الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


1460 [ ص: 123 ] حديث أول عن أبي الرجال .

مالك عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن أنها أخبرته أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يمنع نقع بئر

التالي السابق


( قال أبو عمر : ) زاد بعضهم عن مالك في هذا الحديث بهذا الإسناد يعني فضل مائها ، وهو تفسير لم يختلف في جملته ، واختلف في تفسيره ، ولا أعلم أحدا من رواة الموطأ عن مالك أسند عنه هذا الحديث ، وهو مرسل عند جميعهم فيما علمت هكذا .

( وذكره الدارقطني عن أبي صاعد عن أبي علي الجرمي عن أبي صالح كاتب الليث عن الليث بن سعد ، عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي ، عن مالك بن أنس عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن بن حارثة عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن ، عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يمنع نقع بئر ، وهذا الإسناد ، وإن كان قريبا عن مالك فقد رواه أبو قرة موسى بن طارق عن مالك أيضا .

[ ص: 124 ] كذلك إلا أنه في الموطأ مرسل عند جميع رواته ، والله أعلم ) ، وقد أسنده عن أبي الرجال محمد بن إسحاق ، وغيره ( وقال ابن وهب في تفسير قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يمنع نقع بئر : هو ما تبقى فيها من الماء بعد منفعة صاحبها ) ، وأخبرنا قاسم بن محمد قال : حدثنا خالد بن سعد قال : حدثنا أحمد بن عمر وحدثنا عبيد بن عمرو ، ومحمد بن عبد الملك قالا : حدثنا عبد الله بن مسرور قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر الجرجاني قال : حدثنا أحمد بن خالد الوهبي قال : حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن عبد الرحمن عن أمه عمرة عن عائشة قالت : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يمنع نقع بئر يعني فضل مائها .

هكذا جاء هذا التفسير في نسق الحديث مسندا ، وهو كما جاء فيه لا خلاف في ذلك بين العلماء فيما علمت على ما قال ابن وهب وغيره ، وفيما أذن لنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن العباس الإخميمي أن نرويه عنه ، وأجاز لنا ذلك ، وأخبرنا به بعض أصحابنا عنه ، قال : حدثنا أبو الحسن محمد بن موسى [ ص: 125 ] بن أبي مالك المعافري قال : حدثنا إبراهيم بن أبي داود البرلسي قال : حدثنا أحمد بن خالد الوهبي قال : حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن عبد الرحمن عن أمه عمرة ، عن عائشة قالت : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يمنع نقع ( بئر ) يعني فضل مائها .

أخبرنا عبد العزيز بن عبد الرحمن قال : حدثنا أحمد بن مطرف ، وحدثنا إبراهيم بن شاكر قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان ( قال : حدثنا سعيد بن عثمان قال ) : حدثنا أحمد بن عبد الله بن صالح قال : حدثنا يزيد بن هارون عن محمد بن إسحاق عن محمد بن عبد الرحمن عن أمه عمرة عن عائشة قالت : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى أن يمنع نقع بئر ، يعني فضل الماء وحدثنا سعيد بن نصر قال : ( حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : ) حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال : حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي قال : حدثنا خارجة بن عبد الله بن سليمان عن أبي الرجال عن أمه عمرة عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى أن يمنع نقع ماء بئر .

[ ص: 126 ] ( قال أبو عمر : كان ابن عيينة يقول في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يمنع نقع بئر : هو أن لا يمنع الماء قبل أن يسقى ، وقال ابن وهب : تفسير قوله لا يمنع نقع بئر ، هو ما بقي فيها من الماء بعد منفعة صاحبها .

قال أبو عمر : وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن بيع فضل الماء في وجوه أيضا صحاح ، والمعنى فيها كلها متقارب ، فمن ذلك حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع فضل الماء يمنع به الكلأ .

ومنها حديث جابر ، حدثنا سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا ابن وضاح قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا وكيع ، عن أبي جريج عن أبي الزبير ، عن جابر قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع فضل الماء .

ومنها حديث داود العطار عن عمرو بن دينار عن أبي المنهال عن إياس بن عبد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع فضل الماء هكذا ، قال داود العطار : وخالفه سفيان بن عيينة عن عمرو بإسناده فقال عن بيع الماء [ ص: 127 ] حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا أحمد بن زهير قال : حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال : حدثنا داود العطار ، قال : حدثنا عمرو بن المنهال ، عن إياس بن عبد ، قال لرجل : لا تبع الماء ; فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الماء وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا أحمد بن زهير قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو أخبره أبو المنهال أن إياس بن عبد قال لرجل : لا تبع الماء ; فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الماء .

( وأخبرنا خالد بن قاسم : حدثنا أحمد بن محمد بن الحسن العسكري أنبأنا الربيع بن سليمان أنبأنا الشافعي أنبأنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي المنهال عن إياس بن عبد أنه قال : لا تبيعوا الماء ; فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الماء ) .

قال سفيان : لا يدري عمرو أي ماء هو .

وحدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا سعيد بن السكن قال : حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا البخاري ، قال : حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا عبد الواحد بن زياد عن [ ص: 128 ] الأعمش : سمعت أبا صالح ، يقول : سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ، ولا يزكيهم ، ولهم عذاب أليم رجل كان له فضل ماء فمنعه ابن السبيل وذكر الحديث .

أخبرنا إبراهيم بن شاكر قال : حدثنا محمد بن إسحاق القاضي قال : حدثنا أحمد بن مسعود الزبيري قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، وحدثنا أحمد بن عبد الله : حدثنا الميمون بن حمزة ، قال : حدثنا الطحاوي ، قال : حدثنا المزني قالا جميعا : أخبرنا الشافعي بمعنى واحد ، قال : معنى حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن بيع الماء ، وعن بيع فضل الماء ، وأنه نهى عن منع فضل الماء هو - والله أعلم - أن يباع الماء في المواضع التي جعله الله فيها ، وذلك أن يأتي الرجل الرجل له البئر أو العين أو النهر ليشرب من مائه ذلك ، وليسقي دابته ، وما أشبه هذا فيمنعه ذلك ، فهذا هو المنهي عنه ; لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يمنع فضل الماء ( وأما قول رسول الله - صلى الله [ ص: 129 ] عليه وسلم - لا يمنع فضل الماء ) ليمنع به الكلأ فمعنى ذلك أن يأتي الرجل بدابته ، وماشيته إلى الرجل له البئر ، وفيها فضل عن سقي ماشيته فيمنعه صاحب البئر السقي ، يريد بيع فضل مائه منه ، فذلك الذي نهى عنه من ( بيع ) فضل الماء ، وعليه أن يبيح غيره فضل مائه ليسقي ماشيته ; لأن صاحب الماشية إذا منع أن يسقي ماشيته لم يقدر على المقام ببلد لا يسقي فيه ماشيته فيكون منعه الماء الذي يملك منعا للكلأ الذي لا يملك .

ودلت السنة على أن مالك الماء أحق بالتقدم في السقي من غيره ; لأنه أمر بأن لا يمنع الفضل ، والفضل هو الفضل عن الكفاف والكفاية ، ودلت السنة على أن المنع الذي ورد في فضل الماء هو منع شفاه الناس ، والمواشي أن يشربوا فضلا عن حاجة صاحب الملك من الماء ، وأن ليس لصاحب الماء منعهم .

وأحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك متفقة تفسرها السنة المجتمع عليها ، وإن كانت الأحاديث بألفاظ شتى ، قال : وإن كان هذا في ماء البئر كان فيما هو أكثر من ماء البئر أولى أن لا يمنع من الشفة ، قال : ولو أن رجلا أراد من رجل له بئر فضل مائه من تلك البئر ليسقي بذلك زرعه لم يكن له ذلك ، وكان لمالك البئر منعه من ذلك ; لأن النبي [ ص: 130 ] - صلى الله عليه وسلم - إنما أباحه في الشفاه التي يخاف مع منع الماء منها التلف عليها ، ولا تلف على الأرض ; لأنها ليست بروح فليس لصاحبها أن يسقي إلا بإذن رب الماء . قال : وإذا حمل الرجل الماء على ظهره فلا بأس أن يبيعه من غيره ; لأنه مالك لما حمل منه ، وإنما يبيع تصرفه بحمله قال : وكذلك لو جاء رجل على شفير بئر فلم يستطع أن ينزع بنفسه لم يكن باس أن يعطي رجلا أجرا ، وينزع له ; لأن نزعه إنما هو إجارة ليست عليه ، هذا كله قول الشافعي .

وأما جملة قول مالك وأصحابه في هذا الباب فذلك أن كل من حفر في أرضه أو داره بئرا فله بيعها ، وبيع مائها كله ، وله منع المارة من مائها إلا بثمن ، إلا قوما لا ثمن معهم ، وإن تركوا إلى أن يردوا ماء غيره هلكوا فإنهم لا يمنعون ، ولهم جهاده إن منعهم ذلك ، وأما من حفر من الآبار في غير ملك معين لماشية أو شفة ، وما حفر في الصحاري كمواجل المغرب ، وأنطابلس ، وأشباه ذلك فلا يمنع أحد فضلها ، وإن منعوه حل له قتالهم ، فإن لم يقدر المسافرون على دفعهم حتى ماتوا عطشا فدياتهم على عواقل المانعين ، والكفارة من كل نفس على كل رجل من أهل الماء المانعين مع وجيع الأدب .

[ ص: 131 ] وكره مالك بيع فضل ماء مثل هذه الآبار من غير تحريم ، قال : ولا بأس ببيع فضل ماء الزرع من بئر أو عين ، وبيع رقابهما قال : ولا يباع أصل بئر الماشية ، ولا ماؤها ، ولا فضله يعني الآبار التي تحفر في الفلاة للماشية والشفاه ، وأهلها أحق بريهم ، ثم الناس سواء في فضلها إلا المارة أو الشفة أو الدواب فإنهم لا يمنعون .

قال أبو عمر : أما البئر تنهار للرجل ، وله عليها زرع أو نحوه من النبات الذي يهلك بعدم الماء الذي اعتاده ، ولا بد له منه ، وإلى جنبه بئر لجاره يمكن أن يسقي منها زرعه ، فقد قال مالك وأصحابه : إن صاحب تلك البئر يجبر على أن يسقي جاره بفضل مائه زرعه الذي يخاف هلاكه إذا لم يكن على صاحب الماء فيه ضرر بين ، وعلى هذا المعنى تأول مالك قوله - صلى الله عليه وسلم - لا يمنع نقع بئر يعني بئر الزرع ، واختلف أصحابه هل يكون ذلك بثمن أو بغير ثمن ؟ فقال بعضهم : يجبر ويعطى الثمن ، وقال بعضهم : يجبر ولا ثمن له ، وجعلوه كالشفاه من الآدميين والمواشي ، فتدبر ما أوردته عن الشافعي ، ومالك تقف على المعنى الذي اختلفا فيه من ذلك ، وقال أبو حنيفة وأصحابه في هذا الباب كقول الشافعي سواء ، وقالوا : لكل من له بئر في أرضه المنع من الدخول [ ص: 132 ] إليها إلا أن يكون للشفاه ، والحيوان إذا لم يكن لهم ماء فيسقيهم قالوا ، وليس عليه سقي ( زرع ) جاره ( وقال سفيان الثوري : إنما جاء الحديث في منع الماء لشفاه الحيوان ، وأما الأرضون فليس يجب ذلك على الجار في فضل مائه ) ، .

وذكر ابن حبيب قال : ومما يدخل في معنى لا يمنع نقع بئر ولا يمنع ، وهو بئر البئر تكون بين الشريكين يسقي منها هذا يوما ، وهذا يوما وأقل ، وأكثر ، فيسقي أحدهما يومه فيروي نخله أو زرعه في بعض يومه ، ويستغني عن السقي في بقية اليوم أو يستغني في يومه كله عن السقي فيريد صاحبه أن يسقي في يومه ذلك ، قال ذلك له ، وليس لصاحب اليوم أن يمنعه من ذلك ; لأنه ليس له منعه مما لا ينفعه حبسه و لا يضره تركه .

قال أبو عمر : قول ابن حبيب هذا حسن ، ولكنه ليس على أصل مالك ، وقد قال : - صلى الله عليه وسلم - لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه ، وقد مضى القول في هذا المعنى ، وما للعلماء فيه من التنازع في باب ابن شهاب عن الأعرج من كتابنا هذا ، والحمد لله .

قال ابن حبيب : ومن ذلك أيضا أن تكون البئر لأحد الرجلين في حائطه فيحتاج جاره ، وهو لا شركة له في البئر [ ص: 133 ] إلى أن يسقي حائطه بفضل مائها ، فذلك ليس له إلا أن تكون بئره تهورت فيكون له أن يسقي بفضل ماء جاره إلى أن يصلح بئره ، ويقضي له بذلك ، وتدخل حينئذ في تأويل الحديث لا يمنع نقع البئر قال : وليس للذي تهورت بئره أن يؤخر إصلاح بئره ، ولا يترك والتأخير ، وذلك في الزرع الذي يخاف عليه الهلاك إن منع السقي إلى أن يصلح البئر قال : فأما أن يحدث على البئر عملا من غرس أو زرع ليسقيه بفضل ماء جاره إلى أن يصلح بئره فليس ذلك له قال لي مطرف ، وابن الماجشون عن مالك ، وفسره لي أيضا ابن عبد الحكم ، وأصبغ بن الفرج ، وأخبرني أن ذلك قول ابن وهب وابن القاسم وأشهب ، وروايتهم عن مالك .

واختلفوا أيضا في التفاضل في الماء ، فقال مالك : لا بأس ببيع الماء متفاضلا ، وإلى أجل ، وهو قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، وقال محمد بن الحسن : هو مما يكال ، ويوزن فعلى هذا القول لا يجوز عنده فيه التفاضل ، ولا النسا ، وذلك عنده فيه ربا ; لأن علته في الربا الكيل والوزن ، وقال الشافعي : لا يجوز بيع الماء متفاضلا ، ولا يجوز فيه الأجل ، وعلته في الربا أن يكون مأكولا جنسا ، وقد مضى القول في أصولهم في علل الربا في غير موضع من كتابنا هذا فلا وجه لإعادته هاهنا



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث