الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


355 326 - وأما حديث مالك في هذا الباب عن عمرو بن يحيى ، عن سعيد بن يسار عن ابن عمر أنه قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي وهو على حمار ، وهو متوجه إلى خيبر .

[ ص: 124 ] 327 - وحديثه عن عبد الله بن دينار ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي على راحلته في السفر حيث توجهت به .

8224 - وكان ابن عمر يفعله .

التالي السابق


8225 - لم يذكر مالك - رحمه الله - في حديثه هذا أنه كان ذلك منه - صلى الله عليه وسلم - تطوعا فذي غير المكتوبة .

8226 - وقد ذكره موسى بن عقبة ، وشعبة ، عن عبد الله بن دينار ، عن عمر .

8227 - وذكره ابن شهاب ، عن أبيه ، عن سالم .

8228 - ورواه القاسم بن محمد ، ونافع ، عن ابن عمر ، كلهم يذكر فيه التطوع . وهذا أمر لا خلاف فيه والحمد لله .

[ ص: 125 ] 8229 - وقد انعقد الإجماع على أنه لا يجوز أن يصلي أحد فريضة على الدابة في غير شدة الخوف . فكفى بهذا بيانا وحجة .

8230 - وقد ذكرنا الآثار بما وصفنا بالأسانيد في كتاب التمهيد .

8231 - وأما قول الشيخ - رحمه الله - أن عمرو بن يحيى قد انفرد بذكر صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على الحمار في السفر ، فإنما قال ذلك ; لأن المعروف المحفوظ في حديث ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي النافلة في السفر على راحلته ، لا على الحمار حيث توجهت به .

8232 - وهذا إنما أنكر العلماء منه اللفظ دون المعنى ، ولا خلاف بين الفقهاء في جواز صلاة النافلة على الدابة حيث توجهت براكبها في السفر .

8233 - وقد ذكرنا في التمهيد حديث جابر ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي أين ما كان وجهه على الدابة .

8234 - عن الحسن البصري ، قال : كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلون [ ص: 126 ] في أسفارهم على دوابهم أينما كانت وجوههم .

8235 - وهذا أمر مجتمع عليه ، لا خلاف فيه بين العلماء كلهم في تطوع المسافر على دابته حيث توجهت به للقبلة وغيرها ، يومئ إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع ، ويتشهد ويسلم وهو جالس على دابته وفي محله .

8236 - إلا أن بينهم جماعة يستحبون أن يفتتح المصلي صلاته إلى القبلة في تطوعه على دابته محرم بها وهو مستقبل القبلة ، ثم لا يبالي حيث توجهت به .

8237 - ومنهم من لم يستحب ذلك ، وقال : كما يجوز أن يكون في سائر صلاة إلى غير القبلة عامدا وهو عالم بذلك ، فكذلك يجوز افتتاحها إلى غير القبلة .

8238 - وإلى هذا ذهب مالك وأصحابه .

8239 - وذهب الشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وأبو ثور إلى القول الأول .

8240 - واحتج بعضهم بحديث الجارود بن أبي سبرة ، عن أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سافر فأراد أن يتطوع ، استقبل بناقته القبلة ، فكبر ، ثم صلى حيث [ ص: 127 ] وجهه ركابه .

8241 - وقد ذكرنا إسناده في التمهيد .

8242 - وقال أحمد بن حنبل ، وأبو ثور ، هكذا ينبغي أن يفعل من يتنفل على راحلته في السفر .

8243 - وكان عبد الله بن عمر يقول في قول الله تعالى : " فأينما تولوا فثم وجه الله " [ البقرة : 115 ] أنها نزلت في صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفره التطوع على الراحلة .

8244 - وهو تأويل حسن للآية ، تعضده السنة .

8245 - وفي الآية قولان غير هذا :

8246 - أحدهما : أنها نزلت في قول اليهود في القبلة .

8247 - والآخر : أنها نزلت في قوم كانوا في سفر على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في ليلة ظلماء ، فلم يعرفوا القبلة واجتهدوا و صلوا إلى جهات مختلفة ، ثم بان لهم فسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله - عز وجل - " فأينما تولوا فثم وجه الله " فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : مضت صلاتكم .

8248 - واختلف الفقهاء في المسافر سفرا لا يقصر فيه الصلاة ، هل له أن يتنفل على راحلته ودابته أم لا ؟ [ ص: 128 ] [ ص: 129 ] 8249 - فقال مالك ، وأصحابه : لا يتطوع على الراحلة إلا في سفر يقصر في مثله الصلاة .

8250 - وحجتهم في ذلك أن الأسفار التي حكى ابن عمر وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى فيها على راحلته تطوعا كانت مما تقصر فيها الصلاة ، فكأن [ ص: 130 ] الرخصة خرجت على ذلك فلا ينبغي أن تتعدى ; لأنه شيء وقع به البيان كأنه قال : إذا سافرتم مثل سفري هذا فافعلوا بفعلي هذا والله أعلم ; ولأن ترك القبلة لا يجوز للمصلي إلا بالإجماع أو سنة لا تتفدى .

8251 - وقال الشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهما ، والحسن بن حي ، والليث بن سعد ، وداود بن علي : لا يجوز التطوع على الراحلة خارج المصر في كل سفر قصير أو طويل ، ولم يراعوا مسافة قصر الصلاة .

8252 - وحجتهم أن الآثار الواردة بذلك ليس في شيء منها تحديد سفر ولا تخصيص مسافة ، فوجب امتثال العموم في ذلك .

8253 - وقال أبو يوسف : يصلي في المصر على الدابة أيضا بالإيماء لحديث يحيى بن سعيد ، عن أنس بن مالك أنه صلى على حمار في أزقة المدينة يومئ إيماء .

8254 - قال أبو عمر : ذكر مالك حديث يحيى بن سعيد هذا عن أنس ، فلم يقل فيه في أزقة المدينة بل قال فيه :



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث