الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في كثرة الركوع والسجود وفضله

جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء في كثرة الركوع والسجود وفضله

388 حدثنا أبو عمار حدثنا الوليد قال وحدثنا أبو محمد رجاء قال حدثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي قال حدثني الوليد بن هشام المعيطي قال حدثني معدان بن طلحة اليعمري قال لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له دلني على عمل ينفعني الله به ويدخلني الجنة فسكت عني مليا ثم التفت إلي فقال عليك بالسجود فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة قال معدان بن طلحة فلقيت أبا الدرداء فسألته عما سألت عنه ثوبان فقال عليك بالسجود فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة قال معدان بن طلحة اليعمري ويقال ابن أبي طلحة قال وفي الباب عن أبي هريرة وأبي أمامة وأبي فاطمة قال أبو عيسى حديث ثوبان وأبي الدرداء في كثرة الركوع والسجود حديث حسن صحيح وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب فقال بعضهم طول القيام في الصلاة أفضل من كثرة الركوع والسجود وقال بعضهم كثرة الركوع والسجود أفضل من طول القيام وقال أحمد بن حنبل قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا حديثان ولم يقض فيه بشيء وقال إسحق أما في النهار فكثرة الركوع والسجود وأما بالليل فطول القيام إلا أن يكون رجل له جزء بالليل يأتي عليه فكثرة الركوع والسجود في هذا أحب إلي لأنه يأتي على جزئه وقد ربح كثرة الركوع والسجود قال أبو عيسى وإنما قال إسحق هذا لأنه كذا وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل ووصف طول القيام وأما بالنهار فلم يوصف من صلاته من طول القيام ما وصف بالليل

التالي السابق


قوله : ( حدثنا أبو عمار ) اسمه : الحسن بن حريث بن الحسن بن ثابت مولى عمران بن حصين الخزاعي المروزي عن الفضل بن موسى والنضر بن شميل وفضيل بن عياض والوليد بن مسلم وعنه خ م د ت س د بالإجازة وثقه النسائي مات راجعا من الحج سنة أربع وأربعين ومائتين ( حدثني معدان بن طلحة اليعمري ) قال الحافظ في التقريب : معدان بن أبي طلحة ويقال : ابن طلحة اليعمري بفتح التحتانية والميم بينهما مهملة شامي ثقة من الثانية ( قال لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قال الحافظ ثوبان الهاشمي مولى النبي صلى الله عليه وسلم صحبه ولازمه ونزل بعده الشام ومات بحمص سنة أربع وخمسين ( فسكت عني مليا ) قال في النهاية : الملي الطائفة من الزمان لا حد لها ، [ ص: 332 ] يقال مضى ملي من النهار وملي من الدهر أي طائفة منه ، ثم التفت إلي ( وفي رواية مسلم ) قال : لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : أخبرني بعمل أعمله يدخلني به الله الجنة ، أو قال : بأحب الأعمال إلى الله فسكت ، ثم سألته ، فسكت ، ثم سألته الثالثة فقال : سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم . ( فقال عليك بالسجود فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من عبد " إلخ ) وفي رواية أحمد ومسلم وأبي داود عن ثوبان قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : عليك بكثرة السجود فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة إلخ : قال الشوكاني في النيل : وهو يدل على أن كثرة السجود مرغب فيها والمراد به السجود في الصلاة وسبب الحث عليه ما ورد في حديث أبي هريرة من أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ، وهو موافق لقوله تعالى واسجد واقترب ، كذا قال النووي ، وفيه دليل لمن يقول إن السجود أفضل من القيام وسائر أركان الصلاة : وفي هذه المسألة مذاهب قد ذكرها المصنف .

قوله : ( وفي الباب عن أبي هريرة وأبي فاطمة ) أما حديث أبي هريرة فأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي بلفظ : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء . وأما حديث أبي فاطمة فلينظر من أخرجه .

قوله : ( حديث ثوبان وأبي الدرداء في كثرة الركوع والسجود حديث حسن صحيح ) أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود .

قوله : ( وقد اختلف أهل العلم في هذا فقال بعضهم طول القيام في الصلاة أفضل من كثرة الركوع والسجود ) لحديث جابر المذكور في الباب المتقدم : وإلى ذلك ذهب الشافعي وجماعة . قال [ ص: 333 ] الشوكاني في النيل : وهو الحق : قال : ولا يعارض حديث جابر وما في معناه الأحاديث الواردة في فضل السجود ؛ لأن صيغة أفعل الدالة على التفضيل إنما وردت في فضل طول القيام ، ولا يلزم من فضل الركوع والسجود أفضليتهما على طول القيام وأما حديث : ما تقرب العبد إلى الله بأفضل من سجود خفي ، فإنه لا يصح لإرساله كما قال العراقي ، ولأن في إسناده أبا بكر بن أبي مريم وهو ضعيف : وكذلك أيضا لا يلزم من كون العبد أقرب إلى ربه حال سجوده أفضليته على القيام ؛ لأن ذلك إنما هو باعتبار إجابة الدعاء : قال العراقي : الظاهر أن أحاديث أفضلية طول القيام محمولة على صلاة النفل التي لا تشرع فيها الجماعة وعلى صلاة المنفرد فأما الإمام في الفرائض والنوافل فهو مأمور بالتخفيف المشروع إلا إذا علم من حال المأمومين المحصورين إيثار التطويل ولم يحدث ما يقتضي التخفيف من بكاء الصبي ونحوه فلا بأس بالتطويل وعليه يحمل صلاته في المغرب بالأعراف ( وقال بعضهم كثرة الركوع والسجود أفضل من طول القيام ) وممن قال بذلك ابن عمر ( وقال أحمد بن حنبل قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا حديثان ولم يقض فيه بشيء ) بل توقف فيه ( وقال إسحاق أما بالنهار فكثرة الركوع والسجود ) أي أفضل من طول القيام ( وأما بالليل فطول القيام ) أي أفضل من كثرة الركوع والسجود إلا أن يكون رجل له جزء بالليل يأتي عليه أي جزء من القرآن يقوم به في الليل ( فكثرة الركوع والسجود في هذا أحب إلي ؛ لأنه يأتي على جزئه وقد ربح كثرة الركوع والسجود ) والمعنى أن من كان له جزء من القرآن يقوم به كل ليلة فتكثير الركوع والسجود أفضل له ؛ لأنه يقرأ جزأه ويربح كثرة الركوع والسجود ( قال أبو عيسى : وإنما قال إسحاق [ ص: 334 ] هذا ؛ لأنه كذا وصفت ) بصيغة المجهول ( صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ووصف طول القيام إلخ ) وكذا وجه ابن عدي قول إسحاق ولفظه على ما نقل الشوكاني في النيل : إنما قال إسحاق هذا ؛ لأنهم وصفوا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل بطول القيام ولم يوصف من تطويله بالنهار ما وصف من تطويله بالليل ، انتهى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث