الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


425 [ ص: 357 ] ( 25 ) باب جامع الترغيب في الصلاة .

399 - مالك ، عن عمه أبي سهيل بن مالك ، عن أبيه أنه سمع طلحة بن عبيد الله يقول : جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل نجد ثائر الرأس ، يسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنى ، فإذا هو يسأل عن الإسلام ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " خمس صلوات في اليوم والليلة " قال : هل علي غيرهن ؟ قال : لا ، إلا أن تطوع " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " وصيام شهر رمضان " قال : هل علي غيره ؟ قال : " لا . إلا أن تطوع " قال : وذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الزكاة . فقال : هل علي غيرها ؟ قال : " لا . إلا أن تطوع " قال : فأدبر الرجل وهو يقول : والله لا أزيد على هذا ، ولا أنقص منه . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أفلح الرجل ، إن صدق " .

[ ص: 358 ]

التالي السابق


[ ص: 358 ] 9356 - ورواه إسماعيل بن جعفر ، عن أبي سهيل ، عن أبيه ، عن طلحة ، أن أعرابيا جاء إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثائر الرأس ، فقال يا رسول الله ، ماذا فرض الله علي من الصلاة ؟ قال : الصلوات الخمس إلا أن تطوع ، قال : فأخبرني بما افترض الله علي من الصيام ؟ قال : صيام شهر رمضان إلا أن تطوع ، قال أخبرني بما افترض الله علي من الزكاة ؟ فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشرائع الإسلام ، فقال : والذي أكرمك لا أتطوع شيئا ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أفلح والله إن صدق ، أو دخل الجنة والله إن صدق " .

9357 - قد ذكرنا في التمهيد أن قوله في هذا الحديث : وأبيه منسوخ بقوله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم " .

9358 - وذكرنا إسناده عن إسماعيل بن جعفر من طرق .

9359 - وهذا الأعرابي النجدي هو ضمام بن ثعلبة السعدي من بني سعد بن [ ص: 359 ] بكر ، روى حديثه ابن عباس ، وأبو هريرة ، وأنس بمعان متفقة وألفاظ متقاربة ، كلها أكمل من حديث طلحة هذا ، وقد ذكرناها بطرقها في التمهيد وفيها ذكر الحج وليس ذلك في الحديث من رواية مالك ، وفي رواية إسماعيل بن جعفر فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشرائع الإسلام . وشرائع الإسلام فيها الحج لا شك فيه .

9360 - وفي هذا الحديث ما يدل على أن وصف الإنسان ببعض ما فيه من خلقته وإن لم تكن محمودة فليس بغيبة إذا لم يقصد الواصف عيبه .

9361 - وفيها أيضا من الفقه : ألا فرض من الصلوات إلا خمس ، وفي ذلك رد قول من زعم أن الوتر واجب .

9362 - وممن ذهب إلى هذا أبو حنيفة ، وأصحابه لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 360 ] " إن الله زادكم صلاة إلى صلاتكم وهي الوتر " .

9363 - وهذا لا حجة فيه ; لأنه يحتمل أن يكون زادنا في أعمالنا التي نؤجر عليها فضيلة ونافلة بقوله : زادكم وزاد لكم ولم يقل : زاد عليكم ، وما لنا هو خلاف لما علينا .

9364 - ويدل على ذلك قول الله - عز وجل - " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى " [ البقرة : 238 ] ولو كانت ستا لم تكن فيهن وسطا .

9365 - ودليل آخر وهو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر في سفره على راحلته ، وكان يصلي الفريضة بالأرض .

9366 - وقد مضى هذا المعنى في بابه من هذا الكتاب .

9367 - والآثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن الصلوات خمس كثيرة .

[ ص: 361 ] 9368 - منها حديث عبادة : " خمس صلوات كتبهن الله على العباد " .

9369 - ومنها حديث أبي هريرة وغيره : " الصلوات الخمس كمثل نهر . . . . " الحديث .

9370 - ومنها حديث عوف بن مالك قال : بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الصلوات الخمس . . . . . . الحديث .

9371 - ومنها حديث ابن عباس في وفد عبد القيس وفيه ذكر الصلوات الخمس .

9372 - وقال علي - رضي الله عنه - : الوتر ليس بحتم كالصلاة المكتوبة ، ولكنها سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

9373 - وقد ذكرنا الخبر عنه بذلك فيما سلف من هذا الكتاب ، وطرقا عنه في التمهيد .

9374 - وفي هذا الحديث أيضا من الفقه : أن لا فرض من الصيام إلا شهر رمضان ، وهذا أمر مجتمع عليه .

9375 - وفيه : أن الزكاة فريضة ، وهو أمر أيضا لا اختلاف في جملته لكن في تفصيله اختلاف كثير سيأتي في أبوابه من هذا الكتاب إن شاء الله .

9376 - وليس في حديث طلحة بن عبيد الله ذكر الحج ، وذكره ابن عباس ، وأبو هريرة ، وأنس ، في حديث ضمام بن ثعلبة .

9377 - وقد ذكرناه بطرقه في التمهيد .

9378 - وأما قوله في حديث مالك : فإذا هو يسأل عن الإسلام ، وفي رواية إسماعيل بن جعفر فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشرائع الإسلام ، فإن الإسلام بني على خمس . رواه ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله [ ص: 362 ] وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والحج ، وصوم رمضان .

9379 - وقد ذكرنا خبر ابن عمر هذا في التمهيد .

9380 - والعلماء يجمعون على أن أعمدة الدين وأركانه التي بني عليها خمس على ما في حديث ابن عمر هذا وهو : الدين عند الله الإسلام .

9381 - وسيأتي القول في الإيمان والإسلام ، وما لعلماء الأمة في ذلك في المذاهب والتنازع في موضعه من هذا الكتاب ، وذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : " الحياء من الإيمان " إن شاء الله .

9382 - ولا أعلم بهذا المعنى حديثا يخالف حديث ابن عمر : بني الإسلام على خمس ، إلا ما جاء عن ابن عباس أنه قال : عرى الإسلام ثلاث بني الإسلام عليها من ترك منها واحدة فهو حلال الدم : شهادة أن لا إله إلا الله ، والصلاة ، وصوم رمضان .

9383 - ثم قال ابن عباس : تجده كثير المال ولا يزكي فلا نراه بذلك كافرا ولا يحل بذلك دمه ، وتجده كثير المال ولا يحج فلا يحل بذلك دمه ، ولا نراه بذلك كافرا .

9384 - حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن بن علي العامري قال : حدثنا محمد بن القاسم بن شعبان ، قال : حدثنا علي بن سعيد ، قال : حدثنا أبو رجاء سعيد بن جعفر البخاري ، قال : حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، قال :

[ ص: 363 ] حدثنا عمرو بن مالك البكري ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس ، قال حماد : ولا أظنه إلا رفعه ، قال : عرى الإسلام . . . . . . . . . . . . فذكره .

9385 - وجاء عن حذيفة أنه قال : الإسلام ثمانية أسهم : الشهادة سهم ، والصلاة سهم ، والزكاة سهم ، وحج البيت سهم ، وصوم رمضان سهم ، والجهاد سهم ، والأمر بالمعروف سهم ، والنهي عن المنكر سهم ، وقد خاب من لا سهم له .

9386 - رواه شعبة والثوري ، عن أبي إسحاق السبيعي ، عن صلة بن زفر ، عن حذيفة .

9387 - وأما فرض الجهاد وتقسيمه على التعيين والكفاية فسيأتي في موضعه إن شاء الله .

9388 - وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان واجبا فإنه ليس يجري مجرى الخمس التي عليها بني الإسلام ، لقول الله - عز وجل - " ياأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " [ المائدة : 105 ] ولقوله - صلى الله عليه وسلم - إذا رأيت شحا مطاعا ، وهوى متبعا ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك بخاصة نفسك .

[ ص: 364 ] 9389 - وروي عن ابن مسعود وجماعة من الصحابة أن تأويل هذه الآية : إذا اختلفت القلوب في آخر الزمان ألبس الناس شيعا ، وأذيق بعضهم بأس بعض ، وكان الهوى متبعا ، والشح مطاعا ، وأعجب ذو الرأي برأيه .

9390 - وذكر الدارقطني ، قال : حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن حماد العسكري ، وقال : حدثنا عيسى بن ذكويه ، قال : حدثنا الخليل بن يزيد بمكة ، قال : حدثنا الزبير بن عيسى أبو الحميدي ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : قيل : يا رسول الله ، متى لا نأمر بالمعروف ولا ننهى عن المنكر ؟ قال : إذا كان البخل في كباركم والعلم في رذالكم ، والادهان في خياركم ، والملك في صغاركم .

9391 - وقد ذكرت هذا الحديث من طرق في كتاب " جامع بيان العلم " ، والحمد لله .

9392 - وروي عن سعيد بن جبير ، ومجاهد ، وطائفة ، أنهم قالوا في قول الله تعالى " ياأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " [ المائدة : 105 ] قالوا : أقبلوا على أنفسكم لا يضركم من ضل من غير أهل دينكم إذا أدوا الجزية .

9393 - قال أبو عمر : فلهذا قلنا : إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان فرضا على قدر الطاقة ، فليس يجري مجرى الخمسة المذكورة في حديث ابن عمر ; لأنها ما لا خلاف في وجوب جملتها .

9394 - وقال من ذهب من أصحابنا وغيرهم إلى أن الحج على الفور : لم يكن الحج مفترضا في حين سؤال هذا الأعرابي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام وشرائعه ، وهذا لا [ ص: 365 ] معنى له ; لأن الأعرابي هو ضمام بن ثعلبة من بني سعد بن بكر ، وفي خبره من رواية ابن عباس ، وأبي هريرة ، وأنس ، ذكر الحج وكان قدومه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما زعم أهل السير سنة خمس من الهجرة ، وليس من قصر عن حفظ الحج في ذلك الخبر بحجة على من حفظه .

9395 - وقد اختلف في هذه المسألة أصحاب مالك ، وأصحاب الشافعي ، وأصحاب أبي حنيفة على قولين : أحدهما على الفور ، والآخر على التراخي .

9396 - وسنبين أقوالهم ووجوهها في كتاب الحج إن شاء الله .

9397 - وفي قوله - عليه السلام - : " لا إلا أن تطوع " ندب إلى التطوع ، كأنه قال : ما عليك فرض إلا الخمس ولكن إن تطوعت فهو خير لك ، وكذلك الصيام ، والحج ، والعمرة ، والجهاد .

9398 - وفي فضائل ذلك كله ما يضيق الكتاب عن مثله .

9399 - وفي قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له : أفلح إن صدق بعد قوله : لا أزيد على ذلك ولا أنقص منه ، دليل على أن من أدى فرض الله واجتنب محارم الله عليه من الكبائر فهو في الجنة ; لأن الصغائر قد وعد الله غفرانها باجتناب الكبائر ، ووعد عباده المؤمنين إذا آمنوا به وصدقوا المرسلين ، وأدوا ما افترض الله عليهم ، واجتنبوا كبائر ما ينهون عنه أن لهم الجنة .

9400 - قال الله تعالى : " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما " [ النساء : 31 ] 9401 - أتى رجل إلى سلمان الفارسي - رضي الله عنه - فقال له : يا أبا عبد الله ، أشكو إليك أني لا أقدر على قيام الليل ، فقال له سلمان : يا أخي ، لا تعص الله بالنهار تستعين على القيام بالليل .

9402 - وكان عمر بن عبد العزيز يقول في خطبته : ألا إن أفضل الفضائل أداء الفرائض ، واجتناب المحارم . [ ص: 366 ] 9403 - وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - " أفلح إن صدق " فمعناه : فاز بالبقاء الدائم في الخير والنعيم وهي الجنة لا يبيد نعيمها .

9404 - والفلاح والبقاء في كلام العرب وهو معنى قول المؤذن : حي على الصلاة ، حي على الفلاح .

9405 - قال الأضبط بن قريع :

لكل ضيق من الأمور سعه والمسي والصبح لا فلاح معه أي لا بقاء معه .

9406 - وقال الآخر :

[ ص: 367 ] لو كان حي مدرك الفلاح أدركه ملاعب الرماح .

9407 - وقال لبيد :


أعقلي إن كنت لما تعقلي فلقد أفلح من كان عقل

.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث