عن ابن عباس مثله ، وقال الأثرم ، عن أحمد بن حنبل قال : زعموا أن عثمان إنما أتم في سفره ; لأنه تزوج بمنى فصلى أربعا .

قال : وابن عباس يقول : إذا قدمت على أهلك أو ماشية لك فأتم الصلاة ، قال : وقال بعض الناس : لا إنما صلى خلفه أعرابي ركعتين ، فجعل يصلي أبدا ركعتين ، فبلغه ذلك ، فصلى أربعا ليعرف الناس كيف الصلاة .

قال الأثرم : وحدثنا عفان قال : حدثنا حماد بن سلمة قال : حدثنا أيوب ، عن الزهري : أن عثمان أتم الصلاة ; لأن الأعراب حجوا ، فأراد أن يعلمهم أن الصلاة أربع .

حدثنا قاسم بن محمد قال : حدثنا خالد بن سعد قال : حدثنا أحمد بن عمرو قال : حدثنا محمد بن سنجر قال : حدثنا الفضل بن دكين قال : حدثنا شريك ، عن جابر ، عن عامر ، عن ابن عباس ، وابن عمر قالا : سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين ، وهما تمام وقالا : الوتر في السفر من السنة .

[ ص: 170 ] قال : وحدثنا ابن جريج ، عن عطاء قال : قلت له فيما جعل القصر ، وقد أمن الناس ؟ يعني : فما لهم يقصرون آمنين ؟ قال : السنة قلت : رخصة قال : نعم .

قال : وقال لي عمرو بن دينار : أما قوله ( إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) فإنما ذلك إذا خافوا ، وسن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الركعتين فهما وفاء ، وليس بقصر .

فهذا عطاء بن أبي رباح يصرح بأنهما سنة ، وعمرو بن دينار مثله ، وكذلك قال القاسم بن محمد : حدثني عبد الرحمن بن يحيى قال : حدثنا علي بن محمد قال : حدثنا أحمد بن داود قال : حدثنا سحنون قال : أنبأنا ابن وهب قال : أنبأنا ابن لهيعة ، عن بكير بن الأشج ، وعثمان ، عن القاسم بن محمد : أن رجلا قال : عجبت من عائشة حين كانت تصلي أربعا في السفر ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ركعتين ، فقال له القاسم بن محمد : عليك بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من الناس من لا يعاب .

قال أبو عمر :

قول القاسم هذا في عائشة يشبه قول سعيد بن المسيب حيث قال ليس من عالم ، ولا شريف ، ولا ذو فضل إلا وفيه عيب ، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه ، ومن كان فضله أكثر من نقصه ذهب نقصه لفضله .

[ ص: 171 ] قال أبو عمر :

وقد قال قوم في إتمام عائشة أقاويل ليس منها شيء يروى عنها ، وإنما هي ظنون ، وتأويلات لا يصحبها دليل .

قال ابن شهاب : تأولت ما تأول عثمان ، وهذا ليس بجواب موعب ، وأضعف ما قيل في ذلك : إنها أم المؤمنين ، وإن الناس حيث كانوا بنوها ، وكان منازلهم منازلها ، وهذا أبعد ما قيل في ذلك من الصواب ، وهل كانت أما للمؤمنين ، إلا أنها زوج أبي المؤمنين - صلى الله عليه وسلم - ، وهو الذي سن الغزو في أسفاره في غزواته وحجه وعمره - صلى الله عليه وسلم - .

وفي قراءة أبي بن كعب ، ومصحفه ، " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم " ، وهو أب لهم .

أخبرني خلف بن القاسم قال : حدثنا أحمد بن صالح بن عمر المقرئ حدثنا أحمد بن جعفر المنادي حدثنا العباس بن محمد بن حاتم الدوري حدثنا عبد الرحمن بن مصعب أبو يزيد القطان قال : حدثنا سفيان الثوري ، عن ليث ، عن مجاهد في قوله عز وجل ( هؤلاء بناتي ) قال : كل نبي أبو أمته .

وذكر الفريابي ، عن سفيان ، عن طلحة ، عن عطاء ، عن ابن عباس : أنه كان يقرأ هذه الآية ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) ، وهو أب لهم ، وأزواجه أمهاتهم .

وأخبرنا عبد الوارث حدثنا قاسم حدثنا ابن وضاح حدثنا موسى بن معاوية حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن ليث ، عن مجاهد في قوله ( هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ) قال : لم يكن بناته ، ولكن نساء أمته ، وكل نبي هو أبو أمته .

[ ص: 172 ] وأحسن ما قيل في قصر عائشة ، وإتمامها ، أنها أخذت برخصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتري الناس أن الإتمام ليس فيه حرج ، وإن كان غيره أفضل ( فإن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ) ، ولعلها كانت تذهب إلى أن القصر في السفر رخصة ، وإباحة ، وأن الإتمام أفضل فكانت تفعل ذلك ، وهي التي روت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أنه لم يخير بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما .

فلعلها ذهبت إلى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يختر القصر في أسفاره إلا توسعة على أمته ، وأخذا بأيسر أمر الله .

وبنحو هذا القول ذكرنا جواب عطاء بن أبي رباح فيما تقدم عنه أن القصر سنة ، ورخصة ، وهو الذي روى عن عائشة ما حدثنا سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا ابن وضاح قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا وكيع قال : حدثنا المغيرة بن زياد ، عن عطاء ، عن عائشة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتم في سفره ويقصر .

وقد أتم جماعة في السفر منهم سعد بن أبي وقاص ، وعثمان بن عفان ، وعائشة ، وقد عاب ابن مسعود عثمان بالإتمام وهو بمنى ، ثم لما أقام الصلاة عثمان مر ابن مسعود فصلى خلفه فقيل له في ذلك فقال : الخلاف شر ، ولو أن القصر عنده فرض ما صلى خلف عثمان أربعا .

[ ص: 173 ] أخبرنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال : حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا طلحة ، عن عطاء ، عن عائشة قالت : كان قد فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد صام وأفطر ، وأتم وقصر في السفر .

وحدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن الجهم حدثنا عبد الوهاب قال : أنبأنا طلحة بن عمرو ، عن عطاء ، عن عائشة أنها قالت : كل ذلك كان يفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صام وأفطر ، وقصر الصلاة وأتم .

وقد روى زيد العمي وطلحة بن عمرو ، وإن لم يكن ممن يحتج به فإنه ممن يستظهر به ، عن أنس قال : كنا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نسافر فيتم بعضنا ، ويقصر بعضنا ، ويصوم بعضنا ، ويفطر بعضنا ، فلا يعيب أحد على أحد .

وإن كان زيد العمي ، وطلحة بن عمرو ممن لا يحتج بهما ، فإن الأحاديث الثابتة ، والاعتبار بالأصول تصحح ما جاء به مع فعل عائشة رحمها الله تعالى .

فإن قال قائل : ما معنى قول عائشة : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في السفر والحضر ، فزيد في صلاة الحضر ، وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى ، قيل له : أما ظاهر هذا القول فيدل على أن الركعتين في السفر فرض ، ولكن الآثار ، والنظر ، والاعتبار كل ذلك يدل ما دل عليه ظاهر الحديث ، وسنبين ذلك في باب صالح بن كيسان من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى .

[ ص: 174 ] وقد أوردنا في هذا الباب ما فيه بيان لمن تدبر ، وحسبك بتوهين ظاهر حديث عائشة ، وخروجه عن ظاهره مخالفتها له ، وإجماع جمهور فقهاء المسلمين أنه ليس بأصل يعتبر في صلاة المسافر خلف المقيم .



ومن الدليل أيضا على أن القصر في السفر سنة وتوسعة ، وإن كان ما ذكرنا في هذا الباب كافيا ، حديث يعلى بن أمية ، عن عمر بن الخطاب حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن وضاح قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا عبد الله بن إدريس ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي عمار ، عن عبد الله بن بابيه ، عن يعلى بن أمية قال : سألت عمر بن الخطاب قلت : ( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) ، وقد آمن الناس فقال : عجبت مما تعجب منه ، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال : صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته .

وهذا كله يدل على أن القصر سنة وتوسعة ، وكذلك قال ابن عمر ، وابن عباس ، وعطاء ، وعمرو بن دينار ، والقاسم بن محمد كلهم قال : سنة مسنونة ، ولم يقل واحد منهم : إنها فريضة ، وقد ذكرنا الأخبار عنهم فيما تقدم من هذا الباب فتدبره .

ومعلوم أن الصلاة ركن عظيم من أركان الدين ، بل أعظم أركانه بعد التوحيد ، ومحال أن يضاف إلى أحد من الصحابة الذين أتموا في أسفارهم ، وإلى سائر السلف الذين فعلوا فعلهم أنهم زادوا في فرضهم عامدين ما يفسد عليهم به فرضهم .

[ ص: 175 ] هذا ما لا يحل لمسلم أن يتأوله عليهم ، ولا ينسبه إليهم .

وقد حكى أبو مصعب ، عن مالك ، وأهل المدينة في مختصره قال : القصر في السفر سنة للرجال والنساء ، وحسبك بهذا في مذهب مالك مع أنه لم يختلف قوله أن من أتم في السفر يعيد ما دام في الوقت ، وذلك استحباب عند من فهم لا إيجاب ، أخبرنا إبراهيم بن شاكر قال : حدثنا عبد الله بن عثمان قال : حدثنا سعد بن معاذ قال : حدثنا الربيع بن سليمان ، عن الشافعي قال : القصر في الخوف مع السفر بالقرآن والسنة ، والقصر في السفر من غير خوف بالسنة .

أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المومن قال : حدثنا عبد الحميد بن أحمد الوراق قال : أنبأنا الخضر بن داود قال : أنبأنا أبو بكر يعني الأثرم قال : حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا أبان قال : حدثنا قتادة ، عن صفوان بن محرز القاري أنه سأل عبد الله بن عمر عن الصلاة في السفر فقال : ركعتان من خالف السنة فقد كفر .

ورواه معمر ، عن قتادة ، عن مورق العجلي قال : سئل ابن عمر عن صلاة السفر فقال : ركعتين ركعتين من خالف السنة كفر .

قال أبو عمر :

الكفر هاهنا كفر النعمة ، وليس بكفر ينقل عن الملة كأنه قال : كفر لنعمة التأسي التي أنعم الله على عباده بالنبي [ ص: 176 ] - صلى الله عليه وسلم - ففيه الأسوة الحسنة في قبول رخصته كما في امتثال عزيمته - صلى الله عليه وسلم - .

والكلام في هذا على قول المعتزلة والخوارج يطول ، وليس هذا موضعه لخروجنا عما له قصدنا ، وبالله توفيقنا .

واختلف الفقهاء فيمن صلى أربعا في السفر عامدا أو ساهيا ، فقال مالك : من صلى في سفر تقصر فيه الصلاة أربعا أعاد في الوقت صلاة سفر ، ولم يفرق بين عامد وناس ، هذه رواية ابن القاسم ، قال ابن القاسم : ولو رجع إلى بيته في الوقت لأعادها أربعا قال : ولو أحرم مسافر ، وهو ينوي أربعا ثم بدا له فسلم من اثنتين لم يجزه .

وروى ابن وهب عن مالك في مسافر أم قوما فيهم مسافر ومقيم ، فأتم الصلاة بهم جاهلا قال : أرى أن يعيدوا الصلاة جميعا ، وهذا قد يحتمل أن تكون الإعادة في الوقت .

وقال ابن المواز : من صلى أربعا ناسيا لسفره أو لإقصاره أو ذاكرا لذلك ، وقال سحنون : أو جاهلا فليعد في الوقت .

ولو افتتح على ركعتين فأتمها أربعا تعمدا أعادها أبدا ، وإن كان سهوا سجد لسهوه وأجزأته .

وقال سحنون : بل يعيد لكثرة سهوه ، وقال محمد : ليس هو سهو مجتمع عليه .

وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : إن قعد في اثنتين قدر التشهد مضت صلاته ، وإن لم يقعد فصلاته فاسدة .

وقال الثوري : إذا قعد في اثنتين لم يعد .

[ ص: 177 ] وقال : حماد بن أبي سليمان إذا صلى أربعا متعمدا أعاد ، وإن كان ساهيا لم يعد .

وقال الحسن بن حي : إذا صلى أربعا متعمدا أعاد إذا كان ذلك منه الشيء اليسير ، فإذا طال ذلك في سفره وكثر لم يعد .

وقال عمر بن عبد العزيز : الصلاة في السفر ركعتان حتم لا يصلح غيرهما .

وقال الأوزاعي : إن قام المسافر لثالثة ، وصلاها عند ذكر ، فإنه يلغيها ، ويسجد سجدتي السهو .

وقال الحسن البصري فيمن صلى في سفر أربعا متعمدا : بئس ما صنع ، وقضت عنه ، ثم قال للسائل : لا أبا لك ترى أصحاب محمد تركوها لأنها ثقلت عليهم .

وقال الشافعي : القصر في غير الخوف سنة ، وأما في الخوف مع السفر فبالقرآن والسنة ، ومن صلى أربعا فلا شيء عليه ، ولا أحب لأحد أن يتم في السفر رغبة عن السنة ، كما لا أحب لأحد نزع خفيه رغبة عن السنة ، وليس للمسافر أن يصلي ركعتين إلا أن ينوي القصر مع الإحرام ، فإن أحرم ولم ينو القصر كان على أصل فرضه أربعا .

قال أبو عمر :

قول الشافعي في هذا الباب أعدل الأقاويل إن شاء الله ، وقول مالك قريب منه نحوه ; لأن أمره بالإعادة في الوقت استحباب [ ص: 178 ] وكذلك قول أحمد بن حنبل في هذا الباب قال الأثرم : قلت له : للرجل أن يصلي في السفر أربعا قال : لا يعجبني ثم قال : السنة ركعتان .

وأما قول الكوفيين فضعيف لا أصل له إلا أصل لا يثبت ، وقد أوضحنا فساد أصلهم ، واعتبارهم القعود مقدار التشهد في غير هذا الموضع .

ومما يدل على ما اخترناه إتمام من أتم من الصحابة ، ولم ينكر ذلك عليه ، وقد أخبر الله عنهم أنهم خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، فما لم ينكروه وأقروه فحق وصواب .

وقلنا : إن القصر أولى لأنه المشهور من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفره ، وهو فعل أكثر الصحابة والتابعين ، فإن تكن رخصة ، ويسرا ، وتوسعة ، فلا وجه للرغبة عنها ، فإن الله قد أحب أن تقبل رخصته وصدقته ونأتيها ، وإن تكن فضيلة فهو الذي ظننا ، وكيف كانت الحال ، فامتثال فعله في كل ما أبيح لنا أفضل إن شاء الله .

وعلى هذا قال جماعة من أهل العلم : إن المسح أفضل من الغسل لأنه كان يمسح - صلى الله عليه وسلم - على خفيه ، وهو المبين لعباد الله عز وجل مراد الله من كتابه ، وهو الهادي إلى صراط مستقيم صراط الله - صلى الله عليه وسلم - .

[ ص: 179 ] أخبرنا عبد الرحمن بن أبان بن عثمان قال : حدثنا محمد بن يحيى بن عبد العزيز ، وأخبرنا خلف بن سعيد قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن علي قال : أخبرنا أحمد بن خالد قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال : حدثنا عبد الرزاق قال : أنبأنا ابن جريج ، عن عطاء قال : لا أعلم أحدا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوفي الصلاة في السفر إلا سعد بن أبي وقاص وعائشة ، فإنهما كانا يوفيان الصلاة في السفر ويصومان ، قال : وسافر سعد في نفر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فأوفى سعد الصلاة وصام ، وقصر القوم وأفطروا ، فقالوا لسعد : كيف نفطر ونقصر الصلاة ، وأنت تتمها وتصوم فقال : دونكم أمركم فإني أعلم شأني قال : فلم يحرمه سعد عليهم ، ولم ينههم عنه .

قال ابن جريج : فقلت لعطاء : فأي ذلك أحب إليك قال : قصرها ، وكل ذلك قد فعله الصالحون ، والأخيار .

قال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة : أنها كانت تتم في السفر .

قال : وأنبأنا الثوري ، عن عاصم ، عن أبي قلابة أنه كان يقول : إن صليت في السفر أربعا ، فقد صلى من لا بأس به ، وإن صليت ركعتين فقد صلى من لا بأس به .

واختلف الفقهاء أيضا في مقدار السفر الذي تقصر فيه الصلاة ، فقال مالك ، والشافعي والليث : أربعة برد ، وهو قول ابن [ ص: 180 ] عباس ، وابن عمر قال مالك : ثمانية وأربعون ميلا ، ومسيرة يوم وليلة ، وهو قول الليث .

وقال الشافعي : ستة وأربعون ميلا بالهاشمي ، أو يوم وليلة ، وهو قول الطبري .

وقال الأوزاعي : اليوم التام ، وهذه كلها أقاويل متقاربة ، وقال أبو حنيفة ، وأصحابه ، والثوري ، والحسن بن حي : لا يقصر أحد في أقل من مسيرة ثلاثة أيام ولياليها .

وقال داود : من سافر في حج أو عمرة أو غزو قصر في قصير السفر وطويله ، ومن حجته حديث شعبة ، عن يزيد بن خمير ، عن حبيب بن عبيد ، عن جبير بن نفير قال : خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية له على رأس سبعة عشر أو ثمانية عشر ميلا ، فصلى ركعتين فقلت له فقال : رأيت عمر صلى بذي الحليفة ركعتين ، فقلت له فقال : إنما أفعل كما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل

واختلفوا أيضا فيمن له أن يقصر فقال مالك : من خرج إلى الصيد متلذذا لم أحب له أن يقصر ، ومن خرج في معصية لم يجز له أن يقصر ، ومن كان الصيد معاشه قصر .

وقال الشافعي : إن سافر في معصية فلا يقصر ، ولا يمسح مسح المسافر ، وهو قول داود والطبري .

وقال أحمد بن حنبل : لا يقصر مسافر إلا في حج أو عمرة أو غزو .

[ ص: 181 ] ورواه عن ابن مسعود ، وهو قول داود إلا أن داود قال : في حج أو عمرة أو غزو .

ولأحمد بن حنبل قول آخر مثل قول الشافعي : من سافر في غير معصية قصر ، ومسح .

وقصر علي رضي الله عنه في خروجه إلى صفين ، وخرج ابن عباس إلى ماله بالطائف فقصر الصلاة .

وقال نافع : كان ابن عمر يطالع ماله بخيبر فيقصر الصلاة ، وأكثر الفقهاء على إباحة القصر للمسافر تاجرا ، وفي أمر أبيح له الخروج إليه .

وكان الأوزاعي يقول في رجل خرج في بعث إلى بعض المسلمين : يقصر ويفطر في رمضان في مسيره ذلك ، وافق ذلك طاعة أو معصية .

واختلف أصحاب داود في ذلك فقال بعضهم بقوله : لا قصر إلا في حج أو عمرة أو جهاد ، وقال بعضهم : للعاصي أن يقصر .

وقال أبو حنيفة ، وأصحابه ، والثوري ، والأوزاعي : يقصر المسافر عاصيا كان أو مطيعا .

واختلفوا في مدة الإقامة فقال مالك ، والشافعي ، والطبري ، وأبو ثور : إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم ، وهو قول سعيد بن المسيب في رواية عطاء الخراساني عنه .

[ ص: 182 ] وقال أبو حنيفة ، وأصحابه ، والثوري : إذا نوى إقامة خمس عشرة يوما أتم ، وإن كان أقل قصر ، وهو قول ابن عمر ، وقول سعيد بن المسيب في رواية هشيم ، عن داود بن هند عنه .

وقال الأوزاعي : إن نوى إقامة ثلاثة عشر يوما أتم ، وإن نوى أقل قصر .

وعن سعيد بن المسيب قول ثالث : إذا أقام ثلاثا أتم .

وعن السلف في هذه المسألة أقاويل متباينة منها : إذا أزمع المسافر على مقام اثنتي عشرة أتم الصلاة رواه نافع ، عن ابن عمر قال نافع : وهو آخر فعل ابن عمر وقوله .

وروى عكرمة ، عن ابن عباس قال : أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسع عشرة يقصر الصلاة ، فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا ، وإن زدنا أتممنا .

وروي عن علي وابن عباس : من أقام عشر ليال أتم الصلاة .

والطرق عنهما في ذلك ضعيفة ، وبذلك قال محمد بن علي ، والحسن بن صالح .

وروي عن سعيد بن جبير ، وعبد الله بن عتبة : من أقام أكثر من خمس عشرة أتم ، وبه قال الليث بن سعد .

وروي عن الحسن : أن المسافر يصلي ركعتين أبدا حتى يدخل مصرا من الأمصار .

[ ص: 183 ] وقال أحمد بن حنبل : إذا أجمع المسافر مقام إحدى وعشرين صلاة مكتوبة قصر ، وإن زاد على ذلك أتم .

فهذه تسعة أقوال في هذه المسألة ، وفيها قول عاشر : أن المسافر يقصر أبدا حتى يرجع إلى وطنه أو ينزل وطنا له .

وروي عن أنس : أنه أقام سنتين بنيسابور يقصر الصلاة .

وقال أبو مجلز : قلت لابن عمر : آتي المدينة فأقيم بها السبعة أشهر ، والثمانية طالبا حاجة فقال : صل ركعتين .

وقال أبو إسحاق السبيعي : أقمنا بسجستان ، ومعنا رجال من أصحاب ابن مسعود سنتين نصلي ركعتين .

وأقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين ، وكان الثلج حال بينهم وبين القفول .

وأقام مسروق بالسلسلة سنتين ، وهو عامل عليها يصلي ركعتين ركعتين حتى انصرف يلتمس بذلك السنة .

وذكر يعقوب بن شيبة حدثنا معاوية بن عمر حدثنا زائدة ، عن منصور ، عن شقيق قال : خرجت مع مسروق إلى السلسلة حين استعمل عليها فلم يزل يقصر حتى بلغ ، ولم يزل يقصر في السلسلة حتى رجع ، فقلت : يا أبا عائشة ما يحملك على هذا ، قال : اتباع السنة .

[ ص: 184 ] وقال أبو حمزة نصر بن عمران : قلت لابن عباس : إنا نطيل المقام بالغزو بخراسان فكيف ترى ؟ قال : صل ركعتين ، وإن أقمت عشر سنين .

محمل هذه الأحاديث عندنا على من لا نية له في الإقامة لواحد من هؤلاء المقيمين هذه المدد المتقاربة ، وإنما ذلك مثل أن يقول : أخرج اليوم أخرج غدا ، وإذا كان هكذا فلا عزيمة هاهنا على الإقامة .

وقال الأثرم : سئل أحمد بن حنبل ، عن حديث أنس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام عشرا يقصر الصلاة فقال : قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة لصبح رابعة قال : فرابعة ، وخامسة ، وسادسة ، وسابعة ، وثامنة التروية ، وتاسعة ، وعاشرة ، قال : فإنما حسب أنس مقامه بمكة ومنى لا وجه لحديث أنس غير هذا .

قال أحمد : فإذا قدم لصبح رابعة قصر ، وما قبل ذلك يتم قال : أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - اليوم الرابع ، والخامس ، والسادس ، والسابع ، وصلى الصبح بالأبطح في اليوم الثامن ، فهذه إحدى وعشرون صلاة قصر فيها في هذه الأيام ، وقد أجمع على إقامتها ، فمن أجمع أن يقيم كما أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - قصر ، فإن أجمع على أكثر من ذلك أتم .

قلت له : فلم لا تقصر فيما زاد على ذلك ؟ قال : لأنهم اختلفوا فنأخذ بالاحتياط ، ونتم .

[ ص: 185 ] قيل لأحمد بن حنبل : فإذا قال : أخرج اليوم أخرج غدا يقصر قال : هذا شيء آخر هذا لم يعزم .

قال أبو عمر :

أصح شيء في هذه المسألة قول مالك ، ومن تابعه ، والحجة في ذلك حديث العلاء بن الحضرمي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنه جعل للمهاجر أن يقيم بمكة ثلاثة أيام ثم يصدر .

ومعلوم أن الهجرة إذا كانت مفترضة قبل الفتح كان المقام بمكة لا يجوز ولا يحل ، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمهاجر ثلاثة أيام لتقضية حوائجه ، وتهذيب أسبابه ، ولم يحكم لها بحكم المقام ، ولا جعلها في حيز الإقامة ; لأنها لم تكن دار مقام ، فإذا لم يكن كذلك ، فما زاد على الثلاثة أيام إقامة لمن نواها ، وأقل ذلك أربعة أيام ، ومن نوى إقامة ثلاثة أيام فما دونها فليس بمقيم ، وإن نوى ذلك ، كما أنه لو نوى إقامة ساعة أو نحوها لم يكن بساعته تلك داخلا في حكم المقيم ، ولا في أحواله .

ومن الحجة أيضا في ذلك أن عمر رضي الله عنه حين أجلى اليهود جعل لهم إقامة ثلاثة أيام في قضاء أمورهم ، وإنما نفاهم عمر لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يبقى دينان بأرض العرب .

ألا ترى أنهم لا يجوز تركهم بأرض العرب مقيمين بها ، فحين نفاهم عمر ، وأمرهم بالخروج ، لم يكن عنده الثلاثة أيام إقامة .

[ ص: 186 ] وهذا بين لمن لم يعاند ، ويصده عن الحق هواه وعماه .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا أحمد بن زهير قال : حدثنا يحيى بن عبد المجيد قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، وحفص بن عبد الرحمن بن حميد ، عن عبد الرحمن بن حميد قال : سمعت السائب بن يزيد يحدث عمر بن عبد العزيز ، عن العلاء بن الحضرمي : أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : يقيم المهاجر قال سفيان : بعد نسكه ثلاثا قال حفص : بعد الصدر ثلاثا .

وأخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال : حدثنا أحمد بن جعفر بن مالك قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : حدثني أبي قال : حدثنا سفيان بن عيينة قال : حدثني عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، عن السائب بن يزيد ، عن العلاء بن الحضرمي إن شاء الله : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا قال عبد الله : قال أبي : ما كان أشد على ابن عيينة أن يقول : حدثنا .

واحتج أبو ثور لقوله في هذه المسألة بأن قال : لما أجمعوا على ما دون الأربع أنه يقصر فيها ، واختلفوا في الأربع فما فوقها ، كان عليه أن يتم ، وذلك أن فرض التمام لا يزول باختلاف .

واختلف الفقهاء أيضا في المسافر يدخل في [ ص: 187 ] في صلاة المقيم فقال مالك : إذا أدرك منها ركعة صلى صلاة المقيم ، وإن لم يدرك ركعة صلى ركعتين ، وهو قول الزهري ، وقتادة ، وقول الحسن البصري ، وإبراهيم النخعي على اختلاف عنهما .

وقال الشافعي ، وأبو حنيفة ، والثوري ، والأوزاعي ، وأصحابهم : يصلي صلاة مقيم ، وإن أدركه في التشهد ، وروي ذلك عن ابن عمر ، وابن عباس ، والحسن ، وإبراهيم ، وسعيد بن جبير ، وجابر بن زيد ، ومكحول ، وهو قول معمر بن راشد ، وبه قال أحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور .

واختلفوا أيضا في مسافر صلى بمقيمين ، فقال مالك : إذا سلم المسافر ، فأحب إلي أن يقدموا رجلا يتم بهم ، وفي ذلك سعة ، وقال الشافعي ، والثوري ، وأبو حنيفة ، والأوزاعي : يصلون فرادى ، ولا يقدمون أحدا .

وحجتهم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل مكة : أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ، وقد فعله عمر ، ولم يأمر أن يتم أحدهم بهم .

واختلفوا أيضا في المسافر يؤم قوما فيهم مسافرون ومقيمون فيحدث بعد ركعة فيقدم مقيما ، فقال مالك : يصلي المقيم تمام صلاة الأول ثم يشير إلى من خلفه بالجلوس ثم يقوم وحده فيتم صلاته أربعا ثم يقعد ، ويتشهد ، ويسلم من خلفه من المسافرين ، ويقوم من خلفه من المقيمين فيتموا لأنفسهم ، وقال أبو حنيفة [ ص: 188 ] وأصحابه ، والثوري : يتم المستخلف صلاة الأول ثم يتأخر ، ويقدم مسافرا يسلم بهم فيسلم معه المسافرون ، ويقوم المقيمون فيقضون وحدانا .

وقال الشافعي ، والأوزاعي ، والليث بن سعد : يتمون كلهم صلاة مقيم .

قال أبو عمر :

مسائل السفر تكثر جدا ، وإنما ذكرنا منها ما كان في معنى حديثنا ، وما يعين على فتح ما انغلق منها من معناه ، وبالله التوفيق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث