الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الثالث أن رسول الله نهى عن صيام يومين يوم الفطر ويوم الأضحى

668 [ ص: 26 ] حديث ثالث لمحمد بن يحيى بن حبان .

مالك عن محمد بن يحيى بن حبان عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن صيام يومين : يوم الفطر ، ويوم الأضحى .

التالي السابق


( قال أبو عمر ) : قد مضى القول في معنى هذا الحديث في باب ابن شهاب عن أبي عبيد .

وصيام هذين اليومين لا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز على حال من الأحوال لا لمتطوع ولا لناذر ، ولا لقاض فرضا ، ولا لمتمتع لا يجد هديا ، ولا لأحد من الناس كلهم أن يصومهما ( وهو ) إجماع لا تنازع فيه ، فارتفع القول في ذلك ، وهما يومان حرام صيامهما فمن نذر صيام واحد منهما فقد نذر معصية ، وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من نذر أن يعصي الله فلا يعصه ولو نذر ناذر صيام يوم بعينه أو ( صياما بعينه ) مثل صيام ستة بعينها ، وما كان مثل ذلك فوافق [ ص: 27 ] ذلك يوم فطر أو أضحى فأجمعوا أن لا يصومهما ، واختلفوا في قضائهما ففي ( أحد ) قولي الشافعي ، وزفر بن الهذيل ، وجماعة ليس عليه قضاؤهما ( وهو قول ابن كنانة صاحب مالك ) وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد : يقضيهما ، وهو قول الحسن بن حي ، والأوزاعي ، وآخر قولي الشافعي ، وقد روي عن الأوزاعي أنه يقضيهما إلا أن ينوي أن لا يقضيهما ولا يصومهما ، واختلف قول مالك في ذلك على ثلاثة أوجه أحدها أنه يقضيهما ، والآخر أنه يقضيهما إلا أن يكون نوى أن لا يقضيهما ، والثالث أنه لا يقضيهما إلا أن يكون نوى أن يصومهما ، روى الرواية الأولى عنه ابن وهب ، والروايتين الأخريين ابن القاسم قال ابن وهب : قال مالك ، فيمن نذر أن يصوم ذا الحجة : فإنه يفطر يوم النحر ويومين بعده ويقضي ، وأما آخر أيام التشريق فإنه يصومه ، وروى ابن القاسم عن مالك فيمن نذر صيام سنة بعينها أنه يفطر يوم الفطر وأيام النحر ، ولا قضاء عليه إلا أن يكون نوى أن يصومها ، قال : ثم سئل بعد ذلك عمن أوجب صيام ذي الحجة فقال : يقضي أيام الذبح ، إلا أن يكون نوى أن لا قضاء لها قال ابن القاسم : قوله الأول أحب إلي أن لا قضاء عليه إلا أن ينوي أن يقضيه ، فأما آخر [ ص: 28 ] أيام التشريق الذي ليس فيه دم فإنه يصومه ، ولا يدعه ، وقال الليث بن سعد ، فيمن جعل على نفسه صيام سنة : أنه يصوم ثلاثة عشر شهرا لمكان رمضان ، ويومين لمكان الفطر والأضحى ، ويصوم أيام التشريق ، وقال : المرأة في ذلك مثل الرجل ، وتقضي أيام الحيض ، وروي عنه فيمن نذر صيام الإثنين والخميس يوافق ذلك الفطر والأضحى أنه يفطر ، ولا قضاء عليه ، وهذا خلاف الأول إلا أني أحسب أنه جعل الإثنين والخميس كمن نذر صيام سنة بعينها ، والجواب الأول في سنة بعينها ، والقياس أن لا قضاء في ذلك ; لأن من نذر صوم يوم بعينه أبدا لا يخلو أن يدخل يوم الفطر والأضحى في نذره أو لا يدخل ، فإن دخل في نذره فلا يلزمه ; لأن من قصد إلى نذر صومه لم يلزمه ، ونذر ذلك باطل ، فإن لم يدخل في نذره فهو أبعد من أن يجب عليه قضاؤه ، وعلى ما ذكرنا يسقط الاعتكاف عمن نذر يوم الفطر ويوم النحر عند من يقول لا اعتكاف إلا بصوم ، وقد اختلف عن مالك في هذه المسألة ، فروي عنه أنه إن اعتكف يجزئه ، وروي عنه أنه لا يعتكف ، ولا شيء عليه ; لأنه لا اعتكاف إلا بصوم ، وهو الصحيح على أصله ، وقال الشافعي : من [ ص: 29 ] نذر اعتكاف يوم الفطر ويوم النحر اعتكف ، ولم يصم وأجزأه ، وهو قول كل من يرى الاعتكاف جائزا بغير صوم ، وقال محمد بن الحسن : يعتكف يوما مكانه إذا جعل ذلك على نفسه ، ويكفر ( مكانه ) عن يمينه إن أراد يمينا .

وقد مضى القول في صيام أيام التشريق في باب مرسل ابن شهاب في هذا الكتاب ، والحمد لله .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث