الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الثالث الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل

1656 [ ص: 249 ] حديث ثالث لمحمد بن المنكدر .

مالك عن محمد بن المنكدر ( وعن ) سالم أبي النضر مولى عمر بن عبد الله ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد : ما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الطاعون ؟ فقال أسامة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل ، أو على من كان قبلكم ، فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه ، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه .

التالي السابق


قال مالك : قال أبو النضر : لا يخرجكم إلا فرار منه .

قال أبو عمر : هكذا قال يحيى في هذا الحديث : عامر بن سعد عن أبيه ، أنه سمعه يسأل أسامة ، وتابعه على ذلك من رواة الموطأ جماعة ، منهم مطرف وأبو مصعب ويحيى [ ص: 250 ] بن يحيى النيسابوري ، ولا وجه لذكر أبيه في ذلك ; لأن الحديث إنما هو لعامر بن سعد عن أسامة بن زيد سمعه منه ، وكذلك رواه معن بن عيسى وابن بكير ومحمد بن الحسن وجماعة سواهم عن مالك ، ولم يقولوا عن أبيه ، وقد جوده القعنبي فروى عن مالك عن محمد بن المنكدر ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص , أن أخبره أن أسامة بن زيد أخبره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الطاعون رجز .

- وذكر الحديث لعامر عن أسامة - لم يقل فيه عن أبيه ، ولا ذكر أبا النضر مع محمد بن المنكدر ، وسائر رواة الموطأ يجمعون فيه عن مالك أبا النضر ومحمد بن المنكدر ( جميعا ) كما روى يحيى .

[ ص: 251 ] وقد روى قوم هذا الحديث عن عامر بن سعد عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو عندي وهم لا يصح - والله أعلم - ممن رواه كذلك .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا بكر بن حماد ، حدثنا مسدد ، حدثنا عبد الواحد بن زياد عن معمر عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر الطاعون ، فقال : وجع أرسل على من كان قبلكم الحديث .

وهذا مما حدث به معمر بالعراق ، وأهل الحديث يقولون : إن ما حدث به معمر بالعراق من حفظه لم يقمه ، وأخطأ في كثير منه ، والدليل على أن هذا مما أخطأ فيه - والله أعلم - ما حدثنا خلف بن قاسم قال : حدثنا ابن أبي العقب قال : حدثنا أبو زرعة قال : حدثنا أبو اليمن قال : حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال : حدثنا عامر بن سعد أنه سمع أسامة بن زيد ، وهو يحدث سعد بن أبي وقاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر هذا الوجع وساق الحديث بمعناه ، [ ص: 252 ] وهذا هو الصحيح فيه لعامر عن أسامة لا عن أبيه ، والله أعلم .

وقد رواه يزيد بن الهادي عن محمد بن المنكدر ، عن عامر بن سعد ، عن أسامة لا عن سعد ، أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال : حدثنا محمد بن عثمان الصيدلاني قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال : حدثنا إبراهيم بن حمزة قال : حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن يزيد بن عبد الله بن الهادي ، عن محمد بن المنكدر ، عن عامر بن سعد ، عن أسامة بن زيد ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر الطاعون عنده فقال : إنه رجس أو رجز عذبت به أمة من الأمم ، منه بقايا ، فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه ، وإذا وقع بأرض وأنتم فيه فلا تفروا منه فقال محمد بن المنكدر : فحدثت هذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال : هكذا حدثنيه عامر بن سعد .

وقد رواه عبد الحميد بن جعفر عن داود بن عامر بن سعد ، عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا وقع الطاعون بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها ، وإذا كان بغيرها ولستم بها فلا تدخلوها ، وهذا الإسناد ليس بحجة لمخالفة الحفاظ لداود بن عامر في ذلك ، وممن خالفه فيه ابن شهاب ومحمد بن المنكدر وعمرو بن دينار ، وهؤلاء لا نظير لهم في الحفظ والإتقان ، وليس داود بن عامر ممن يلحق بهم .

[ ص: 253 ] وحدثنا سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا ابن وضاح ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو سمع عامر بن سعد قال : جاء رجل إلى سعد فسأله عن الطاعون فقال أسامة : أنا أخبرك : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا هجم الطاعون وأنتم بأرض فلا تخرجوا فرارا منه ، وإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوها .

فإن قيل : قد رواه أبو حذيفة عن الثوري ، عن محمد بن المنكدر ، عن عامر بن سعد ، عن سعد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قيل له : نعم ، وهو عندنا من حديث علي بن عبد العزيز ، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود كذلك ، ولكنه خطأ ، وكان أبو حذيفة كثير الوهم والخطأ في حديثه عن الثوري ، وقد ذكره ابن أبي شيبة عن عبد الله بن نمير عن سفيان الثوري ، عن محمد بن المنكدر ، عن عامر بن سعد ، عن أسامة بن زيد قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن هذا الطاعون رجز سلط على من كان قبلكم الحديث .

وهذا يشهد لما قلناه من خطأ أبي حذيفة ، فإن قيل : إن أسد بن موسى حدث بهذا الحديث عن ابن لهيعة ، عن الأعرج ، عن أشعث بن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص ، أن سعدا كان إذا جاءه أسامة بن زيد لم يقربهما أحد فجاء عامر بن سعد فقعد إليهما ، [ ص: 254 ] فقال أسامة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها ، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارا ، فقال سعد لأسامة : أنت سمعت هذا ؟ قال : نعم ، مرتين ، فقال سعد : وأنا قد سمعته . قيل : هذا حديث لا يحتج به من ميز أقل شيء من طرق الأحاديث ; لأنه خبر منقطع ضعيف ، وابن لهيعة أكثر أهل العلم لا يقبلون شيئا من حديثه ، ومنهم من يقبل منه ما حدث به قبل احتراق كتبه ، ولم يسمع منه فيما ذكروا قبل احتراق كتبه إلا ابن المبارك وابن وهب لبعض سماعه .

وأما أسد ومثله فإنما سمعوا منه بعد احتراق كتبه ، وكان يملي من حفظه فيخطئ ويخلط ، وليس بحجة عند جميعهم ، وحديثه هذا أيضا مع ضعفه منقطع وأحاديث الحفاظ الثقات بخلافه .

حدثنا خلف بن قاسم قال : حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد قال : حدثنا يوسف بن يزيد قال : حدثنا أسد بن موسى قال : حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال : سمعت عمرو بن سعد بن أبي وقاص قال : جاء رجل إلى سعد فسأله عن الطاعون وعنده أسامة بن زيد فقال أسامة : أنا أخبرك ، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن [ ص: 255 ] هذا الطاعون رجز أو عذاب أرسل على من كان قبلكم ، أو على طائفة من بني إسرائيل ، فإذا وقع بأرض فلا تدخلوها وإذا وقع وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارا .

ورواية أسد لهذا الحديث عن ابن عيينة بخلاف روايته له عن ابن لهيعة , دليل على ضبط أسد ، فإن قيل : إن أبا خالد الأحمر روى عن عكرمة بن خالد المخزومي ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبيه عن سعد أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : الطاعون رجز أصيب به من كان قبلكم الحديث ، وفيه سماع سعد له من النبي - صلى الله عليه وسلم - قيل : وهذا أيضا حديث ضعيف الإسناد ترده أحاديث الحفاظ ; لأن سعدا لو كان عنده فيه سماع من النبي - عليه السلام - ما احتاج أن يسأل أسامة بن زيد عن ذلك في حديث مالك عن محمد بن المنكدر عن عامر بن سعد ، أنه سمع أباه يسأل أسامة بن زيد ما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الطاعون ، وفي حديث ابن عيينة عن عمرو بن دينار ، عن عامر بن سعد أنه سمع أسامة بن زيد يقول لأبيه سعد بن أبي وقاص في حديث الطاعون : أنا أخبرك بذلك ، فإن قيل : إن وكيع بن الجراح روى عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن إبراهيم بن [ ص: 256 ] سعد بن أبي وقاص عن أبيه وأسامة بن زيد وحذيفة قالوا : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن هذا الطاعون رجز الحديث ، قيل لقائل ذلك : هذا إسناد آخر غير إسناد عامر بن سعد ، وهذا الإسناد أيضا الصحيح فيه أن الحديث لإبراهيم بن سعد عن أسامة بن زيد وحده ، كذلك روى شعبة وأبو إسحاق الشيباني عن حبيب بن أبي ثابت ، وكذلك رواه جماعة عن الثوري ، وقد اضطرب فيه وكيع فمرة رواه جعله عن إبراهيم بن سعد عن أبيه وأسامة وحذيفة بن ثابت مكان حذيفة ، وأصحاب الثوري يخالفونه في ذلك ، فسقط الاحتجاج بروايته فيه .

وأما حديث شعبة فحدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى المقرئ قال : حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال : حدثنا علي بن الجعد قال : حدثنا شعبة قال : حدثنا حبيب بن أبي ثابت قال : سمعت إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص يقول : سمعت أسامة بن زيد يحدث سعدا أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا سمعتم به بأرض ، فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم بها ، فلا تخرجوا منها قال حبيب : قلت لإبراهيم بن سعد : أنت سمعت أسامة يحدث سعدا وهو جالس لا ينكره ؟ قال : نعم .

[ ص: 257 ] أخبرنا عبد الله بن محمد قال : أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن جامع قال : حدثنا علي بن عبد العزيز قال : حدثنا عمرو بن عون قال : حدثنا خالد بن عبد الله ، عن أبي إسحاق الشيباني ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص ، عن أسامة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن هذا الوجع رجز وذكر الحديث .

هذا ما يجيء على مذهب أهل الحديث في تهذيب إسناد هذا الخبر على أنه قد يمكن أن يكون سعد قد سمع ما سمع أسامة منه ، ولكن الحكم ما ذكرنا والله أعلم .

وأما قوله في هذا الطاعون رجز ، فالطاعون معلوم ، وقد مضى في تفسير معناه في باب ابن شهاب عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ما فيه كفاية ، ومضت هناك أخبار في الطاعون حسان لا معنى لذكر شيء منها معادا هاهنا .

أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا عيسى بن أبي ذكويه المعروف بالدعاث قال : حدثنا فروة بن أبي المعزى قال : حدثنا علي بن مسهر عن يوسف بن [ ص: 258 ] ميمون ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عمر ، عن عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فناء أمتي بالطعن والطاعون قلت : الطعن قد عرفناه فما الطاعون ؟ قال : غدة كغدة البعير تخرج في المراق والآباط ، من مات منه مات شهيدا ، وذكر تمام الخبر .

وأما الرجز فالعذاب ، لا يختلف في ذلك أهل العلم باللسان ، من ذلك قوله : فلما كشفنا عنهم الرجز وهو كثير ، وقد يكون الرجس والرجز سواء ، والرجز النجاسة ، والرجز أيضا عبادة الأوثان ، دليل ( ذلك ) قوله - عز وجل - : والرجز فاهجر ، ولا وجه لذكر الرجز في هذا الحديث إلا العذاب ، وكل ما ابتلي به الإنسان من الأوجاع والمحن والشيب وغير ذلك فهو من العذاب ، وقد قيل في الأدنى يوم بدر ، وقال : ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا هذا كله وما أشبهه من العذاب والله أعلم .

[ ص: 259 ] وأما قوله : أرسل على بني إسرائيل أو على من كان قبلكم فالشك من المحدث : هل قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : على بني إسرائيل أو قال : أرسل على من قبلكم والمعنى - والله أعلم - أن الطاعون أول ما نزل في الأرض فعلى طائفة من بني إسرائيل قبلنا ، وأما نهيه عن القدوم عليه وعن الفرار منه فلئلا يلوم أحدهم بعد ذلك نفسه إن مرض منه فمات ، أو يقول غيره : لو لم يقدم عليه أو فر منه لنجا ونحو هذا ، فيلومون أنفسهم فيما لا لوم عليهم فيه ; لأن الباقي والناهض لا يتجاوز أحد منهم أجله ، ولا يستأخر عنه .

وفيه جاء النهي عن اللوم مطلقا ، يعني قولهم لو كان كذا لم يكن كذا ، ويقال : إنه ما فر أحد من الطاعون فنجا .

حدثنا محمد بن عبد الملك قال : أخبرنا عبد الله بن مسرور ، حدثنا عيسى بن مسكين ، حدثنا ابن سنجر ، حدثنا عارم ، حدثنا داود بن أبي الفرات قال : أخبرنا عبد الله بن بريدة ، عن يحيى بن يعمر ، عن عائشة ، حدثته أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الطاعون ، فأخبرها نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان عذابا بعثه الله على من يشاء ، فجعله الله رحمة للمؤمنين ، فليس من عبد يقع الطاعون بأرض , فيثبت ولا يخرج ، [ ص: 260 ] ويعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد .

وقد ذكرنا أخبارا في باب ابن شهاب عن عبد الله بن عامر في الفرار عن الطاعون لا وجه لتكريرها هاهنا .

وفيه عندي - والله أعلم - النهي عن ركوب الغرر والمخاطرة بالنفس والمهجة ; لأن الأغلب في الظاهر أن الأرض الوبيئة لا يكاد يسلم صاحبها من الوباء فيها إذا نزل بها ، فنهوا عن هذا الظاهر ، إذ الآجال والآلام مستورة عنهم ، ومن هذا الباب أيضا قوله : لا يحل الممرض على المصح ، ثم قال : عند حقيقة الأمر : فمن أعدى الأول ؟ .

وأما قول أبي النضر في هذا الحديث لا يخرجكم إلا فرارا منه ، وكذا قال يحيى وغيره عن مالك ، فسيأتي القول فيه في باب أبي النضر إن شاء الله تعالى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث