الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون

جزء التالي صفحة
السابق

( قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون )

أمرهم الله - تعالى - بالهبوط مرتين ، فالأولى : بيان لحالهم في أنفسهم بعد الهبوط من تلك الجنة أو الخروج من ذلك الطور وهو أن حالهم تقتضي العداوة والاستقرار في الأرض والتمتع بها ، وعدم الخلود فيها .

والثانية : بيان لحالهم من حيث الطاعة والمعصية وآثارهما ، وهي أن حالة الإنسان في هذا الطور لا تكون عصيانا مستمرا شاملا ، ولا تكون هدى واجتباء عاما - كما كان يفهم لو اقتصر على ذكر توبة الله على آدم وهدايته واجتبائه - وإنما الأمر موكول إلى اجتهاد الإنسان وسعيه ، ومن رحمة الله - تعالى - به أن يجعل في بعض أفراده الوحي ويعلمهم طرق الهداية ، فمن سلكها فاز وسعد ، ومن تنكبها خسر وشقي ، هذا هو السر في إعادة ذكر الهبوط لا أنه أعيد للتأكيد كما زعموا .

[ ص: 237 ] قال - تعالى - : ( قلنا اهبطوا منها جميعا ) أي فقد انتهى طور النعيم الخالص والراحة العامة وادخلوا في طور لكم فيه طريقان : هدى وضلال ، إيمان وكفران ، فلاح وخسران ( فإما يأتينكم مني هدى ) من رسول مرشد وكتاب مبين ( فمن تبع هداي ) الذي أشرعه ، وسلك صراطي المستقيم الذي أحدده ( فلا خوف عليهم ) من وسوسة الشيطان ، ولا مما يعقبها من الشقاء والخسران ( ولا هم يحزنون ) على فوت مطلوب أو فقد محبوب ؛ لأنهم يعلمون بهذه الهداية أن الصبر والتسليم مما يرضي الله - تعالى - ويوجب مثوبته ، ويفتح للإنسان باب الاعتبار بالحوادث ، ويقويه على مصارعة الكوارث ، فيكون له من ذلك خير عوض عما فاته وأفضل تعزية عما فقده .

( قال الأستاذ الإمام ما مثاله ) : الخوف عبارة عن تألم الإنسان من توقع مكروه يصيبه ، أو توقع حرمان من محبوب يتمتع به أو يطلبه ، والحزن ألم يلم بالإنسان إذا فقد ما يحب ، وقد أعطانا الله جل ثناؤه الطمأنينة التامة في مقابلة ما تحدثه كلمة ( اهبطوا ) من الخوف من سوء المنقلب ، وما تثيره من كوامن الرعب ، فالمهتدون بهداية الله - تعالى - لا يخافون مما هو آت ، ولا يحزنون على ما فات ؛ لأن اتباع الهدى يسهل عليهم طريق اكتساب الخيرات ، ويعدهم لسعادة الدنيا والآخرة ، ومن كانت هذه وجهته ، يسهل عليه كل ما يستقبله ، ويهون عليه كل ما أصابه أو فقده ؛ لأنه موقن بأن الله يخلفه فيكون كالتعب في الكسب لا يلبث أن يزول بلذة الربح الذي يقع أو يتوقع .

وإذا قال قائل : إن الدين يقيد حرية الإنسان ويمنعه بعض اللذات التي يقدر على التمتع بها ، ويحزنه الحرمان منها ، فكيف يكون هو المأمن من الأحزان ، ويكون باتباعه الفوز وبتركه الخسران ؟ فجوابه : إن الدين لا يمنع من لذة إلا إذا كان في إصابتها ضرر على مصيبها ، أو على أحد إخوانه من أبناء جنسه الذين يفوته من منافع تعاونهم - إذا آذاهم - أكثر مما يناله بالتلذذ بإيذائهم ، ولو تمثلت لمستحل اللذة المحرمة مضارها التي تعقبها في نفسه وفي الناس ، وتصور مالها من التأثير في فساد العمران لو كانت عامة ، وكان صحيح العقل معتدل الفطرة لرجع عنها متمثلا بقول الشاعر :


لا خير في لذة من بعدها كدر



فكيف إذا كان مع ذلك يؤمن باليوم الآخر ، ويعلم أن هذه المحرمات تدنس الروح فلا تكون أهلا لدار الكرامة في يوم القيامة !

[ ص: 238 ] ( قال الأستاذ : وليست سعادة الإنسان في حرية البهائم بل في الحرية التي تكون في دائرة الشرع ومحيطه ، فمن اتبع هداية الله فلا شك أنه يتمتع تمتعا حسنا ، ويتلقى بالصبر كل ما أصابه ، وبالطمأنينة ما يتوقع أن يصيبه فلا يخاف ولا يحزن .

يريد : أن رجاء الإنسان فيما وراء الطبيعة هو الذي يقيه من تحكم عوادي الطبيعة فيه ، وبدون ذلك الرجاء تتحكم فيه أشد مما تتحكم في البهائم التي هي أقوى منه طبيعة ( وخلق الإنسان ضعيفا ) ( 4 : 28 ) فالتماس السعادة بحرية البهائم هو الشقاء اللازم ، وقد صرح بلفظ التمتع الحسن أخذا من قوله - تعالى - : ( وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله ) ( 11 : 3 ) الآية ، فالآيات الدالة على أن سعادة الدنيا معلولة للاهتداء بالدين كثيرة جدا ، وقد حجبها عن كثير من المسلمين قولهم في الكافرين : لهم الدنيا ولنا الآخرة ، يغالطون أنفسهم بحجة القرآن عليهم ، وآيات سورة طه في قصة آدم أوضح في المراد من آيات البقرة ، وهي قوله - عز وجل - : ( قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ) ( 20 : 123 - 124 ) الآيات .

قال - تعالى - : ( والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ) ( أقول ) : الآيات جمع آية وهي كما قال الجمهور : العلامة الظاهرة ، قال الراغب : وحقيقته أن كل شيء ظاهر ملازم لشيء باطن يعرف به ، ويدرك بإدراكه حسيا كان كأعلام الطرق ومنار السفن ، أو عقليا كالدلائل المؤلفة من مقدمات ونتيجة ا هـ بالمعنى ( قال ) : واشتقاق الآية إما من أي فإنها هي التي تبين أيا من أي ، والصحيح أنها مشتقة من التأيي الذي هو التثبت والإقامة على الشيء ا هـ . أقول : بل أصله قصد آية الشيء أي شخصه ، ومنه قول الشاعر :


تتأيا الطير غدوته     ثقة بالشبع من جزره



أي تتحرى الطير وتقصد خروجه صباحا إلى القتال أو الصيد لثقتها بما سبق من التجارب بأن تستشبع مما يترك لها من الفرائس .

وأطلقت الآية على كل قسم من الأقسام التي تتألف منها سور القرآن العظيم وتفصله من غيره فاصلة يقف القارئ عندها في تلاوته ، ويميزها الكاتب له ببياض أو بنقطة دائرة أو ذات نقش أو بالعدد ، والعمدة في معرفة الآيات بفواصلها التوقيف المأثور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإن كان أكثرها يدرك من النظم ، والآيات تطلق في القرآن على هذه ، وهي الآيات المنزلة من عند الله - تعالى - ؛ لأنها دلائل لفظية على العقائد والحكم والأحكام والآداب [ ص: 239 ] التي شرعها لعباده ، كما تدل في جملتها على كونها من عند الله - تعالى - لاشتمالها على ما تقدم بيانه من وجوه إعجاز البشر عن مثلها ، وتطلق أيضا على كل ما يدل على وجود الخالق - تعالى - وقدرته ووحدانيته وصفات كماله من هذه المخلوقات ، ومن نتائج العقول وبراهينها ، أو على غير ذلك من السنن والعبر .

وهذه الآية مقابل قوله قبله : ( فمن اتبع هداي ) . . . إلخ ، أي وأما الذين لم يتبعوا هداي ، وهم الذين كفروا بنا وكذبوا بآياتنا المبينة لسبيل ذلك الهدى - كما قال قبل قصة آدم : ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ) ( 2 : 28 ) - أو وأما الذين كفروا بآياتنا اعتقادا ، وكذبوا بها لسانا ، فجزاؤهم ما يأتي ، والتكذيب كفر سواء أكان عن اعتقاد بعدم صدق الرسول أم مع اعتقاد صدقه وهو تكذيب الجحود والعناد الذي قال الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في أهله : ( فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) ( 6 : 33 ) كما أن الكفر القلبي قد يوجد مع تصديق اللسان كما هي حال المنافقين ، والمعنى كما قرره شيخنا بالاختصار : والذين كفروا وكذبوا بآياتنا التي نجعلها دلائل الهداية وحجج الإرشاد بأن جحدوا بها وأنكروها ، ولم يذعنوا لصدقها اتباعا لخطوات الشيطان ، وعملا بوسوسته وذهابا مع إغوائه - ( أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) تقدم تفسير الخلود في آخر ( الآية 25 ) وأقول : إن هذه الجملة على الحصر أو الاختصاص الإضافي ، أي أولئك الكافرون المكذبون البعداء هم - دون متبعي هداي - أصحاب النار وأهلها هم فيها خالدون لا يظعنون عنها ، أي هم في خوف قاهر ، وحزن مساور ، وقد فسر ( الجلال ) الآيات بالكتب المنزلة ، وهو يصح في القرآن ، فإنه آية على نفسه ، وعلى صدق من جاء به ، وسائر الكتب تحتاج إلى آية تدل على أنها من عند الله - تعالى .

( قال الأستاذ ) : بعد تفسير الكفر بالجحود ، والتكذيب بالإنكار : وكل منهما يأتي في فرق من الناس ، فمنهم من لا تقوى ولا إيمان له ؛ وهم الذين لا يؤمنون بالغيب لأنه ليس عندهم أصل للنظر فيما جاءهم ، فهؤلاء منكرون وهم مكذبون ؛ لأن التكذيب يشمل عدم الاعتقاد بصدق الدعوى التي جاء بها الرسول واعتقاد كذبها ، والجحود قد يأتي من المعتقد ، قال - تعالى - : ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ) ( 27 : 14 ) .

فهذا هو الطور الأخير للإنسان بعد ما وكل إلى كسبه ، وجعل فلاحه وخسرانه بعمله ؛ فمن لطف الله به أن أيده بهداية الدين بعد هداية الحس والوجدان والعقل ، فبهذه الهدايات يرتقي بالتدريج ما شاء الله - تعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث