الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

إن الله لا يظلم مثقال ذرة المثقال مفعال من الثقل، ويطلق على المقدار المعلوم الذي لم يختلف - كما قيل - جاهلية وإسلاما، وهو كما أخرج ابن أبي حاتم، عن أبي جعفر - رضي الله تعالى عنه - أربعة وعشرون قيراطا، وعلى مطلق المقدار، وهو المراد هنا، ولذا قال السدي: أي: وزن ذرة، وهي النملة الحمراء الصغيرة، التي لا تكاد ترى.

وروي ذلك عن ابن عباس، وابن زيد، وعن الأول أنها رأس النملة، وعنه أيضا أنه أدخل يده في التراب ثم نفخ فيه فقال: كل واحدة من هؤلاء ذرة، وقريب منه ما قيل: إنها جزء من أجزاء الهباء في الكوة، وقيل: هي الخردلة، ويؤيد الأول ما أخرجه ابن أبي داود في المصاحف، من طريق عطاء، عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - أنه قرأ: (مثقال نملة).

ولم يذكر سبحانه الذرة لقصر الحكم عليها، بل لأنها أقل شيء مما يدخل في وهم البشر، أو أكثر ما يستعمل عند الوصف بالقلة، ولم يعبر سبحانه بالمقدار ونحوه بل عبر بالمثقال للإشارة بما يفهم منه من الثقل الذي يعبر به عن الكثرة والعظم كقوله تعالى: فأما من ثقلت موازينه إلا أنه وإن كان حقيرا [ ص: 32 ] فهو باعتبار جزئه عظيم، وانتصابه على أنه صفة مصدر محذوف كالمفعول، أي ظلما قدر مثقال ذرة، فحذف المصدر وصفته، وأقيم المضاف إليه مقامهما، أو مفعول ثان لـ(يظلم) أي لا يظلم أحدا، أو لا يظلمهم مثقال ذرة.

قال السمين: وكأنهم ضمنوا (يظلم) معنى يغصب أو ينقص، فعدوه لاثنين.

وذكر الراغب أن الظلم عند أهل اللغة وضع الشيء في غير موضعه المختص به، إما بنقصان أو بزيادة أو بعدول عن وقته أو مكانه، وعليه ففي الكلام إشارة إلى أن نقص الثواب وزيادة العقاب لا يقعان منه تعالى أصلا، وفي ذلك حث على الإيمان والإنفاق، بل إرشاد إلى أن كل ما أمر به مما ينبغي أن يفعل، وكل ما نهى عنه مما ينبغي أن يجتنب.

واستدل المعتزلة بالآية على أن الظلم ممكن في حد ذاته، إلا أنه تعالى لا يفعله لاستحالته في الحكمة لا لاستحالته في القدرة؛ لأنه سبحانه مدح نفسه بتركه، ولا مدح بترك القبيح ما لم يكن عن قدرة، ألا ترى أن العنين لا يمدح بترك الزنا، واعترض على ذلك بقوله تعالى: لا تأخذه سنة ولا نوم فإنه ذكر في معرض المدح، مع أن النوم غير ممكن عليه سبحانه، قال في الكشف: وهو غير وارد؛ لأنه مدح بانتفاء النقص عن ذاته المقدسة، وهو كما تقول: الباري عز وعلا ليس بجسم ولا عرض، وأما ما نحن فيه فمدح بترك الفعل، والترك الممدوح إنما يكون إذا كان بالاختيار، نعم: للمانع أن لا يسلم أنه تعالى مدح بالترك، بل من حيث الدلالة على النقص؛ لأن وجوب الوجود ينافي جواز الاتصاف بالظلم، وتحقيقه على مذهبهم أن وضع الشيء في غير موضعه الحقيق به ممكن في نفسه، وقدرة الحق جل شأنه تسع جميع الممكنات، لكن الحكمة - وهي الإتيان بالممكن على وجه الإحكام وعلى ما ينبغي – مانعة، وعلى هذا قالوا: الحكيم لا يفعل إلا الحسن من بين الممكنات، إلا إذا دعته حاجة، والمنزه عن الحاجات جمع يتعالى عن فعل القبيح، ونحن نقول: إنه عز اسمه لا ينقص من الأجر ولا يزيد في العقاب أيضا بناء على وعده المحتوم، فإن الحلف فيه ممتنع لكونه نقصا منافيا للألوهية وكمال الغنى، وبهذا الاعتبار يصح أن يسمى ظلما، وإن كان لا يتصور - حقيقة - الظلم منه تعالى؛ لكونه المالك على الإطلاق، فالزيادة والنقص ممكنان لذاتهما، والخلف ممتنع لذاته، ولا يلزم من كون الخلف ممتنعا لذاته بالنسبة إلى الواجب، تعالى وتقدس أن يكون متعلقه كذلك، وهذا على نحو ما تقرر في مسألة التكليف بالممتنع أن إخبار الله تعالى عن عدم إيمان المصر ووجوب الصدق اللازم له لا يخرج الفعل عن كونه مقدور المكلف، بل يحقق قدرته عليه، فليحفظ؛ فإنه مهم.

وإن تك حسنة الضمير المستتر في الفعل الناقص عائد إلى المثقال، وإنما أنث حملا على المعنى؛ لأنه بمعنى (وإن تكن زنة ذرة حسنة) وقيل: لأن المضاف قد يكتسب التأنيث من المضاف إليه إذا كان جزأه، نحو:

كما شرقت صدر القناة من الدم

أو صفة له، نحو: (لا تنفع نفسا إيمانها) في قراءة من قرأ بالتاء الفوقانية، ومقدار الشيء صفة له، كما أن الإيمان صفة للنفس، وقيل: أنث الضمير لتأنيث الخبر، واعترض بأن تأنيث الخبر إنما يكون لمطابقة تأنيث المبتدأ، فلو كان تأنيث المبتدأ له لزم الدور، وأجيب بأن ذلك إذا كان مقصودا وصفيته، والحسنة غلبت عليها الاسمية، فألحقت بالجوامد التي لا تراعى فيها المطابقة، نحو: الكلام هو الجملة، وقيل: الضمير عائد إلى المضاف إليه، وهو مؤنث بلا خفاء، وحذفت النون من آخر الفعل من غير قياس تشبيها لها بحروف العلة من حيث الغنة والسكون وكونها من حروف الزوائد، وكان القياس عود الواو المحذوفة لالتقاء الساكنين بعد حذف النون، إلا أنهم خالفوا القياس في ذلك أيضا حرصا على التخفيف فيما [ ص: 33 ] كثر دوره، وقد أجاز يونس حذف النون من هذا الفعل أيضا في مثل قوله:


فإن لم تك المرآة أبدت وسامة فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم

وسيبويه يدعي أن ذلك ضرورة.

وقرأ ابن كثير (حسنة) بالرفع على أن (تك) تامة، أي: وإن توجد أو تقع (حسنة) (يضاعفها) أضعافا كثيرة، حتى يوصلها - كما مر عن أبي هريرة - إلى ألفي ألف حسنة، وعنى التكثير لا التحديد، والمراد: يضاعف ثوابها؛ لأن مضاعفة نفس الحسنة بأن تجعل الصلاة الواحدة صلاتين مثلا مما لا يعقل، وإن ذهب إليه بعض المحققين، وما في الحديث من أن تمرة الصدقة يربيها الرحمن حتى تصير مثل الجبل محمول على هذا؛ للقطع بأنها أكلت، واحتمال إعادة المعدوم بعيد، وكذا كتابة ثوابها مضاعفا، وهذه المضاعفة ليست هي المضاعفة في المدة عند الإمام؛ لأنها غير متناهية، وتضعيف غير المتناهي محال، بل المراد أنه تعالى يضعفه بحسب المقدار، مثلا يستحق على طاعته عشرة أجزاء من الثواب فيجعله عشرين جزءا أو ثلاثين أو أزيد.

وقيل: هي المضاعفة بحسب المدة، على معنى أنه سبحانه لا يقطع ثواب الحسنة في المدد الغير المتناهية، لا أنه يضاعف جل شأنه مدتها، ليجيء حديث محالية تضعيف ما لا نهاية، وجعل قوله تعالى:

ويؤت من لدنه أجرا عظيما على هذا عطفا لبيان الأجر المتفضل به، وهو الزيادة في المقدار إثر بيان الأجر المستحق، وهو إعطاء مثله واحدا بعد واحد إلى أبد الدهر، وتسمية ذلك أجرا من مجاز المجاورة؛ لأنه تابع للأجر، مزيد عليه.

وعلى الأول جعله البعض واردا على طريقة عطف التفسير على معنى: يضاعف ثواب تلك الحسنة بإعطاء الزائد عليه من فضله، وزعموا أن القول بالأجر المستحق مذهب المعتزلة، ولا يتأتى على مذهب الجماعة وليس بشيء؛ لأن الجماعة يقولون بالاستحقاق أيضا، لكن بمقتضى الوعد الذي لا يخلف، وبه يكون الأجر الموعود به كأنه حق للعبد، كما أنه يكون كذلك أيضا بمقتضى الكرم، كما قيل: وعد الكريم دين، نعم، حمل الأجر على ما ذكر لا يخلو عن بعد، والداعي إليه عدم التكرار، وقال الإمام أيضا: إن ذلك التضعيف يكون من جنس اللذات الموعود بها في الجنة، وأما هذا الأجر العظيم الذي يؤتيه من لدنه فهو اللذة الحاصلة عند الرؤية والاستغراق في المحبة والمعرفة.

وبالجملة، فذلك التضعيف إشارة إلى السعادات الجسمانية، وهذا الأجر إشارة إلى السعادات الروحانية، ولا يخلو عن حسن و(لدن) بمعنى عند، وفرق بينهما بعضهم بأن (من لدن) أقوى في الدلالة على القرب، ولذا لا يقال: لدي مال إلا وهو حاضر، بخلاف (عند) وتقول: هذا القول عندي صواب، ولا تقول: لدي ولدني، كما قاله الزجاج، ونظر فيه بأنه شاع استعمال (لدن) في غير المكان، كقوله تعالى: من لدنا علما اللهم إلا أن يخرج ما قاله الزجاج مخرج الغالب.

وقرأ ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب، وابن جبير: (يضعفها) بتضعيف العين وتشديدها، والمختار عند أهل اللغة والفارسي أنهما بمعنى، وقال أبو عبيدة: (ضاعف) يقتضي مرارا كثيرة، و(ضعف) يقتضي مرتين، ورد بأنه عكس اللغة؛ لأن المضاعفة تقتضي زيادة الثواب، فإذا شددت دلت البنية على التكثير، فيقتضي ذلك تكرير المضاعفة، وقد تقدم من الكلام ما ينفعك، فتذكر.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث