الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الأمر بالصلاة قبل الخطبة في العيدين

429 [ ص: 16 ] ( 2 ) باب الأمر بالصلاة قبل الخطبة في العيدين

403 - مالك ، عن ابن شهاب ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي يوم الفطر ويوم الأضحى قبل الخطبة .

404 - مالك ، أنه بلغه أن أبا بكر وعمر كانا يفعلان ذلك .

405 - وعن ابن شهاب ، عن أبي عبيد مولى ابن أزهر ، قال : شهدنا العيد مع عمر بن الخطاب فصلى ثم انصرف فخطب الناس فقال : " إن هذين يومان نهى رسول الله عن صيامهما : يوم فطركم من صيامكم ، والآخر يوم تأكلون فيه من نسككم . " وفيه : عن عثمان وعلي : أن كلا منهما صلى ثم انصرف فخطب .

التالي السابق


9459 - ورواه معمر ، عن ابن شهاب ، عن أبي عبيد : أنه شهد العيد مع عمر بن الخطاب فصلى قبل أن يخطب بلا أذان ولا إقامة ثم خطب . . . وذكر الحديث .

9460 - ولم يذكر مالك في هذا الحديث : بلا أذان ولا إقامة وقد أوضحنا في [ ص: 17 ] " التمهيد " معاني هذا الحديث .

9461 - فأما حديث ابن شهاب المرسل فيتصل معناه ويستند من وجوه من حديث ابن عباس .

9462 - وحديث جابر بن عبد الله ، وحديث ابن عمر ، وحديث البراء ، وحديث جندب بن عبد الله : كلهم رووا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يصلي ثم يخطب في العيدين . وقد ذكرناها في الحديث الصحيح بالأسانيد في " التمهيد " .

9463 - حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي ، قال : حدثني أبي قال : حدثنا عبد الله بن يونس ، قال : حدثنا بقي ، قال : حدثنا أبو بكر ، قال : حدثنا عبدة بن سليمان ، وأبو أسامة ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي وأبا بكر وعمر كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة .

9464 - قال : وحدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن ابن جريج ، عن الحسن بن [ ص: 18 ] مسلم ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قال : شهدت العيد مع النبي ومع أبي بكر وعمر فبدأوا بالصلاة قبل الخطبة .

9465 - قال : وحدثنا ابن عيينة ، عن الزهري ، عن أبي عبيد مولى ابن أزهر ، قال : شهدت العيد مع عمر بن الخطاب فبدأ بالصلاة قبل الخطبة ، قال : ثم شهدنا العيد مع عثمان فبدأ بالصلاة قبل الخطبة ، قال : وشهدت العيد مع علي فبدأ بالصلاة قبل الخطبة .

9466 - قال : وحدثنا ابن إدريس ، عن حصين ، عن ميسرة بن جميلة ، قال : شهدت العيد مع علي فلما صلى خطب ، قال : وكان عثمان يفعله .

9467 - قال : وحدثنا أبو خالد الأحمر ، عن حميد ، عن أنس ، قال : كانت الصلاة في العيدين قبل الخطبة .

9468 - فهذا هو الصحيح الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن الخلفاء الراشدين المهديين بعده أنهم كانوا يصلون قبل الخطبة في العيدين بلا أذان ولا إقامة .

[ ص: 19 ] 9469 - وعلى هذا فتوى جماعة الفقهاء بالحجاز والعراق وهو مذهب مالك ، والشافعي ، وأبي حنيفة ، وأصحابهم ، والثوري ، والأوزاعي ، والحسن بن حي ، وعبيد الله بن الحسن ، وعثمان البتي ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وأبي عبيدة ، وداود ، والطبري . كلهم لا يرون في صلاة العيدين أذانا ولا إقامة ويصلون قبل الخطبة .

9470 - قال أبو عمر : قد اختلف في أول من خطب قبل الصلاة ، فقيل : عثمان بن عفان ، وهو الصحيح - إن شاء الله - عن عثمان ، لما :

9471 - حدثنا عبد الوارث ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا الخشني ، قال : حدثنا ابن أبي عمر ، قال : حدثنا سفيان ، عن يحيى بن سعيد ، عن يوسف بن عبد الله بن سلام ، قال : كانت الصلاة يوم العيد قبل الخطبة فلما كان عثمان بن عفان كثر الناس فقدم الخطبة قبل الصلاة وأراد ألا يفترق الناس وأن يجتمعوا .

9472 - فإن قيل : قد روى مالك وغيره ، عن ابن شهاب ، عن أبي عبيد مولى ابن أزهر ، أنه قال : شهدت العيد مع عثمان بن عفان ، فجاء فصلى ثم انصرف فخطب ، فقال : إن اجتمع لكم في هذا اليوم عيدان . . . الحديث .

9473 - قيل له : الحديثان صحيحان ويصحح معناهما أن عثمان صلى ست سنين أو سبعا - كما في رواية مالك - ثم قدم الخطبة على ما في حديث يحيى بن سعيد ، وكذلك فعل في إتمام الصلاة في السفر بعد قصرها .

9474 - ومن الرواية عن عثمان أنه أول من قدم الخطبة قبل الصلاة : [ ص: 20 ] ما رواه حماد بن سلمة ، عن حميد ، عن أنس ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر يصلون يوم العيد ثم يخطبون ، فلما كان عثمان ورأى الناس يجيئون بعد الصلاة ، قال : لو حبسناهم بالخطبة فخطب ثم صلى .

9476 - وذكر عبد الرزاق ، عن ابن عيينة ، عن يحيى بن سعيد ، عن يوسف بن عبد الله بن سلام ، قال : أول من بدأ بالخطبة قبل الصلاة عثمان بن عفان .

9477 - قال عبد الرزاق : وأخبرنا ابن جريج ، قال : قال ابن شهاب : أول من بدأ بالخطبة قبل الصلاة معاوية .

9478 - قال عبد الرزاق : وأخبرنا معمر : بلغني أن أول من خطب ثم صلى : معاوية .

9479 - وقد بلغني أيضا أن عثمان فعل ذلك ، وكان لا يدرك عامتهم الصلاة فبدأ بالخطبة حتى يجتمع الناس .

9480 - قال أبو عمر : قد روى ابن نافع ، عن مالك ، أنه قال : أول من قدم الخطبة في العيدين قبل الصلاة عثمان بن عفان .

9481 - قال مالك : والسنة أن تقدم الصلاة قبل الخطبة ، وبذلك عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر ، وعمر ، وعثمان صدرا من خلافته .

[ ص: 21 ] 9482 - قال أبو عمر : أما قول من قال : أول من قدم الخطبة مروان ، فإنما أراد بالمدينة ، وهو عامل عليها لمعاوية .

9483 - ويدل على ذلك قول مروان لأبي سعيد الخدري إذ أنكر ذلك عليه : قد ترك ما هنالك يا أبا سعيد .

9484 - وقد ذكرنا الآثار بذلك كله في " التمهيد " .

9485 - وذكرنا هناك اسم " أبو عبيد " ومن قال فيه : مولى ابن أزهر ومن قال فيه : مولى عبد الرحمن بن عوف .

9486 - والصحيح في الأذان في العيدين قول سعيد بن المسيب ، وابن شهاب ، وهما من أعلم الناس بالفقه ، وإماما الناس : معاوية أول من فعل ذلك ، وإنما مروان وزياد من أمرائه .

[ ص: 22 ] 9487 - وقول محمد بن سيرين : إن أول من فعل ذلك زياد - يعني عندهم بالبصرة - كقول من قال : أول من فعل ذلك مروان ، يعني بالمدينة .

9488 - وروى الليث قال : حدثني هشام ، عن سعد ، عن عياض بن عبد الله بن سعد ، أنه حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول : خرجت مع مروان يوما إلى المصلى ويده في يدي ، فأراد أن يرقى المنبر قبل أن يصلي ، فجذبت بيده فقلت : صله قبل الخطبة ، فقال مروان : هذا أمر قد ترك يا أبا سعيد ، إنا لو فعلنا ما تقول ذهب الناس وتركونا ، وقد ترك ما تعلم ، فقلت : إذا لا تجدون خيرا مما أعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يبدأ بالصلاة في هذا اليوم .

9489 - وأما قول ابن عمر في حديث مالك عن ابن شهاب ، عن أبي عبيد ، في هذا الباب : أن هذين يومان نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صومهما : يوم فطركم من صيامكم ، والآخر يوم تأكلون فيه من نسككم .

9490 - فلا خلاف بين العلماء في أن صيام يوم الفطر ويوم الأضحى لا [ ص: 23 ] يجوز لهذا الحديث ، وما كان مثله لا لناذر صومهما ولا لمتطوع ولا لقاض فيهما أياما من رمضان .

9491 - وإنما اختلف العلماء في صيام أيام التشريق للمتمتع إذا لم يجد هديا ولم يصم قبل يوم عرفة على ما نذكره عنهم في موضعه من كتاب الحج ، وكتاب الصيام إن شاء الله .

9492 - وفيه دليل على أن الضحايا نسك ، وأن الأكل مباح مندوب إليه ، وكذلك هدي التطوع إذا بلغ محله قال الله ، عز وجل : فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير " [ الحج : 28 ] " و القانع والمعتر [ الحج 36 ] .

9493 - وأما قول عثمان في هذا الحديث : قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان - يعني الجمعة والعيد - فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظرها ، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له .

9494 - وقد روي عن علي بن أبي طالب معنى ما روي عن عثمان في ذلك .

9495 - ذكر علي بن المديني ، عن يحيى بن سعيد ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه : أن عيدين اجتمعا على عهد علي فخطبهم ، وقال : إن هذا يوم اجتمع فيه [ ص: 24 ] عيدان ونحن نصليهما جميعا ، ولكم رخصة أيها الناس فمن شاء جاء ، ومن شاء قعد .

9496 - وذكر علي بن المديني ، وابن أبي شيبة جميعا عن حفص بن غياث ، قال : حدثنا جعفر بن محمد ، عن أبيه ، قال : اجتمع عيدان على عهد علي - رضي الله عنه - فصلى بهم العيد ، ثم قال : إنا مجمعون من شاء أن يشهد فليشهد . اللفظ لابن أبي شيبة .

9497 : وذكر عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن عبد الأعلى ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي ، أنه قال : في يوم جمعة وعيد : من أراد أن يجمع فليجمع ، ومن أراد أن يجلس فليجلس .

9498 - قال أبو عمر : ذهب مالك - رحمه الله - في إذن عثمان - رضي الله عنه - فيما ذهب لأهل العوالي إلى أنه عنده غير معمول به .

9498 - ذكر ابن القاسم عنه أنه قال : ليس عليه العمل .

9500 - وذلك أنه كان لا يرى الجمعة لازمة لمن كان من المدينة على ثلاثة أميال ، والعوالي عندهم أكثرها كذلك ، فمن هنا لم ير العمل على إذن عثمان ورأى أنه جائز له خلافه باجتهاده إلى رؤى الجماعة العاملين بالمدينة بما ذهب إليه في ذلك .

9501 - وقال الثوري ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وأكثر أهل العلم : إن إذن عثمان كان لمن لا تلزمه الجمعة من أهل العوالي ; لأن الجمعة لا تجب إلا على أهل المصر عند الكوفيين .

[ ص: 25 ] 9502 - وأما الشافعي فتجب عنده على من سمع النداء من خارج المصر .

9503 - ولا يختلف العلماء في وجوب الجمعة على من كان بالمصر بالغا من الرجال الأحرار سمع النداء أو لم يسمعه .

9504 - قال أبو عمر : وقد روي في هذا الباب عن ابن الزبير ، وعطاء قول منكر أنكره فقهاء الأمصار ولم يقل به أحد منهم . 50 [ ص: 26 ] 9505 - وذلك أن عبد الرزاق روى عن ابن جريج ، قال : قال عطاء : إن اجتمع يوم الجمعة ويوم الفطر في يوم واحد فليجمعهما يصلي ركعتين فقط ولا يصلي بعدها حتى العصر .

9506 - قال ابن جريج ثم أخبرنا عند ذلك ، قال : اجتمع يوم فطر ويوم جمعة في يوم واحد في زمن ابن الزبير ، فقال ابن الزبير : عيدان اجتمعا في يوم واحد فجمعهما جميعا صلى ركعتين بكرة صلاة الفطر ثم لم يزد عليها حتى صلى العصر .

9507 - وروى سعيد بن المسيب ، عن قتادة ، قال : سمعت عطاء يقول : اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير فصلى العيد ، ثم لم يخرج إلى العصر .

9508 - قال أبو عمر أما فعل ابن الزبير وما نقله عطاء من ذلك وأفتى به على أنه قد اختلف عنه ، فلا وجه فيه عند جماعة الفقهاء ، وهو عندهم خطأ إن كان على ظاهره ; لأن الفرض من صلاة الجمعة لا يسقط بإقامة السنة في العيد عند أحد من أهل العلم .

9509 - وقد روى فيه قوم أن صلاته التي صلاها لجماعة ضحى يوم العيد نوى بها صلاة الجمعة على مذهب من رأى أن وقت صلاة العيد ووقت الجمعة واحد .

9510 - وقد أوضحنا فساد قول من ذهب إلى ذلك في باب المواقيت .

9511 - وتأول آخرون أنه لم يخرج إليهم ; لأنه صلاها في أهله ظهرا أربعا .

9512 - وهذا لا دليل فيه في الخبر الوارد بهذه القصة عنه .

[ ص: 27 ] 9513 - وعلى أي حال كان فهو عند جماعة العلماء خطأ ، وليس على الأصل المأخوذ به .

9514 - والأصل في ذلك ما ذكره علي بن المديني ، قال : حدثني يحيى بن سعيد ، قال : حدثنا سفيان ، سمع عبد العزيز بن رفيع ، قال : حدثني ذكوان أبو صالح : أن عيدين اجتمعا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى بهم صلاة العيد ، وقال : إنكم قد أصبتم ذكرا وخيرا ، ونحن مجمعون إن شاء الله فمن شاء منكم أن يجمع فليجمع ، ومن شاء أن يجلس فليجلس .

9515 - وقد روي حديث عبد العزيز بن رفيع مسندا وإن كان ابن المديني قال : .

[ ص: 28 ] إن المرسل فيه عن عبد العزيز حديث شريف ، فالمسند ذكره أبو داود .

9516 - قال أبو عمر : قال حدثنا محمد بن المصلي ، وعمرو بن حفص ، قالا : حدثنا بقية ، قال : حدثنا شعبة ، عن المغيرة الضبي ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مجمعون .

9517 - وأسنده أيضا زياد بن عبد الله ، عن عبد العزيز بن رفيع ، حدثناه عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا إبراهيم بن إسحاق النيسابوري ، قال : حدثنا إبراهيم بن دينار ، قال : حدثنا زياد بن عبد الله بن الطفيل ، عن أبي هريرة قال : حدثنا عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : اجتمعنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يوم عيد ويوم جمعة ، فقال لنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان عيدكم هذا والجمعة ، وإني مجمع فمن أحب أن يشهد الجمعة منكم فليشهدها ، فلما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع بالناس " .

9518 - وحدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا محمد بن كثير ، قال : حدثنا إسرائيل ، قال : حدثنا عثمان بن المغيرة ، عن إياس بن أبي رملة الشامي ، قال : شهدت معاوية وهو [ ص: 29 ] يسأل زيد بن أرقم : هل شهدت مع رسول الله عيدين اجتمعا في يوم واحد ؟ قال : نعم ، قال : فكيف صنع ؟ قال : صلى العيد ثم رخص في الجمعة ، فقال من شاء أن يصلي فليصل .

9519 - وقال علي بن المديني في هذا الباب غير ما حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بإسناد جيد وذكر هذا الحديث عن أبي داود الطيالسي ، عن إسرائيل بإسناده مثله .

9520 - قال أبو عمر : ليس في شيء من آثار هذا الباب ما ذكرناه منها وما سكتنا عنه أن صلاة الجمعة لم يقمها الأئمة في ذلك اليوم ، وإنما فيها أنهم أقاموها بعد إذنهم المذكور عنهم ، وذلك عندنا لمن قصد العيدين غير أهل المصر ، والله أعلم .

9512 - ذكر ابن المديني عن جرير بن عبد الحميد ، أنه حدثه عن إبراهيم بن [ ص: 30 ] محمد بن المنتشر ، عن أبيه ، عن حبيب بن سالم ، عن النعمان بن بشير ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في العيدين وفي الجمعة : ب سبح اسم ربك الأعلى ، و هل أتاك حديث الغاشية ، وإذا اجتمع الجمعة والعيد قرأ بهما في الصلاتين جميعا .

9522 - قال أبو عمر : هذه الآثار كلها مرسلها ومسندها ليس في شيء منها أنه لم يصل بعد صلاة العيد شيئا إلا صلاة العصر .

9523 - وقد روي عن جماعة من التابعين منهم : أبو البحتري الطائي ، والشعبي : والنخعي ، وأبو ميسرة عمرو بن شرحبيل ، والحسن البصري ، وأبو إدريس الخولاني .

9524 - وهذه مسألة مثبتة عند الفقهاء على أصولهم فيمن تجب عليه الجمعة من الأحرار البالغين .

9525 - فقال ابن عمر ، وأبو هريرة ، وأنس بن مالك ، والحسن البصري ، ونافع مولى ابن عمر : تجب الجمعة على كل من كان بالمصر وخارجا عنه ممن [ ص: 31 ] إذا شهد الجمعة أمكنه الانصراف إلى أهله فآواه الليل إلى أهله .

9526 - وبهذا قال الحكم بن عيينة ، وعطاء بن أبي رباح ، والأوزاعي ، وأبو ثور .

9527 - وروي معنى هذا القول عن معاذ ، قال : ما كتبناه بإسناده في " التمهيد " ومثله عن معاوية بن أبي سفيان أنه كان يأمر به .

9528 - وقال ربيعة ، ومحمد بن المنكدر : وإنما تجب الجمعة على من كان على أربعة أميال .

9529 - وذكر معمر ، عن هشام بن عروة ، عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قالت : كان أبي من المدينة على ستة أميال أو ثمانية فربما شهد الجمعة وربما لم يشهدها .

9530 - وقال الزهري : ينزل إليها من ستة أميال .

9531 - وروي عن ربيعة أيضا أنه قال : إنما تجب الجمعة على من إذا سمع النداء وخرج من بيته أدرك الصلاة .

9532 - وقال مالك والليث : تجب الجمعة على أهل المصر على من كان منه على ثلاثة أميال .

9533 - وقال الشافعي : تجب الجمعة على من كان بالمصر وكذلك كل من يسمع النداء ممن كان خارج المصر .

9534 - وبه قال أحمد وداود .

9535 - وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص ، وابن المسيب .

9536 - وقال أبو حنيفة : على كل من كان بالمصر وليست على من كان خارج [ ص: 32 ] المصر يسمع النداء أو لم يسمعه .

9537 - وقد روي عن علي أنه لا جمعة ولا شريق - يعني العيد - إلا في المصر الجامع .

9538 - وقال أحمد بن حنبل : هو غير صحيح عن علي .

9539 - قال أبو عمر : هذا قول مالك والشافعي في هذا الباب بمعنى واحد ; لأن الصوت الندي قد يسمع من ثلاثة أميال .

9540 - وقد ذكره ابن عبدوس ، عن علي بن زياد ، عن مالك ، قال : عزيمة الجمعة على من كان بموضع يسمع منه النداء وذلك ثلاثة أميال ، ومن كان أبعد فهو في سعة إلا أن يرغب في شهودها .

9541 - وهذا أحسن الأقاويل في هذه المسألة وأصحها ، والله أعلم .

9541 م - وأما قول ابن عبيد : ثم شهدت العيد مع علي بن أبي طالب وعثمان محصور فجاء يصلي ثم انصرف فخطب . فإن العيد إذا كان من السنة أن تقام الصلاة فيه دون إمام ، فالجمعة أحرى بذلك ; لأن صلاة الجمعة وصلاة العيد مما يقيمه السلطان للعامة .

9542 - وقد اختلف العلماء في إقامة الجمعة بغير سلطان .

9543 - قال مالك ، رحمه الله : لله - عز وجل - في أرضه على عباده فرائض لا يسقطها موت الوالي يعني الجمعة .

9544 - وهو قول الطبري إن الجمعة تجب إقامتها بغير سلطان كسائر صلوات الجماعة .

[ ص: 33 ] 9545 - وقال أبو حنيفة ، وزفر ، وأبو يوسف ، ومحمد : لا تجزئ الجمعة إذا لم يكن سلطان .

9546 - وهو قول الأوزاعي في رواية عنه .

9547 - والجمعة عند هؤلاء كالحدود لا يقيمها إلا السلطان .

9548 - وقد روي عن محمد بن الحسن : أن أهل مصر لو مات واليهم لجاز لهم أن يقدموا رجلا يصلي بهم الجمعة حتى يقدم عليهم وال .

9549 - وقال أحمد بن حنبل : يصلون بإذن الوالي .

9550 - وقال دواد : الجمعة لا تفتقر إلى وال ، ولا إلى إمام ، ولا إلى خطبة ، ولا إلى مكان ، ويجوز للمنفرد عنده إذا لم يجد من يجمع معه أن يصلي ركعتين وتكون جمعة .

9551 - قال : ولا يصلي لعيد إلا ركعتين في وقت الظهر يوم الجمعة .

9552 - وقول داود هذا خلاف قول جميع فقهاء الأمصار ; لأنهم أجمعوا أن من شرط الجمعة : الإمام إلا فيما يفجأهم موت الإمام فيه ، وأن من شرطها الجماعة عند جمهورهم .

[ ص: 34 ] 9553 - وجمهورهم أيضا يقول : لا تكون إلا بخطبة ، واختلافهم في الوالي والمكان اختلاف كثير والله المستعان .

9554 - قال أبو عمر : لم يختلفوا أن الجمعة يقيمها السلطان ، وأن ذلك إليه سنة مسنونة ، وإنما اختلفوا عند نزول ما ذكرنا من موت الإمام أو قتله أو عزله والجمعة قد حانت .

9555 - فذهب أبو حنيفة ، وأصحابه ، والأوزاعي ، إلى أنهم يصلون ظهرا أربعا .

9556 - وقال مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور : يصلي بهم بعضهم بخطبة ويجزئهم .

9557 - وذكر أبو بكر الأثرم قال : حدثنا العباس بن عبد العظيم ; أنه سأل أبا عبد الله أحمد بن حنبل قال ، قلت : فإن لم يكن إمام أترى أن يصلي وراء من جمع بالناس وصلى ركعتين ؟ .

9558 - فقال أليس قد صلى علي بن أبي طالب ، وعثمان محصور ! .

9559 - وقد ذكرنا في " التمهيد " من طرق أبي قتادة ، وعبيد الله بن عدي بن الخيار لعثمان - رضي الله عنه - وهو محصور : أنت إمام العامة ويصلي بنا إمام فتنة ؟

9560 - قال : صليا خلفه فإن الصلاة أحسن ما صنع الناس ، فإذا أحسنوا فأحسن معهم ، وإن أساءوا فاجتنب إساءتهم .

9561 - وكان ابن وضاح يقول : إن الذي عنى به إمام فتنة هو عبد الرحمن بن عديس البلوي ، وهو الذي اختلف على عثمان بأهل مصر ، وكان ممن شهد [ ص: 35 ] بيعة الرضوان تحت الشجرة بالحديبية .

9562 - والوجه عندي في قوله : " إمام فتنة " أي إمام في فتنة ; لأن الجماعات والأعياد نظامها وتمامها الإقامة .

9563 - وقد صلى بالناس في حين حصار عثمان جماعة من الفضلاء الجلة منهم : أبو أيوب الأنصاري ، وطلحة ، وسهل بن حنيف ، وأبو أمامة بن سهل ، وغيرهم ، وصلى بهم علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - صلاة العيد فقط

9564 - وقال يحيى بن آدم : صلى بهم رجل بعد رجل .

9565 - وذكر الحسن الخولاني قال : حدثنا أبو حسن المسيب بن واضح قال : سمعت ابن المبارك يقول : ما صلى علي بالناس حين حوصر عثمان إلا صلاة العيد وحدها فقط .

9566 - وفي " التمهيد " من هذا المعنى زيادات ، وبالله التوفيق .

9567 - وذكر الخطيب البغدادي في " تاريخه الكبير " أخبرنا به شيخنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن عنه سماعا منه ، قال : حدثنا الحسن بن [ ص: 36 ] علي ، قال : حدثنا إسماعيل بن عيسى ، قال : حدثنا إسحاق بن بشر ، قال : حدثنا الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت ، عن ثعلبة بن يزيد الحماني ، قال : لم يزل طلحة يصلي بالناس وعثمان محصور أربعين ليلة حتى إذا كان يوم النحر صلى علي بالناس ، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث