الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 3 ] بسم الله الرحمن الرحيم

حرف الهمزة

( آدم) أبو البشر، ذكر أنه أفعل مشتق من الأدمة، لذا منع صرفه.

قال الجواليقي: أسماء الأنبياء كلها أعجمية، إلا أربعة: آدم، وصالح. وشعيب، ومحمد. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي الضحى عن ابن عباس. قال: إنما سمي آدم، لأنه خلق من أديم الأرض.

وقال قوم: هو اسم سرياني أصله آدام، بوزن خاتام، عرب بحذف الألف الثانية. وقال الثعلبي: التراب بالعبرانية آدام فسمي آدم به. قال ابن أبي خيثمة: عاش تسعمائة وستين سنة.

وقال النووي في تهذيبه: اشتهر في كتب التاريخ أنه عاش ألف سنة.

( إدريس): قيل إنه قبل نوح. قال ابن إسحاق: إدريس أول بني آدم. أعطي النبوءة، وهو أخنوخ بن يرد بن مهائيل بن أنوش بن قينان بن شيث بن آدم.

وقال وهب بن منبه: إدريس جد نوح الذي يقال له خنوخ، وهو اسم سياني، وقيل عربي مشتق من الدراسة لكثرة درسه الصحف.

وفي المستدرك بسند رواه الحسن عن سمرة، قال: كان في الله إدريس أبيض طويلا ضخم البطن، عريض الصدر، قليل شعر الجسد، كثير شعر الرأس. وكان إحدى عينيه أعظم من الأخرى، وفي صدره نكتة بياض من غير برص. فلما رأى الله من جور أهل الأرض واعتدائهم رفعه إلى السماء السادسة، وهو حيث يقول: ورفعناه مكانا عليا . [ ص: 4 ] وذكر ابن قتيبة أنه رفع وهو ابن ثلاثمائة وخمسين سنة، وفي صحيح ابن حبان: كان نبيا رسولا، وأنه أول من خط بالقلم. وفي المستدرك عن ابن عباس. قال: كان فيما بين نوح وإدريس ألف.

( إبراهيم) قال الجواليقي: هو اسم قديم ليس بعربي، وقد تكلمت به العرب

على وجوه، أشهرها إبراهيم، وقالوا إبراهام، وقرئ به في السبع، وإبراهم بحذف الياء، وإبرهم، وهو اسم سرياني، معناه أب رحيم، وقيل مشتق من البرهمة وهي شدة النظر، حكاه الكرماني في عجائبه، وهو ابن آزر واسمه تارح - بمثناة وراء مفتوحة وآخره حاء مهملة - ابن ناحور - بنون ومهملة مضمومة - ابن شاروخ - بمعجمة وراء مضمومة وآخره خاء معجمة - ابن راكو بغين معجمة - ابن فالغ - بفاء ولام مفتوحة ومعجمة، ابن عابر - بمهملة وموحدة - ابن شالخ - بمعجمتين - ابن أرفخشد بن سام بن نوح.

قال الواقدي: ولد إبراهيم على رأس ألفي سنة من خلق آدم.

وفي المستدرك من طريق ابن المسيب عن أبي هريرة، قال: اختتن إبراهيم بعد عشرين ومائة سنة، ومات ابن مائتي سنة. وحكى النووي وغيره قولا إنه عاش مائة وخمسة وسبعين.

( إسماعيل) قال الجواليقي: ويقال بالنون آخره. قال النووي وغيره: هو أكبر ولد إبراهيم.

( إسحاق) ولد - بعد إسماعيل بأربع عشرة سنة، وعاش مائة وثمانين سنة. وذكر أبو علي بن مسكويه في كتابه الفريد: إن معنى إسحاق بالعبرانية الضحاك.

( أيوب) قال ابن إسحاق: الصحيح أنه كان من بني إسرائيل، ولم يصح في نسبه شيء، إلا أن اسم أبيه أبيض. وقال ابن جرير: هو أيوب بن موسى بن روح بن عيص بن إسحاق. وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط، وأن أباه ممن آمن بإبراهيم، وعلى هذا فكان قبل موسى. [ ص: 5 ] وقال ابن جرير: كان بعد شعيب. وقال ابن أبي خيثمة: كان بعد سليمان ابتلي وهو ابن سبعين، وكانت مدة بلائه سبع سنين، وقيل ثلاث عشرة، وقيل ثلاث سنين. وحكى الطبراني أن مدة عمره كانت ثلاثا وتسعين سنة.

( إلياس) قال ابن إسحاق في المبتدأ: هو ابن ياسين بن فنحاص بن العيزار ابن هارون أخي موسى بن عمران.

وقال ابن عسكر: حكى القتبي أنه من سبط يوشع. قال ابن وهب: إنه عمر كما عمر الخضر، وإنه يبقى إلى آخر الدنيا. وعن ابن مسعود أن إلياس هو إدريس. وإلياس بهمزة قطع: اسم عبراني. وقد زيد في آخره ياء ونون في قوله: سلام على إل ياسين ، كما قالوا في إدريس إدرايسين. ومن قرأ آل ياسين فقيل المراد آل محمد.

( اليسع) قال ابن جرير: هو ابن أخطوب بن العجوز. قال: والعامة تقرؤه بلام واحدة مخفضة. وقرأ بعضهم: والليسع بلامين وبالتشديد، فعلى هذا هو أعجمي، وكذا على الأول. وقيل عربي منقول من الفعل، من وسع يسع.

( إسرائيل ) لقب يعقوب، ومعناه عبد الله. وقيل صفوة الله. وقيل سري الله، لأنه أسرى لما هاجر.

أخرج ابن جرير من طريق عمير عن ابن عباس أن إسرائيل كقولك عبد الله.

وأخرج عبد بن حميد في تفسيره عن أبي مجلز، قال: كان يعقوب رجلا بطيشا فلقي ملكا فعالجه، فصرعه الملك، فضرب على فخذه، فلما رأى يعقوب ما صنع به بطش به، فقال: ما أنا بتاركك حتى تسميني باسم، فسماه إسرائيل . قال أبو مجلز: ألا ترى أنه من أسماء الملائكة.

وفي لغا أشهرها بياء بعد الهمزة ولام، وقرئ إسراييل بياء بلا همز. قال: ولم يخاطب اليهود في القرآن إلا بـ يا بني إسرائيل دون يا بني يعقوب [ ص: 6 ] لنكتة، وهي أنهم خوطبوا بعبادة الله، وذكروا بدين أسلافهم موعظة لهم وتنبيها من غفلتهم، فسموا بالاسم الذي فيه تذكرة بالله، فإن إسرائيل اسم مضاف إلى الله في التأويل، ولما ذكر موهبته لإبراهيم وتبشيره به قال يعقوب - وكان أولى من إسرائيل، لأنها موهبة بمعقب آخر، فناسب ذكر اسم يشعر بالتعقيب.

أحمد - صلى الله عليه وسلم - نبينا ومولانا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وله أسماء كثيرة حتى أنهاها إلى مائة وخمسة وعشرين. قال الراغب: وخص لفظ أحمد فيما بشر به عيسى، تنبيها على أنه أحمد منه، ومن الذي قبله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن مرة، قال: خمسة سموا قبل أن يكونوا: محمد، و

ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد . ويحيى: إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى . وعيسى: مصدقا بكلمة من الله . وإسحاق ويعقوب: فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب .

( ( أباريق ) ) حكى الثعالبي في فقه اللغة أنها فارسية. وقال الجواليقي: الإبريق فارسي معرب، ومعناه طريق الماء، أو صب الماء على هينة.

" أب " قال بعضهم: هو الحشيش بلغة أهل الغرب، حكاه شيذلة. ابلعي أخرج ابن أبي حاتم، عن وهب بن منبه في قوله: ابلعي ماءك ، - قال بالحبشية أردميه. وأخرج أبو الشيخ من طريق جعفر بن محمد عن أبيه، قال: اشربيه - بلغة الهند.

أخلد قال الواسطي في الإرشاد: " أخلد إلى الأرض ": ركن بالعبرانية.

الأرائك حكى ابن الجوزي في فنون الأفنان: أنها السدر بالحبشية..

آزر عد في المعرب على قول أنه ليس بعم لأب إبراهيم ولا الصنم. وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن معتمر بن سليمان قال: سمعت أبي يقرأ: [ ص: 7 ] وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر .، - يعني بالرفع: أنها أعوج، وأنها أشد كلمة قالها إبراهيم لأبيه. وقال بعضهم هي بلغتهم يا مخطئ.

( ( أسباط ) ) حكى أبو الليث في تفسيره أنهم بلغتهم كالبساتين بلغة العرب.

( ( استبرق ) ) أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك أنه الديباج الغليظ بلغة العجم. 50

( أسفار ) قال الواسطي في الإرشاد: هي الكتب بالسريانية. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: هي الكتب بالنبطية.

( إصري ) قال أبو القاسم في لغات القرآن: معناه عهدي بالنبطية.

( ( أكواب ) ) حكى ابن الجوزي أنها الأكواز بالنبطية. وأخرج ابن جرير عن الضحاك أنها بالنبطية الجرار ليس لها عرى.

( إل ) بكسر الهمزة - قال ابن جنى: ذكروا أنه اسم الله تعالى بالنبطية.

( أليم ) حكى ابن الجوزي أنه الموجع بالزنجية. وقال ابن شيذلة: بالعبرانية.

( إناه ) نضجه بلسان المغرب، ذكره شيذلة. وقال أبو القاسم بلغة البربر. وقال في قوله: حميم - إنه هو الذي انتهى حره بها. وقال في قوله: من عين آنية ، أي حارة بها.

( أواه ) أخرج أبو الشيخ ابن حيان عن عكرمة عن ابن عباس قال: " الأواه ": الموقن بلسان الحبشة. وأخرج ابن أبي حاتم مثله عن مجاهد وعكرمة. وأخرج عن عمرو بن شرحبيل قال: الرحيم - بلسان الحبشة. وقال الواسطي: الأواه الدعاء بالعبرانية.

( أواب ) أخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن شرحبيل قال: الأواب المسبح

بلسان الحبشة. وأخرج ابن جرير عنه في قوله: أوبي معه ، قال: سبحي بلسان الحبشة. [ ص: 8 ]

( الأولى ) الآخرة، قال في قوله الجاهلية الأولى، أي الآخرة في الملة.

( الآخرة ) أي الأولى بالقبطية. والقبط يسمون الآخرة الأولى، والأولى الآخرة، حكاه الزركشي في البرهان.

( آية ) له معنيان: أحدهما عبرة وبرهان، والثاني آية من القرآن، وهي كلام متصل إلى الفاصلة. والفواصل هي رؤوس الآيات.

( أتى ) بقصر الهمزة، معناه جاء، ومضارعه يأتي، ومصدره إتيان، واسم

الفاعل منه آت، واسم المفعول مأتي. ومنه قوله تعالى: إنه كان وعده مأتيا .

( وآتى ) بمد الهمزة معناه أعطى، ومضارعه يؤتي، ومصدره إيتاء، واسم الفاعل مؤتي، ومنه: والمؤتون الزكاة .

(أبى) أي امتنع.

(أثر) الشيء: بقيته وأمارته، وجمعه آثار. والأثر أيضا الحديث، وأثارة من علم: بقيته. وأثاروا الأرض: حرثوها. وآثر الرجل بالشيء يؤثره: أي فضله.

( إثم ) ذنب، ومنه آثم وأثيم: مذنب.

( أجر ) ثواب. وبمعنى الأجرة، ومنه: استأجره و على أن تأجرني ويجركم من عذاب أليم . و لن يجيرني من الله وهو يجير ولا يجار عليه . فذلك كله من الجوار بمعنى التأمين.

( آمن ) إيمانا: أي صدق. والإيمان في اللغة التصديق مطلقا، وفي الشرع التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. والمؤمن في الشرع المصدق بهذه الأمور. والمؤمن اسم الله تعالى إذ هو المصدق لنفسه. وقيل: إنه من الأمن، أي يؤمن أولياءه من عذابه. وأمن - بكسر الميم وقصر الألف - أمنا، وأمنت ضد الخوف. وأمن أيضا من الأمانة، وأمن غيره من التأمين. [ ص: 9 ]

( إمام ) له أربعة معان: القدوة، والكنف، والطريق، وجمع آم، أي تابع. وهو واجعلنا للمتقين إماما .

( الأجل ) عبارة عن الوقت الذي تنقطع به الحياة، فإذا قيل: أجل الحياة وأجل الموت، فالمراد به الوقت الذي يحل فيه الدين وتنقطع به الحياة، خلافا للمعتزلة القائلين بأن المقتول لو لم يقتل لبقي، وهذا باطل للآية: فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون .

( أمي ) لا يقرأ ولا يكتب، ولذلك وصف العرب بالأميين.

( أم ) له معنيان: الوالدة، والأصل. وأم القرى: مكة.

( آل ) له معنيان: الأهل، ومنه: آل لوط. والأتباع والجنود، ومنه آل فرعون.

( أمس ) اليوم الذي قبل يومك. والزمان الماضي.

( إناه ) وقته، وجمعه آناء، ومنه: آناء الليل.

( أمر ) له معنيان: أحدهما طلب الفعل على الوجوب أو الندب أو الإباحة. وقد قدمنا صيغ الأمر، كالتهديد، والتعجيز، والتعجب، والخبر. والثاني بمعنى الشأن والصفة، وقد يراد به العذاب. ومنه: جاء أمرنا .

( إياب ) رجوع، ومنه: إن إلينا إيابهم وإليه مآب .

( إفك ) أشد الكذب. والأفاك الكذاب. وأفك عنه، أي صرف، ومنه: تؤفكون.

( أوى ) الرجل إلى الوضع بالقصر، وآواه غيره - بالمد. ومنه المأوى.

( أف ) كلمة شر.

( آلاء الله ) نعمه. [ ص: 10 ] ( أسف) له معنيان: الحزن والغضب. ومنه: فلما آسفونا

( أسوة ) بكسر الهمزة وضمها: قدوة.

( أسي ) الرجل يأسى أسى، أي حزن. ومنه: فلا تأس على القوم الكافرين فكيف آسى

( ( أذان ) ) بالقصر: إعلام الشيء. ومنه الأذان بالصلاة، والآذان بالمد: جمع أذن.

( ( إذن الله ) ) يأتي بمعنى العلم، والأمر، والإرادة، والإباحة. وأذنت بالشيء علمت به - بكسر الذال. وآذنت به غيري - بالمد.

( أكل ) بضم الهمزة: اسم للمأكول. ويجوز فيه ضم الكاف وإسكانها. والأكل - بفتح الهمزة: المصدر.

( أيكة ) غيضة.

( أثاثا ) متاع البيت.

( أجاج ) مر.

( آنية ) له معنيان: جمع إناء، ومنه: بآنية من فضة ، وشديد الحر، ومنه: عين آنية . ووزن الأول أفعلة، والثاني فاعلة، ومذكره آن، ومنه حميم آن

( أأنذرتهم ) أعلمتهم بما تحذرهم منه، ولا يكون المعلم منذرا حتى يحذر باعلامه، فكل منذر معلم، وليس كل معلم منذرا.

( أندادا ) أمثالا ونظراء، واحدها ند

(أزل) : أي نحى. يقال: أزللته فزل، ومنه: فأزلهما الشيطان

( أماني ) جمع أمنية، وهي التلاوة. ومنه: ألقى الشيطان في أمنيته أي في تلاوته. [ ص: 11 ] والأماني الأكاذيب أيضا. ومنه قول عثمان: ما تمنيت منذ أسلمت. ومنه قول بعض العرب لابن دأب وهو يحدث: أهذا شيء رويته أم شيء تمنيته، أي افتعلته. والأماني أيضا: ما يتمناه الإنسان ويشتهيه.

( ( أيدناه ) ) قويناه.

( الأب ) من له ولادة، والعرب تجعل العم أبا والخالة أما. ومنه: ورفع أبويه على العرش

( أسباب ) وصلات، الواحد سبب ووصلة، وأصل السبب الحبل يشد بالشيء فيجذب به، ثم جعل لكل ما جر شيئا سببا.

( أصبرهم ) وصبرهم واحد. ويقال: فما أصبرهم على النار ، أي ما أجرأهم عليها.

( ألفينا ) وجدنا.

( ( أهلة ) ) جمع هلال، يقال له هلال إلى أن يكمل نوره إلى سبع ليال، ثم قمر، ثم بدر لاستدارته، وقيل لمبادرته الشمس بالطلوع إذا غرب.

( أفضتم ) دفعتم بكثرة.

( أيام معلومات ) أيام التشريق. والمعلومات: شوال، وذو القعدة، وعشرين من ذي الحجة، أي خذوا في أسباب الحج وتهيئوا له في هذه الأوقات من التلبية وغيرها.

( الأشهر الحرم ) رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، واحد فرد وثلاثة سرد.

( ألد الخصام ) أي شديد الخصومة.

( أفرغ ) اصبب، ومنه: أفرغ علينا صبرا

( ( أقسط ) ) أعدل.

( ( آتت أكلها ضعفين ) ) ، أي ضعفي غيرها من الأرضين

( أسلمت وجهي ) ، أخلصت. [ ص: 12 ]

( ( أقلامهم ) ) قداحهم، يعني سهامهم التي كانوا يجيلونها عند العزم على الأمر، ويكتبون اسم الخصم على القلم، ويلقونه في الماء، فإذا جرى القلم على الماء علم أنه حق، وإذا رسب في الماء علم أنه باطل.

كما أن القربان كان حاكم آدم عليه السلام، فمن احترق قربانه علم أنه حق، ومن لم يحزق قربانه علم أنه باطل.

والسفينة كانت حاكم نوح، فمن وضع يده على السفينة ولم تتحرك علم أنه حق، ومن وضع يده عليها وتحركت علم أنه باطل.

والسلسلة كانت حاكم داود عليه السلام، فمن مد يده إليها وأخذها فهو حق، ومن لم يقدر على أخذها فهو باطل.

والنار كانت حاكم إبراهيم عليه السلام، فمن وضع يده على النار فلم تحرقه فهو على الحق، ومن وضع يده عليها وأحرقته فهو على الباطل.

والصاع كانت حاكم يوسف عليه السلام، فمن وضع يده عليه وسكت فهو حق، ومن وضع يده على الصاع وصاح وصوت فهو باطل.

والحفرة التي كانت في صومعة سليمان عليه السلام كانت حاكمه، فمن وضع رجله فيها ولم تأخذه وخرجت علم أنه حق، ومن وضع رجله فيها وانضمت عليه علم أنه باطل.

فإن قلت: كان أولى بهذه الخواص نبينا ومولانا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فما باله منعها؟

والجواب أنه أعطي البينة على المدعي واليمين على المنكر لئلا يهتك ستر من كذب في دعواه في الدنيا، فكيف يهتك ستر من يشهد الشهادة في القربى. وفي الحديث: إذا كان يوم القيامة أمر الله تعالى كل نبي أن يحاسب مع أمته، ويقول: يا محمد، ألا تحاسب مع أمتك! فيناجي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ربه، ويقول: إلهي لا تفضحني في أمتي، واجعل حسابهم في يدي حتى لا يطلع على مساويهم غيري. فيقول: يا محمد، أنت تريد ألا يطلع على مساويهم غيرك، وأنا لا أريد أن يطلع [ ص: 13 ] على مساويهم أنت ولا غيرك، لأني أرفق بهم منك. اللهم كما أنعمت علينا به وشرفتنا بشرفه، اقبل من محسننا وتجاوز عن مسيئنا، ولا تشف فينا الأعداء، إنك ذو الفضل العظيم.

( الأكمه ) الذي يولد أعمى.

( أحس ) علم ووجد.

( أولى ) : أحقهم به.

( الإيناس ) الرؤية، والعلم بالشيء، والإحساس به، ومنه: فإن آنستم منهم رشدا . و آنست نارا

( أذاعوا به ) أفشوه.

( أركسهم ) نكسهم وردهم في كفرهم.

( آمين البيت الحرام ) أي عامدين. وأما في الدعاء فتخفف الميم وتمد وتقصر، وتفسيره: اللهم استجب. ويقال آمين اسم من أسماء الله عز وجل.

( الأزلام ) : القداح التي كانوا يضربونها على الميسر، واحدها زلم وزلم.

( أجل ذلك ) أي من سببه، ويقال: من أجل ذلك، ومن جراء ذلك بالمد والقصر.

( ( أغرينا بينهم ) ) هيجنا. ويقال أغرينا: ألصقنا بهم. وأصل ذلك - من الغراء. والعداوة تباعد القلوب والنيات. والبغضاء: البغض.

( الأوليان ) واحدها الأولى: والجمع الأولون. والأنثى الأولة، والجمع الأولات.

( أكنة ) أغطية، واحدها كنان.

( أساطير ) أباطيل وترهات، واحدها أسطورة وإسطارة.

( أوزارها ) آثامها، ومنه: وهم يحملون أوزارهم . وأصل الوزر ما حمل الإنسان، فسمي السلاح أوزارا، لأنه يحمل. [ ص: 14 ] وأما قوله: ولا تزر وازرة وزر أخرى ، أي لا تؤخذ نفس بذنب غيرها.

( أفل ) غاب.

( أكابر ) عظماء.

( الأعراف ) سور بين الجنة والنار، وسمي بذلك لارتفاعه. ومنه سمي عرف الديك، ويستعمل في الشرف والمجد، وأصله في البناء.

( أقلت ) حملت، وإنما سميت الكيزان قلالا لأنها تقل بالأيدي فيشرب فيها.

( أنفال ) غنائم. والنفل: الزيادة على الفرض، ويقال لولد الناقة نافلة، لأنه زيادة على أمه. وأما قوله تعالى: ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة ، أي دعا بإسحاق، فاستجيب له وزيد يعقوب، كأنه تفضل من الله عز وجل، وإن كان كل بتفضله.

( ( أمطرنا عليهم ) ) ، - بالهمزة: معناه العذاب، وللرحمة مطرنا.

( أقاموا الصلاة ) حافظوا عليها بشروطها، يقال: قام بالأمر، وأقاموا به: إذا جاء به معط لحقوقه.

( أسلفت ) قدمت.

( ( أخبت ) ) تواضع وخشع. والخبت: ما اطمأن من الأرض.

( الأراذل ) ،: الناقص القدر والقيمة.

( ( أوجس ) ) أحس في نفسه خوفا.

( أسرى ) من سرى الليل، يقال سرى وأسرى - لغتان.

(أدلى دلوه) : أرسلها ليملأها. ودلاها: أخرجها.

( أشده ) منتهى شبابه وقوته، واحدها شد، مثل فلس وأفلس. [ ص: 15 ] قال مجاهد: ثلاثا وثلاثين سنة. واستوى: قال أربعين سنة. وأشد اليتيم: قالوا ثمان عشرة سنة.

( أكبرنه ) أعظمنه.

( أصب إليهن ) ، أمل إليهن، ويقال أصباني فصبوت، أي حملني على الجهل، وعلى ما يفعل الصبي، ففعلت.

( أضغاث أحلام ) ،: أخلاط، مثل أضغاث الحشيش. واحدها ضغث، وإنما قالوا أضغاث أحلام بالجمع وكانت واحدة، لأنه كقولهم: فلان يركب الخيل وإن ركب فرسا واحدا.

( استبقا الباب ) ، من السابقة، معناه: سابق كل واحد منهما صاحبه إلى الباب، فقصد هو الخروج والهروب منها، وقصدت هي أن ترده.

فإن قلت: لم قال هنا الباب بالإفراد، وقد قال: وغلقت الأبواب بالجمع؟

فالجواب أن المراد هنا الباب البراني الذي هو المخرج من الدار.

( آثرك الله ) ، أي فضلك. ويقال على أثرة: أي فضل.

( أصنام ) جمع صنم، وهو ما كان مصورا من حجر أو صفر أو نحو ذلك. والوثن ما كان من غير صورة. وقد سمى الله تعالى في كتابه أسماء الأصنام التي كانت أسماء لأناس: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر. وهي أصنام قوم نوح. واللات، والعزى، ومناة. وهي أصنام قريش. وكذا الرجز فيمن قرأه بضم الراء، ذكره الأخفش في كتاب الواحد والجمع على أنه اسم صنم.

( أصفاد ) أغلال، واحدها صفد.

( ( أسقيناكموه ) ) يقال لما كان من يدك إلى فمه سقيته، فإذا جعلت له شربا وعرضته لأن يشرب أو لزرعه قلت أسقيته. ويقال سقى وأسقى بمعنى واحد.

( أرذل العمر ) الهرم الذي ينقص قوته وعقله، ويصيره إلى الخرف ونحوه. [ ص: 16 ] أكنانا جمع كن، وهو ما ستر ووقى من حر البرد.

( ( أمرنا ) ) بالتشديد: جعلناهم أمراء.

( أربى ) أي أزيد عددا. ومن هذا سمي الربا.

( ( أجلب عليهم ) ) جمع عليهم.

( أعثرنا ) أطلعنا.

( أساور ) جمع أسورة -، وأسورة جمع سوار، وهو الذي يلبس في الذراع من ذهب، فإن كان من فضة فهو قلب، وجمعه قلبة، وإن كان من قرن أو عاج فهو مسكة، وجمعها مسك.

( ( أهش بها على غنمي ) ) ، أضرب بها الأغصان ليسقط ورقها على غنمي فتأكله، وإنما سأله تعالى ليريه عظم ما يفعله في العصا من قلبها حية، فمعنى السؤال تقرير أنها عصا ليتبين له الفرق بين حالها قبل أن يقلبها وبعد أن يقلبها. وقيل: إنما سأله ليؤنسه ويبسطه بالكلام.

( أزري ) عزي وظهري. ومنه: فآزره ، أي أعانه.

( أمثلهم طريقة ) أي أعدلهم طريقة وقولا عند نفسه.

( أمتا ) ارتفاعا وهبوطا.

( ( أترفناهم ) ) نعمناهم، والترف التقلب في لين العيش.

( أحاديث ) أي عبرا يتمثل بهم في الشر، ولا يقال جعلته حديثا في الخير.

( الأيم ) الذي لا زوج لها، ويقال للرجل والمرأة.

( أشتاتا ) فرقا، واحدهم شت.

( أصيل ) ما بين العصر إلى الليل، وجمعه أصل، ثم أصائل جمع الجمع.

( ( أناسي ) ) جمع إنسي، وهو واحد الإنسان، جمعه على لفظه، مثل كرسي وكراسي، والإنس جمع الجنس يكون بطرح ياء النسب، مثل رومي وروم.

ويحوز أن يكون أناسي جمع إنسان، وتكون الياء بدلا من النون، لأن الأصل أناسين بالنون، مثل سراحين جمع سرحان، فلما ألغيت النون من آخره عوضت الياء. [ ص: 17 ] وأزلفنا أي جمعناهم في البحر حتى غرقوا، ومنه ليلة المزدلفة، أي ليلة الاجتماع. ويقال: أزلفنا: قربنا، أي قربناهم من البحر. ومنه: وإن له عندنا لزلفى

( ( أعجمين ) ) جمع أعجم، وأعجمي أيضا إذا كان في لسانه عجمة، وإن كان من العرب. ورجل عجمي منسوب إلى العجم وإن كان فصيحا، ورجل أعرابي إذا كان بدويا وإن لم يكن من العرب. ورجل عربي منسوب إلى العرب وإن لم يكن بدويا. وقال الفراء: العجمي منسوب إلى نفسه من العجمة، كما قيل للأحمر أحمري، وكقوله: " والدهر بالإنسان دواري". إنما هو دوار، وقد نسب الله في كتابه إلى الأماكن:

( الأمي ) قيل إنه نسبة إلى أم القرى: مكة. وعبقري قيل إنه منسوب إلى عبقر: موضع للجن ينسب إليه كل نادر. والسامري قيل منسوب إلى أرض يقال لها سامرون وقيل سامرة. والعربي قيل منسوب إلى عربة، وهي ناحية دار إسماعيل عليه السلام، وأنشد:


وعربة أرض ما يحل حرامها ... من الناس إلا اللوذعي الحلاحل



يعني النبي - صلى الله عليه وسلم -.

( أوزعني ) ألهمني، يقال فلان موزع بكذا ومولع ومغرى بمعنى واحد.

( أهون عليه ) أي هين، كما تقول فلان أوحد أي وحيد، وإني لأرجل أي رجل. وفيه قول آخر: أي وهو أهون عليه عندكم أيها المخاطبون، لأن الإعادة عندكم أسهل من الابتداء. وأما قوله: الله أكبر - فالمعنى الله أكبر من كل شيء.

( أنكر الأصوات ) أقبحها، وإنما يكره رفع الصوت في الخصومة والباطل. ورفع الصوت محمود في مواطن، كالتلبية والأذان.

( أدعياءكم ) .، جمع دعي، وهو الذي يدعى ولد فلان وليس بولده. وسببها أمر زيد بن حارثة، وذلك أنه كان فتى من كلب فسباه [ ص: 18 ] بعض العرب وباعه من خديجة، فوهبته للنبي - صلى الله عليه وسلم - فتبناه، فكان يقال له: زيد ابن محمد، حتى نزلت هذه الآية.

فسبحان من قاده بسلاسل العناية: واحد من كلب، وآخر من الحبشة، وآخر من الروم، وآخر من فارس، وأبو طالب واقف على الباب ينصره ويذب عنه، وحرم من الدخول، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، لا إله إلا أنت.

( أقطارها ) جوانبها، وقرئ بالتاء، وهو بمعنى واحد. الواحد فطر وقتر.

( أشحة ) عليكم: جمع شحيح، أي بخيل.

( ( أسلنا ) ) ، أذبنا، من قولك: سال الشيء وأسلته. قال ابن عباس: كانت تسيل له باليمن عين من نحاس يصنع منها ما أحب. والمعنى أن الله أذاب له النحاس بغير نار، كما صنع بالحديد لداود، فطلب من الله أن يعمل منها صور رجال يقاتل بها أعداءه، ويستعين بهم في خدمته لأنهم أقوى. فأجابه إلى ذلك، ونفخ فيهم الروح، فكان يستعين بهم في حوائجه، فهذا هو الملك العظيم ، ومع هذا سماه رخاء ليتنبه العبد على أن جميع ما في الدنيا لا عبرة به عنده.

( ( أثل ) ) شجر يشبه الطرفاء، إلا أنه أعظم منه.

( أسروا ) أظهروها، وقيل كتموها، يعني كتمها العظماء من السفلة الذين أضلوهم، فهو من الأضداد.

( ( أذقان ) ) جمع ذقن، وهو مجتمع اللحيين.

( أجداث ) قبورهم، واحدها جدث، يعني أنهم ينسلون من قبورهم عند النفخة الثانية.

( الأحزاب ) الذين تحزبوا على أنبيائهم، وصاروا فرقا.

( الخير ) : الخيل، سميت بذلك لما فيها من المنافع. [ ص: 19 ] وفي الحديث: الخير معقود في نواصي الخيل. وقيل المال. وهذا يختلف بحسب الاختلاف في القصة.

فأما الذين قالوا إن سليمان عقر الخيل لما اشتغل بها حتى فاتته الصلاة. فاختلفوا في هذا على ثلاثة أقوال: الأول وهو الذي قدمناه. وأحببت بمعنى آثرت، أو بمعنى فعل يتعدى بعن، كأنه قال: آثرت حب الخير فشغلني عن ذكر ربي.

والآخر أن الخيل هنا يراد به المال، لأن الخيل وغيرها مال، فهو كقوله تعالى: إن ترك خيرا ،: أي مالا.

والثالث أن المفعول محذوف وحب الخير مصدر، والتقدير أحببت هذه الخيل مثل حب الخير، فشغلني عن ذكر ربي.

وأما الذين قالوا إنه كان يصلي فعرضت عليه الخيل فأشار بإزالتها، فالمعنى أنه قال: أحببت حب الخير الذي عند الله في الآخرة بسبب ذكر ربي، فشغلني ذلك عن النظر إلى الخيل.

( أكفلنيها ) ضمها إلي، واجعلني كافلها، أي تلزم نفسي حياطتها، وأصله اجعلها في كفالتي. وقيل اجعلها كفلي، أي نصيبي.

( أتراب ) أقران، واحدها ترب، يعني أن أسنان الآدميات وأسنان أزواجهن سواء، من سن ثلاثين سنة والطول ستين ذراعا. وأما الحور العين فعلى حسب ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.

( ( أشرقت الأرض ) ) أضاءت.

( أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ) ، هذا كقوله: وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم . فالموتة الأولى عبارة عن كونهم عدما، أو كونهم في الأرحام، أو في الأصلاب. والموتة الثانية الموتة المعروفة. والحياة الأولى حياة الدنيا. والحياة الثانية حياة البعث في القيامة. [ ص: 20 ] وقيل الحياة الأولى حياة الدنيا، والثانية الحياة في القبر. والموتة الأولى الموتة المعروفة، والموتة الثانية بعد حياة القبر. وهذا قول فاسد، لأنه لا بد من الحياة للبعث فتجيء الحياة ثلاث مراتب.

فإن قيل: كيف اتصال قولهم: أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين بما قبله.

فالجواب أنهم كانوا في الدنيا يكفرون بالبعث، فلما دخلوا النار مقتوا أنفسهم على ذلك، فأقروا به حينئذ ليرى الله إقرارهم بقولهم: " أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين "، إقرارا بالبعث على أكمل الوجوه، طمعا منهم أن يخرجوا عن المقت الذي مقتهم الله، إذ كانوا يدعون إلى الإيمان فيكفرون.

( أقوات ) أرزاق بقدر ما يحتاجون إليه. وقيل يعني أقوات الأرض من المعادن وغيرها من الأشياء التي بها قوام الأرض. والأول أظهر.

( أرداكم ) ، أهلككم.

( أكمامها ) أوعيتها التي كانت فيها مستترة قبل تفطرها، واحدها كم. وقوله: والنخل ذات الأكمام ، أي الطلع قبل أن ينفتق.

( ( أكواب ) ) : أباريق، لا عرى لها ولا خراطيم، واحدها كوب.

( أبرموا ) أحكموا.

( آنفا ) أي الساعة، من قولك: استأنفت الشيء: ابتدأته.

(أحقاف) : جمع حقف، وهو الكدس من الرمل. واختلف أين كانت! فقيل بالشام.

وقيل: بين عمان وحضرموت. والصحيح أن بلاد عاد كانت باليمن.

( أثخنتموهم ) : أكثرتم فيهم القتل والأسر.

( آسن ) ، متغير الرائحة والطعم.

( أشراطها ) : علاماتها، ويقال أشرط نفسه الأمر إذا جعل نفسه علما فيه. ولهذا سمي أصحاب الشرط، للبسهم لباسا يكون علامة لهم. والشرط في البيع [ ص: 21 ] علامة بين المتبايعين، والذي كان قد جاء من أشراط الساعة مبعث مولانا محمد - صلى الله عليه وسلم -، لأنه قال: أنا من أشراط الساعة، وبعثت أنا والساعة كهاتين.

( ( أملى لهم ) ) : أي مد لهم في الأماني والآمال. والفاعل هو الشيطان. وقيل الله تعالى. والأول أظهر، لتناسب الضميرين الفاعلين في سول وأملى.

( أضغانهم ) أحقادهم، ويراد به هنا النفاق والبغض في الإسلام وأهله.

( ألقى السمع وهو شهيد ) ، أي استمع كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم، ليس بغافل ولا ساه.

( ألقيا في جهنم ) ، خطاب للملكين السائق والشهيد. وقيل: إنه خطاب للواحد على أن يكون بالنون المؤكدة الخفيفة، ثم أبدل منها ألفا، على أن يكون معناه ألق ألق، فثنى مبالغة وتأكيدا، وعلى أن يكون على عادة العرب من مخاطبة الاثنين كقولهم: خليلي وصاحبي. وهذا كله تكلف بعيد. ومما يدل على أن الخطاب للاثنين قوله: فألقياه في العذاب الشديد

( ( أدبار السجود ) ) جمع دبر. والإدبار مصدر أدبر. قال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما: الركعتين بعد المغرب. وقال ابن عباس: هي النوافل بعد الفرائض، وقيل الوتر.

( اللات والعزى ) أصل اللات رجل كان يلت السويق للحاج. والعزى كانت صخرة بالطائف، مؤنثة الأعز.

وقيل، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث خالد بن الوليد فقطع شجرة يقولون لها العزى، فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها تدعو بالويل والثبور، فضربها بالسيف حتى قتلها. وهذه مخاطبة لمن كان يعبدها من العرب على جهة التوبيخ لهم.

( ( أكدى ) ) أي قطع العطاء، وأمسك، مأخوذ من كدية الركية، وهو أن [ ص: 22 ] يحفر الحافر فيبلغ إلى الكدية، وهي الصلابة من حجر أو غيره، فلا يعمل معوله شيئا فييأس وينقطع عن الحفر.

( أقنى ) ،: أكسب عباده المال، فهو من كسب المال وادخاره.

وقيل معنى أقنى أفقر، وهذا لا تقتضيه اللغة. وقيل معناه أرضى. وقيل أقنع عبده.

( أزفت ) ، أي قربت، سميت بذلك لقربها، يقال: أزف شخص فلان أي قرب. وقوله: وأنذرهم يوم الآزفة ، يعني القيامة.

( أعجاز نخل ) : أصول نخل منقعر. وأعجاز نخل منقلع. وأعجاز نخل خاوية، أي بالية. شبه الله عادا لما هلكوا بذلك، لأنهم طوال عظام الأجسام، كان طول أحدهم مائة ذراع كالنخل . وقيل: كانت الريح تقلعهم حتى حفروا حفرا يمتنعون بها من الريح فهلكوا فيها، فشبههم بأعجاز النخل إذا كانت في حفرها.

( أبشرا ) ،: هو صالح عليه السلام، وانتصب بفعل مضمر. والمعنى أنهم أنكروا أن يتبعوا بشرا، وطلبوا أن يكون الرسول من الملائكة، ثم زادوا أن أنكروا أن يتبعوا واحدا وهم جماعة كثيرون.

( أشر ) ، أي بطر، متكبر، وربما كان للمدح من النشاط.

( ( الأنام ) ) : الخلق كلهم، وقيل الحيوان كله.

( الأعلام ) : الجبال، شبه السفن بها، وإنما سماها منشآت لأن الناس ينشئونها.

( أفنان ) : أغصان، واحدها فنن وهو الغصن. أو جمع فن، وهو الصنف من الفواكه وغيرها.

( ( أول الحشر ) ) ، في معناه أربعة أقوال: [ ص: 23 ] أحدها: أنه حشر القيامة، أي خروجهم من حصونهم أول الحشر، والقيام من القبور آخره.

وروي في هذا المعنى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم: امضوا، هذا أول الحشر وأنا على الأثر.

الثاني: أن المعنى لأول موضع الحشر، وهو الشام، وذلك أن أكثر بني النضير - خرجوا إلى الشام، وقد جاء في الأثر أن حشر القيامة إلى الشام.

وروي في هذا المعنى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبني النضير: اخرجوا، قالوا: إلى أين، قال: إلى أرض الحشر.

الثالث: أن المراد بالحشر في الدنيا. هو الجلاء والإخراج، فإخراجهم من حصونهم أول الحشر، وإخراج أهل خيبر آخره.

الرابع: أن معناه إخراجهم من ديارهم لأول الحشر لقتالهم، لأنه قال قاتلهم. قال الزمخشري: اللام في قوله "لأول" بمعنى عند، كقولك: جئت لوقت كذا.

( أوجفتم ) ، من الإيجاف، وهو السير السريع. والمعنى أن ما أعطى الله رسوله من أموال بني النضير لم يمش المسلمون إليه بخيل ولا ركاب، ولا تعبوا فيه ولا حصلوه بقتال، ولكن حصلوه بتسليط رسوله - صلى الله عليه وسلم - على بني النضير، فأعلم الله في هذه الآية أن ما أخذ لبني النضير وما أخذ من فدك، فهو خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل فيه ما شاء، لأنه لم يوجف عليها ولا قوتلت كبير قتال، بخلاف الغنيمة التي تؤخذ بالقتال، فأخذ - صلى الله عليه وسلم - لنفسه من أموال بني النضير قوت عياله، وقسم سائرها في المهاجرين، ولم يعط الأنصار شيئا، غير أن أبا دجانة وسهل بن حنيف شكوا فاقة فأعطاهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها. هذا قول جماعة.

وقال عمر بن الخطاب: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينفق منها على أهله نفقة سنة، وما بقي جعله في السلاح والكراع عدة في سبيل الله. [ ص: 24 ] قال قوم من العلماء: وكذلك كل ما فتحه الأئمة مما لم يوجف عليه فهو لهم خاصة يأخذون منه حاجتهم، ويصرفون باقيه في مصالح المسلمين.

( أفاء الله ) ، من الفيء. ويعني أن الله جعل فيئا لرسوله - صلى الله عليه وسلم -.

( الذي ) ، واحد الألى والذين جميعا. واللاتي واحدها التي.

( أرجائها ) : نواحيها وجوانبها، واحدها رجا - مقصور. يقال ذلك لحرف البئر ولحرف القبر وشبهها. والضمير يعود على السماء، لأنها إذا وهت، وقفوا على أطرافها. وقيل يعود على الأرض، لأن المعنى يقتضيه وإن لم يتقدم ذكرها. وروي في ذلك: إن الله يأمر الملائكة فتقف صفوفا على جوانب الأرض.

والأول أظهر وأشهر.

( أوسطهم ) : أعدلهم وأفضلهم. ومنه: أمة وسطا

( ( أوعى ) ) ، يقال: أوعيت المال وغيره إذا جمعته في وعائه، فالمعنى جمع المال وجعله في وعاء. وهذه إشارة إلى قوم من أغنياء الكفار جمعوا المال من غير حله. ووضعوه في غير محله.

( ( أصروا ) ) : أقاموا على المعصية.

( أطوارا ) ، أي طورا بعد طور، يعني أن الإنسان كان نطفة، ثم علقة، ثم مضغة إلى سائر أحواله.

وقيل: الأطوار الأنواع المختلفة، فالمعنى أن الناس على أنواع في ألوانهم وألسنتهم وأخلاقهم وغير ذلك.

( أقوم قيلا ) : أصح قولا، لهدأة الناس وسكون الأصوات. والمعنى تحريض على قيام الليل لكثرة الأجر فيه.

( أنكالا ) : جمع نكل وهو القيد من الحديد. وروي أنها قيود سود من نار لو وضع قيد منها على الأرض لأحرقها. [ ص: 25 ] ( أسفر): أضاء، ومنه الإسفار بصلاة الصبح.

( أمشاج ) : أي أخلاط، واحدها مشج - بفتح الميم والشين. وقيل مشج بوزن عدل.

وقال الزمخشري: ليس أمشاج بجمع، وإنما هو مفرد، كقولهم: برمة أعشار. ولذلك وقع صفة للمفرد. واختلف في معنى الاختلاط هنا، فقيل اختلاط الدم والبلغم والصفراء والسوداء. وقيل اختلاط ماء الرجل والمرأة. وروي أن عظام الإنسان وعصبه من ماء الرجل، وأن لحمه وشحمه من ماء المرأة. وقيل معناه أطوار، وألوان: أي يكون نطفة ثم علقة. .. إلخ.

( أسرهم ) : خلقتهم. وقيل المفاصل والأوصال. وقيل القوة.

( ألفافا ) : ملتفة من الشجر، وهو جمع لف - بضم اللام. وقيل بالكسر. وقيل لا واحد له.

( أفواجا ) : جماعات. يعني بعد نفخة القيامة من القبور.

( أحقابا ) : جمع حقبة أو حقب وهي المدة الطويلة من الدهر غير محدودة. ثم اختلف في مقدارها، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها ثلاثون سنة. وقال ابن عباس: ثمانون سنة. وقيل ثلاثمائة. وعلى القول بالتحديد فالمعنى أنهم يبقون فيها أحقابا كلما انقضى حقب جاء آخر إلى غير نهاية. وقيل: إنه كان يقتضي أن مدة العذاب تنقضي، ثم نسخ بقوله: فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا ، وهذا خطأ، لأن الأخبار لا تنسخ. وقيل هي في عصاة المؤمنين الذين يخرجون من النار، وهذا خطأ لأنها في الكفار لقوله: وكذبوا بآياتنا كذابا .

وقيل معناه أنهم يبقون أحيانا لا يذوقون لا بردا ولا شرابا، ثم يبدل لهم نوع آخر من العذاب، وهذا أليق.

( ( أغطش ليلها ) ) : أي جعله مظلما. يقال غطش الليل إذا أظلم، وأغطشه الله. [ ص: 26 ] فأقبره : جعله ذا قبر، يقال قبرت الميت إذا دفنته. وأقبرته إذا أمرت أن يدفن.

( أنشره ) : أي بعثه من قبره يوم القيامة.

( ( أذنت لربها ) ) ،: أي استمعت، وهو هنا عبارة عن طاعتها لربها، وإنما انقادت إليه حين أراد انشقاقها، وكذلك طاعة الأرض لما أراد مدها وإلقاء ما فيها، وحق لها أن تنشق من أهوال يوم القيامة. أقال عثراتنا.

( أفلح ) ،: نجا، يعني ظفر من طهر نفسه بالعمل، وجانب الظفر من أهملها بالكفر والمعاصي.

( أهانن ) : يعني لم يحسن إلي. وقد أنكر الله على الإنسان قوله عند النعماء أكرمني، ويقول عند الضرر به أهانن ، على وجه التشكي من الله وقلة التسليم لقضائه، فاعتبر هذا العبد الدنيا، وجعل بسط الرزق فيها كرامة، وتضييقه إهانة، وليس الأمر كذلك، فإن الله يبسط الرزق لأعدائه، ويضيقه لأوليائه، ولم يكن في زمان موسى أكرم على الله منه، وقد قطع الشوك رجليه من الحفا، وكان يرى على بطنه أثر البقول. وفرعون حينئذ يدعي الربوبية، وقد أمر الله نبيه بالإعراض عن زهرة الدنيا، والنظر إليها في قوله: ولا تمدن عينيك .

وأخرج البزار وأبو يعلى عن أبي رافع، قال: أضاف النبي - صلى الله عليه وسلم - ضيفا، فأرسلني إلى رجل من اليهود أن أسلفني دقيقا إلى هلال رجب. فقال: لا إلا برهن. فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته، فقال: والله إني لأمين من في السماء أمين من في الأرض، فلم أخرج من عنده حتى نزلت هذه الآية: لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم .

فإن قلت: قد أثبت الله تعالى في قوله: ربي أكرمن ؟

فالجواب من ثلاثة أوجه: [ ص: 27 ] أحدها: أنه لم ينكر عليه ذكره الإكرام، وإنما أنكر عليه ما يدل عليه كلامه من الفخر والخيلاء، وقلة الشكران، ومن اعتبار الدنيا دون الآخرة.

الثاني: أنه أنكر عليه قوله: رب أكرمن إذ اعتقد أن إكرام الله باستحقاقه الإكرام على وجه التفضل والإنعام، كقول قارون: إنما أوتيته على علم عندي .

الثالث: أن الإنكار إنما هو لقوله: ربي أهانن، لا لقوله: ربي أكرمن ، فإن قوله: ربي أكرمن اعتراف بنعمة الله، وقوله: ربي أهانن شكاية من فعل الله.

( أنقض ظهرك ) : النقض البعير الذي قد أتعبه السفر والعمل فنقض لحمه، فيقال له حينئذ نقص، وهو هنا عبارة عن ثقل الوزر المذكور وشدته عليه.

قال الحارث المحاسبي: إنما وصفت ذنوب الأنبياء بالثقل وهي مغفورة لهم لو صدرت منهم، فهي ثقيلة عندهم لشدة خوفهم من الله، وهي عند الله خفيفة. وهذا كما جاء في الأثر أن المؤمن يرى ذنوبه كالجبل يقع عليه، والمنافق يرى ذنوبه كالذبابة تطير فوق أنفه. وعلى هذا قول من جوز صغائر الذنوب على الأنبياء. أو على أن ذنوبه كانت قبل النبوة. والصحيح أن الوزر هي أثقال النبوة وتكاليفها، فأعانه عليها.

( أثقالها ) : جمع ثقل، وإذا كان الميت في بطن الأرض فهو ثقل لها، وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها. وقيل هي الكنوز، وهذا ضعيف، لأن إخراجها للكنوز وقت الدجال. والمراد إخراج الموتى الذين في جوفها عند النفخة الثانية في الصور.

( أوحى لها ) : أوحى إليها، إما بكلام أو إلهام. وقيل معناه أوحى إلى الملائكة من أجلها، وهذا بعيد. وفي التفسير أوحى إليها أمرها. [ ص: 28 ] ألهاكم التكاثر : أي شغلكم التكاثر في الدنيا للمباهاة بكثرة الأموال والأولاد عن محاسبة أنفسكم، ستعلمون ما يحل بكم. وإنما كرر كلا سوف تعلمون ، للتأكيد والتهويل، وعطفه " بثم " إشارة إلى أن الثاني أعظم من الأول، وإنما حذف معمول تعلمون لقصد التهويل. فيقدر السامع أعظم ما يخطر بباله.

( أبابيل ) : جماعات متفرقة، شيئا بعد شيء.

قال الزمخشري: واحدها إبالة. وقال جمهور الناس: هو جمع لا واحد له من لفظه.

وقصتهم أن الله أرسل على أصحاب الفيل طيورا سودا وقيل خضرا، عند كل طائر ثلاثة أحجار في منقاره ورجليه، فرمتهم الطيور بالحجارة، فكان الحجر يقتل من وقع عليه.

وروي أنه كان يدخل في رأسه ويخرج من دبره، ووقع في سائرهم الجدري والأسقام وانصرفوا، فماتوا في الطريق متفرقين في المراحل، وتقطع أبرهة أنملة أنملة.

وروي أن كل حجر منها فوق العدسة ودون الحمصة. وقال ابن عباس: أدركت عند أم هانئ نحو قفيز من هذه الحجارة، وأنها كانت مخططة مجمرة.

وروي أنه كان على حجر اسم من يقع عليه مكتوب.

( الأبتر ) : هو الذي لا عقب له، ونزلت هذه الآية في العاصي بن وائل: وقيل في أبي جهل على وجه الرد عليه، قال: إن محمدا أبتر، لا ولد له، فإذا مات استرحنا منه وانقطع أمره بموته، فأخبر الله أن هذا الكافر هو الأبتر، وإن كان له أولاد، لأنه مبتور من رحمة الله، أي مقطوع عنها، وأنه لا يذكر - إذا ذكر - إلا باللعنة، بخلاف نبينا ومولانا محمد - صلى الله عليه وسلم - فإن ذكره خالد إلى آخر الدهر بالصلاة والسلام، مرفوع على المنابر والصوامع، مقرون بذكر الله. [ ص: 29 ] الفلق : قيل الصبح. ومنه: فالق الإصباح الزمخشري: هو فعل بمعنى مفعول. وقيل: إنه كل ما يفعله الله، كفلق الأرض عن النبات، والجبال عن العيون، والسحاب عن المطر والحب والنوى، وغير ذلك

وقيل: إنه جب في جهنم. وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم -.

( أهل ) بضم الهمزة: ذكر عند ذبحه اسم غير الله، وأصل الإهلال رفع الصوت.

( اضطر ) : ألجئ، وهو مشتق من الضرورة، ووزنه افتعل، وأبدل التاء طاء واختلف في حد الاضطرار، والصحيح أنه ثلاثة أيام، والحكمة فيه أن الميتة حرمت لسمها وضرها، والآدمي إذا خلت معدته من الطعام نشأ منها سم قاتل، يغلب على سم الميتة، فلذا أبيح أكلها.

( أمة ) : يرد لمعان: جماعة، ومنه: وجد عليه أمة ورجل جامع للخير، ومنه: إن إبراهيم كان أمة ، ودين وملة، كقوله: إنا وجدنا آباءنا على أمة وحين وزمان كقوله تعالى: إلى أمة معدودة وادكر بعد أمة أي نسيان. و أمة قائمة يقال فلان حسن الأمة، أي قائمة.

وأمة: رجل منفرد بدين لا يشركه فيه أحد، كقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبعث زيد بن عمرو بن نفيل أمة وحده.

وأمة: أم، يقال هذه أمة زيد، أي أمه.

( أحصرتم ) : منعتم. والمشهور في اللغة أحصره المرض بالألف، وحصره العدو. وقيل بالعكس. وقيل هما بمعنى واحد، فقال مالك: أحصرتم هنا بالمرض على مشهور اللغة، فأوجب عليه الهدي ولم يوجبه - على من حصره العدو [ ص: 30 ] وقال الشافعي وأشهب: يجب الهدي على من حصره العدو، وحملا الآية على ذلك، واستدلا بنحر الهدي بالحديبية.

وقال أبو حنيفة: يجب الهدي على المحصر بعدو وبمرض.

( ( اخراكم ) ) : آخركم، وفيه مدح للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن الآخر هو موقف الأبطال يرفع جريحهم، ويقوي منهزمهم.

( أجورهن ) : مهورهن وصداقهن، يعني إذا استمتعتم بالزوجة بالوطء فيجب إعطاء الصداق كاملا.

( أبسلوا ) : ارتهنوا وأسلموا للهلكة.

( استهوته ) ، أي ذهبت به الشياطين في مهامه الأرض، وأخرجته عن الطريق، فهو استفعال من هوى في الأرض إذا ذهب فيها.

وقال الفارسي: استهوى بمعنى أهوى، مثل استزل بمعنى زل.

( ( أملي لهم ) ) ، أي أطيل لهم المدة، وأتركهم ملاوة من الدهر مع إرادة العقوبة، فظاهره إحسان وباطنه خذلان.

( أذن ) ، يعني يقبل كل ما قيل له ويصدقه.

وروي أن قائل هذه المقالة نبتل بن الحارث، وكان من مردة المنافقين. وقيل عتاب بن قيس فرد الله عليه قوله بأنه يسمع الخير والحق ويؤمن للمؤمنين.

( اجتثت ) ، معناه استؤصلت واقتلعت، وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة. وهذا في مقابلة قوله: أصلها ثابت

( أخفيها ) ،: أسترها وأظهرها أيضا، فهو من الأضداد. قال ابن عطية: هذا قول مختل، وذلك أن المعروف في اللغة أن يقال أخفى بالألف من الإخفاء، وخفى بغير ألف بمعنى أظهر، فلو قال بمعنى الظهور لقال أخفيها بفتح الهمزة في المضارع. وقد قرئ بذلك في الشاذ. [ ص: 31 ] وقال الزمخشري: قد جاء في بعض اللغة أخفى بمعنى خفى، أي ظهر، فلا يكون هذا القول مختلا على هذه اللغة. والصحيح أن الله أبهم وقت الساعة فلم يطلع عليه أحدا حتى كاد أن يحفي وقوعها لإبهام وقتها، ولكنه لم يخفها إذ أخبر بوقوعها، فالإخفاء على معناه في اللغة، " وكاد " على معناها من مقاربة الشيء دون وقوعه، وهذا هو اختيار المحققين.

( اضمم ) ( واسلك ) ، بمعنى الدخول.

( اغضض ) : أنقص منه. ومنه: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ، أي ينقصوا من نظرهم عما حرم الله عليهم، فقد أبيح لهم ما سوى ذلك.

( اركض ) برجلك: اضرب الأرض. والتقدير قلنا له اركض الأرض. فضرب الأرض برجله، فنبعت له عين باردة صافية، فشرب منها، فذهب كل مرض كان في جسده.

وروي أنه ركض الأرض مرتين فنبع له عينان، فشرب من إحداهما واغتسل من الأخرى.

( أم الكتاب ) : أصل كل كتاب، وهو اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه مقادير الأشياء كلها.

( أولو العزم من الرسل ) : نوح وإبراهيم وعيسى وموسى. وقيل هم الثمانية عشرة المذكورون في سورة الأنعام بقوله: فبهداهم اقتده ، وقيل كل من لقي من أمته شدة. وقيل الرسل كلهم أولو عزم.

( ازدجر ) : انتهر وشتم، وقالوا له: لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين

( أجلت ) : أخرت: وهو من الأجل، كالتوقيت من الوقت، وفيه توقيف يراد به تعظيم لذلك اليوم، ثم بينه بقوله: وما أدراك ما يوم الفصل [ ص: 32 ] " إبليس " : إفعيل من أبلس أي يئس. وقد كان اسمه أولا عزرائيل. وأخرج ابن أبي حاتم وغيره من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان اسم إبليس عزرائيل. وقال السدي: إبليس هو عزرائيل. وقال ابن عسكر: قيل اسمه قترة. وقيل أبو مرة، وقيل أبو لبينى، حكاه السهيلي في " الروض الأنف ".

( استوقد ) ، أي أوقد. وقيل طلب الوقود على الأصل في استفعل.

( ارهبون ) : خافوني. وإنما حذفت الياء لأنها في رأس آية، ورؤوس الآيات بنوا الوقوف عليها، والوقوف على الياء يستثقل، فاستغنوا عنها بالكسرة.

( ادارأتم ) ، أي اختلفتم، وهو من المدارأة أي المدافعة. وأصله تدارأتم، أي تدافعتم، أي ألقى بعضكم على بعض، فأدغمت التاء في الدال لأنهما من مخرج واحد، فلما أدغمت سكنت، فاجتلبت لها ألف الوصل للابتداء، وكذلك اداركوا .، فيها و اثاقلتم

( ابتلى ) ، أي اختبر، أي اختبره بما تعبده به من السنن. وقد اختلف فيها اختلافا كثيرا، فقيل خصال الفطرة. وقيل مناسك الحج. وقيل ثلاثون خصلة، عشرة ذكرت في " براءة " من قوله: التائبون ... . التوبة: 112 ، وعشرة في الأحزاب من قوله: إن المسلمين والمسلمات. .. . وعشرة في المعارج من قوله: إلا المصلين

( الإمام ) الذي يؤم الناس إليه في الطريق ويتبعونه، ويقال للطريق إمام. ومنه قوله: وإنهما لبإمام مبين ، أي بطريق واضح يمرون عليها في أسفارهم - يعني القريتين المهلكتين: قريتي قوم لوط، وأصحاب الأيكة، فيرونهما، ويعتبر بهما من خاف وعيد الله تعالى. والإمام الكتاب، ومنه قوله تعالى: يوم ندعوا كل أناس بإمامهم ، والإمام كل ما ائتممت به واقتديت به. [ ص: 33 ] اصطفى : اختار.

( استجاب ) : أجاب.

( اعتمر ) ، أي زار البيت، ومنه سميت العمرة، لأنها زيارة للبيت. ويقال: اعتمر، أي قصد

( استيسر ) ، أي تيسر وسهل، وذلك شاة.

( انفصام ) : انقطاع.

( إعصار ) : ريح عاصف، ترفع ترابا إلى أسماء كأنه عمود نار فيه سموم محرقة.

( إلحافا ) : إلحاحا في السؤال. والمعنى أنهم إذا سألوا يتلطفون ولا يلحون.

وقيل: هو نفي للسؤال والإلحاف معا.

( ائذنوا بحرب ) : اعلموا ذلك واسمعوه وكونوا على إذن منه، ومن قرأ: فأذنوا . البقرة: 379 ، أي فأعلموا ذلك غيركم. ولما نزلت قالت ثقيف: لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله.

( إنجيل ) : إفعيل من النجل، وهو الأصل. والإنجيل أصل العلوم. ويقال: هو من نجلت الشيء إذا استخرجته وأظهرته. والإنجيل مستخرج به علوم وحكم.

( استكانوا ) : خضعوا. قال بعض النحاة: استكان مشتق من السكون، ووزنه افتعلوا، أشبعت فتحة الكاف فحدث عن شبعها ألف، وذلك كالإشباع، وقيل إنه من كان يكون فوزنه استفعلوا، وهذا تعريض بما صدر من بعض الناس يوم أحد.

( إسرافنا ) : إفراطنا.

( انفضوا ) ، أي تفرقوا، وأصل النفض الكسر.

( ادرءوا ) : ادفعوا. والمعنى رد عليهم. [ ص: 34 ] إناثا ،: مواتا. واختلف ما المراد بقوله، فقيل: هي الأصنام، لأن العرب كانت تسمي الأصنام بأسماء مؤنثة، كاللات والعزى. وقيل المراد الملائكة لقول الكفار إناث، وكانوا يعبدونهم، فذكر ذلك على وجه إقامة الحجة عليهم بقولهم الفاسد. وقيل المراد الأصنام، لأنها لا تعقل فيخبر عنها كما يخبر عن المؤنث.

( إملاق ) : فقر، وإنما نهى عن قتل الأولاد لأجل الفاقة، لأن العرب كانوا يفعلون ذلك، فخرج مخرج الغالب، فلا يفهم منه إباحة قتلهم بغير ذلك الوجه.

( افتراء ) الافتراء الكذب، وذلك أنهم كانوا قد قسموا أنعامهم وقالوا هذه أنعام ... إلخ ونسبوا ذلك إلى الله افتراء وكذبا، ونصبه على الحال أو مفعول من أجله أو مصدر مؤكد.

( اداركوا ) ، تلاحقوا واجتمعوا. والمراد بأولهم الرؤساء والقادة وآخرهم الأتباع والسفلة. والمعنى أن أخراهم طلبوا من الله أن يضاعف العذاب لأولاهم، لأنهم أضلوهم. وليس المعنى أنهم قالوا لهم ذلك خطابا لهم. إنما هو كقولك: قال لفلان كذا، أي قاله عنه وإن لم يخاطبه به.

( افتح بيننا ) ، أي احكم.

( استرهبوهم ) ، أي خوفوهم بما أظهروا لهم من أنواع السحر.

( إلهتك) - بكسر الهمزة في قراءة من قرأها - معناها عبادتك.

( انسلخ منها ) ، أي خرج، كما تخرج الحبة من القشر. والانسلاخ من الثياب. وقد اختلف في هذا المنسلخ، فعند ابن مسعود هو رجل من بني إسرائيل بعثه موسى عليه السلام إلى ملك مدين، فرشاه الملك على أن يترك دين موسى ويتابع الملك على دينه، ففعل، وأضل الناس بذلك. وقال ابن عباس: هو بلعام الذي دعا على موسى، فالآيات التي أعطيها على هذا القول هي [ ص: 35 ] اسم الله الأعظم. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: هو أمية بن أبي الصلت. وكان قد أوتي علما وحكمة، وكان قد أسلم قبل غزوة بدر، ثم رجع عن ذلك، ومات كافرا، وفيه قال - صلى الله عليه وسلم -: كاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم.

فالآيات على هذا ما كان عنده. وعلى قول ابن مسعود هي ما علمه موسى من الشريعة. وقيل ما كان عنده من صحف إبراهيم.

( إلا ولا ذمة ) ، قد قدمنا أن " إل " على خمسة أوجه: بمعنى الله، والعهد، والقرابة، والحلف، والجوار.

( اقترفتموها ) : اكتسبتموها.

( إحدى الحسنيين ) : الصبر والظفر، أو الموت في سبيل الله. وكل واحدة من الأمرين حسن.

( إرصادا ) يقال رصدت وأرصدت في الخير والشر جميعا، وهو الترقب والانتظار. ومعناه هنا أن بني عمرو بن عوف من الأنصار بنوا مسجد قباء. وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتيه ويصلي فيه، فحسدهم على ذلك قومهم بنو غنم بن عوف وبنو سالم بن عوف، فبنوا مسجدا آخر مجاورا له، ليقطعوا الناس عن الصلاة في مسجد قباء، فذلك هو الضرار الذي قصدوا. وسألوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -أن يأتيه ويصلي لهم فيه، فنزلت عليه هذه الآية. والذي حارب الله ورسوله هو أبو عامر الراهب الذي سماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفاسق، وكان من أهل المدينة، فلما قدمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاهر بالكفر والنفاق، ثم خرج إلى مكة فحزب الأحزاب من المشركين، فلما فتحت مكة خرج إلى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف خرج إلى الشام ليستنصر بقيصر، فهلك هنالك. وكان أهل مسجد الضرار يقولون: إذا قدم أبو عامر المدينة يصلي في هذا المسجد. والإشارة بقوله من قبل إلى ما فعل مع الأحزاب.

( إي وربي ) ، إي توكيد للإقسام. المعنى نعم وربي.

( اقضوا إلي ) ، أي أمضوا ما في أنفسكم ولا تؤخروه، [ ص: 36 ] كقوله: فاقض ما أنت قاض ، أي أمض ما أنت ممض. ومعناه أن نوحا عليه السلام قال لقومه: إن صعب عليكم دعائي لكم إلى الله فامضوا في غاية ما تريدون، فإني لا أبالي بكم لتوكلي على الله وثقتي به سبحانه.

( اطمس ) ، أي امحه، من قولك: طمس الطريق إذا عفا ودرس.

( إجرامي ) ، مصدر أجرمت إجراما، أي أذنبت.

( اعتراك ) : قصدك. ومعناه ما نقول إلا أن بعض آلهتنا أصابتك بجنون، لأنك سببتها ونهيتنا عن عبادتها.

( استعمركم ) ، أي جعلكم تعمرونها، فهو من العمران للأرض. وقيل هو من العمر، أي استبقاكم.

( ارتقبوا ) ، أي انتظروا. ومعناه التهديد والتخويف.

( استعصم ) ، أي طلب العصمة وامتنع مما أرادت منه من الفاحشة.

( ( استيئسوا ) ) ، أي يئسوا.

( ( اصدع ) ) ، أظهر، أخذ من الصديع وهو الصبح. قال الشاعر:


كأن بياض لبته صديع



( المقتسمين ) : اختلف فيهم، فقيل هم أهل الكتاب الذين آمنوا ببعض كتابهم وكفروا ببعضه، فاقتسموه إلى قسمين. وقيل: هم قريش اقتسموا أبواب مكة في الموسم، فوقف كل واحد منهم على باب، يقول أحدهم هو شاعر، ويقول الآخر ساحر. والكاف من قوله كما ، متعلقة بقوله: أنا النذير المبين ، أي أنذر قريشا عذابا مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين. وقيل يتعلق بقوله: ولقد آتيناك ، أي أنزلنا عليك كتابا كما أنزلنا على المقتسمين.

( استفزز ) ، أي اخدع بدعائك إلى أهل المعاصي، واستخف بهم. [ ص: 37 ] فارتدا على آثارهما ، أي رجعا في طريقهما يقصان أثرهما الأول، لئلا يخرجا عن الطريق.

( إمرا ) : عجبا، ويقال داهية.

( انتبذت من أهلها ) اعتزلتهم ناحية. يقال: قعد نبذة ونبذة: أي ناحية.

( إلحاد ) ، أي ميل عن الحق.

( أسمع بهم ) أي ما أسمعهم، وما أبصرهم يوم القيامة، على أنهم في الدنيا في ضلال مبين.

( اخسئوا ) : كلمة تستعمل في زجر الكلاب، ففيها إهانة وإبعاد. وفي الحديث أنه قال - صلى الله عليه وسلم - لابن صياد: اخسأ فلن تعدو قدرك.

( إفك ) أشد الكذب، ونزلت الآيات الست من قوله تعالى: إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم ... ، إلى قوله تعالى: لهم مغفرة ورزق كريم - في شأن عائشة وبراءتها مما رماها أهل الإفك، وذلك أن الله برأ أربعة بأربعة: برأ يوسف بشهادة الشاهد من أهلها، وبرأ موسى من قول اليهود بالحجر الذي ذهب بثوبه. وبرأ مريم بكلام ولدها في حجرها. وبرأ عائشة من الإفك بنزول القرآن في شأنها.

ولقد تضمنت هذه الآيات الغاية العظمى في الاعتناء بها، والكرامة لها. والتشديد على من قذفها. وقد خرج حديث الإفك البخاري ومسلم وغيرهما. واختصاره أن عائشة رضي الله عنها خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة بني المصطلق، فضاع لها عقد فتأخرت على التماسه حتى رحل الناس، فجاء رجل يقال له صفوان بن المعطل، فرآها فنزل عن ناقته، وتنحى عنها حتى ركبت عائشة، وأخذ يقودها حتى بلغ الجيش، فقال أهل الإفك في ذلك ما قالوا، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ما بال رجال رموا أهلي! والله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد رموا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا. [ ص: 38 ] وسأل جارية عائشة، فقالت: والله ما علمت عليها إلا كما يعلم الصائغ عن الذهب الأحمر. ولم يذكر في الحديث من أهل الإفك إلا أربعة، وهم: عبد الله ابن أبى بن سلول رأس المنافقين، وحمنة بنت جحش، ومسطح بن أثاثة. وحسان بن ثابت.

وقيل: إن حسان لم يكن معهم.

( الإربة ) ، الحاجة إلى الوطء. وشرط في رؤية غير ذوي المحارم شرطان: أحدهما أن يكونوا تابعين، ومعناه أن يتبع لشيء يعطاه، كالوكيل والمتصرف، ولذلك قال بعضهم: هو الذي يتبعك وهمته بطنه. والآخر ألا يكون لهم إربة في النساء، كالخصي، والمخنث، والشيخ الهرم. والأحمق. فلا يجوز رؤية النساء إلا باجتماع الشرطين. و

اختلف هل يجوز أن يراها عبد زوجها وعبد الأجنبي أم لا، على قولين. وأما العبيد ففيهم ثلاثة أقوال: منع رؤيتهم لسيدتهم، وهو قول الشافعي. والجواز، وهو قول ابن عباس وعائشة. والجواز بشرط أن يكون العبد وغدا وهو مذهب مالك، واحتج بهذه الآية.

( اطيرنا ) ،: أصله تطيرنا، ومعناه تشاءمنا، وكانوا قد أصابهم القحط، فنسبوا ما أصابهم إلى صالح، فلذلك جاوبهم بقوله: طائركم عند الله ، أي السبب الذي يحدث عنه خيرا وشرا هو عند الله، وهو قضاؤه وقدره.

( ( اقصد في مشيك ) ) : أي اعتدل فيه، فلا تسرع فيه إسراعا يدل على الطيش والخفة التي تذهب ببهاء الوجه، ولا تبطئ لأنه يدل على النخوة والكبر. والقصد: ما بين الإسراف والتقصير. وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يمشي متواضعا لا متبخترا ولا كسلا، وكان بين ذلك قواما.

( امتازوا ) أي انفردوا عن المؤمنين وكونوا على حدة، لتأخذكم الزبانية.

( اصلوها ) : ذوقوا حرها. ويقال صليت النار إذا نالك حرها. [ ص: 39 ] " استفتهم " سلهم. والضمير المفعول لقريش وسائر الكفار، أي اسألهم على وجه التقرير والتوبيخ عما زعموا من أن الملائكة بنات الله، فجعلوا لله الإناث ولأنفسهم الذكور، وتلك قسمة ضيزى.

( ( إلياسين ) ) ، يعني إلياس وأهل دينه، جمعهم بغير إضافة بالياء والنون على العدد، كأن كل واحد منهم اسمه إلياس. وقال بعض العلماء: يجوز أن يكون إلياس وإلياسين بمعنى واحد، كما يقال ميكايل وميكال. وتقرأ على آل ياسين، أي على آل محمد - صلى الله عليه وسلم -.

وأخرج ابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن مسعود، قال: إلياس هو إدريس. وقراءته: وإن إدريس لمن المرسلين. سلام على إدراسين. وفي قراءة أبي: وإن إلياس ... سلام على إليسين. وقيل إنه لقب إدريس. وقد أخطأ من قال إنه إلياس المذكور في أجداد النبي - صلى الله عليه وسلم -.

( اشمأزت ) معناه نفرت، والمشمئز النافر. ومعنى الآية أن الكفار يكرهون توحيد الله، ويحبون الإشراك به، ونزلت حين قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سورة النجم، فألقى الشيطان. .. حسبما ذكر في الحج، فاستبشر الكفار من ذكر اللات والعزى ، فلما أذهب الله ما ألقى الشيطان استكبروا واشمأزوا.

( اصفح ) : أعرض. وأصل الصفح أن تنحرف عن الشيء، فتوليه صفحة وجهك، وهذا الإعراض منسوخ بآية السيف كما قدمنا.

( الغوا ) ، من اللغا، وهو الهجر والكلام الذي لا نفع فيه.

وروي أن قائل هذه المقالة أبو جهل لعنه الله، وقال لهم: تشاكلوا عند قراءته برفع الأصوات وإنشاد الشعر، وشبه ذلك حتى لا يسمعه أحد. وقيل المعنى: قعوا فيه وعيبوه.

( اعتلوه ) ، أي سوقوه بتعنيف إلى سواء الجحيم، يعني وسطها. [ ص: 40 ] واختلف على من يعود الضمير، فقيل على أبي جهل. وقيل على العموم، وهو الأظهر.

( انشزوا ) ، معناه ارتفعوا عن مواضعكم حتى توسعوا لغيركم واختلف في هذا النشوز المأمور به، فقيل إذا دعوا إلى قتال أو صلاة أو فعل طاعة. وقيل: إذا أمروا بالقيام من مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لأنه كان يحب الانفراد أحيانا، وربما جلس قوم حتى يؤمروا بالقيام. وقيل المراد القيام في المجلس للتوسع.

( استحوذ ) ، أي غلب عليهم الشيطان وتملك نفوسهم. واستحوذ مما خرج على الأصل ولم يعل. ومثله استروح، واستنوق الجمل، واستصوب رأيه.

( اسعوا ) : امضوا إلى ذكر الله بالهيئة والجد، ولم يرد الغدو والإسراع. للحديث: لا تأتوا الصلاة وأنتم تسعون وائتوها وعليكم السكينة والوقار.

وأمر في هذه الآية بالسعي إلى الجمعة، وذلك عند جلوس الإمام على المنبر وأخذ المؤذنين في الأذان.

( وائتمروا ) خطاب للرجال والنساء. والمعنى أن يأمر كل واحد صاحبه بخير، من المسامحة، والرفق، والإحسان. وقيل: معنى ائتمروا تشاوروا. ومنه: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك

( ( استغشوا ثيابهم ) ) : جعلوها غشاوة عليهم لئلا يسمعوا كلامه ولئلا يراهم. ويحتمل أنهم فعلوا ذلك حقيقة، أو يكون عبارة عن إفراط إعراضهم. فانظر نصحه صلى الله على نبينا وعليه وسلم، ذكر أولا أنه دعاهم بالليل والنهار، ثم ذكر أنه دعاهم جهارا، ثم ذكر أنه جمع بين الجهر والإسرار، وهذه غاية الجد في النصيحة، وتبليغ الرسالة. [ ص: 41 ] والتفت الساق ، هذه عبارة عن شدة كرب الموت وسكراته، أي التفت ساقه إلى ساقه الآخر عند السباق. وقيل مجاز، كقولك: كشفت الحرب عن ساقها، إذا 32اشتدت. وقيل معناه ماتت ساقه فلا تحمله. وقيل التفت، أي لفها الكفن إذا كفن.

( انكدرت ) ، أي تساقطت من مواضعها. وقيل تغيرت. والأول أرجح، لأنه موافق لقوله: وإذا الكواكب انتثرت

( اتسق ) القمر إذا تم وامتلأ ليلة أربع عشرة. ووزن اتسق افتعل، وهو مشتق من الوسق. ويقال: اتسق استوى.

( إرم ) هي قبيلة عاد، سميت باسم أحد أجدادها، كما يقال هاشم لبني هاشم. وإعرابه بدل من عاد، أو عطف بيان. وفائدته أن المراد عاد الأولى، فإن عادا الثانية لا يسمون بهذا الاسم. وقيل إرم اسم مدينتهم، فهو على حذف مضاف، تقديره بعاد عاد إرم. ويدل على هذا قراءة ابن الزبير بعاد إرم على الإضافة من غير تنوين عاد، وامتنع إرم من الصرف على القولين للتعريف والتأنيث.

( اقتحم العقبة ) ، الاقتحام: الدخول بشدة ومشقة. والعقبة عبارة عن الأعمال الصالحة المذكورة. وجعلها عقبة استعارة من عقبة الجبل، لأنها تصعد ويشق صعودها على النفوس. وقيل هو جبل في جهنم له عقبة لا يجاوزها إلا من عمل هذه الأعمال، ولا هنا تحضيض بمعنى هلا. وقيل هي دعاء. وقيل: هي نافية. واعترض على هذا القول بأن " لا " النافية إذا دخلت على الفعل الماضي لزم تكرارها.

وأجاب الزمخشري: بأنها مكررة في المعنى، والتقدير فلا اقتحم العقبة ولا فك رقبة، ولا أطعم مسكينا.

( انبعث ) يعني خرج إلى عقر الناقة بسرعة ونشاط. [ ص: 42 ] و

( أشقاها ) ، أحيمر ثمود قدار بن سالف عاقر الناقة. ويحتمل أن يكون أشقاها واقعا على جماعة، لأن أفعل التي للتفضيل إذا أضفته يستوي فيه الواحد والجمع. والأول أظهر.

( انحر ) : اذبح. ويقال انحر: ارفع يديك بالتكبير إلى نحرك. والأول أظهر، لأن الله أمره بالصلاة على الإطلاق. وبنحر الهدي والضحايا. وقيل إنه عليه الصلاة والسلام كان يضحي قبل صلاة العيد، فأمره أن يصلي ثم ينحر، فالمقصود على هذا تأخير نحر الأضاحي عن الصلاة. وقيل: إن الكفار كانوا يصلون مكاء وتصدية ، وينحرون للأصنام، فقال الله لنبيه: صل لربك وحده، وانحر له، أي لوجهه لا لغيره، فهو على هذا أمر بالتوحيد والإخلاص.

الهمزة تأتي على وجهين: أحدها الاستفهام، وحقيقته طلب الإفهام. وهي أصل أدواتها، ومن ثم اختصت بأمور:

أحدها: جواز حذفها.

الثاني: تأتي لطلب التصور والتصديق، بخلاف هل، فإنها للتصديق خاصة. وسائر الأدوات للتصور خاصة.

ثالثها: أنها تدخل على الإثبات، نحو: أكان للناس عجبا آلذكرين حرم . وعلى النفي نحو: ألم نشرح . وتفيد حينئذ معنيين: أحدها التذكير والتنبيه، كالمثال المذكور، وكقوله: ألم تر إلى ربك كيف مد الظل . والثاني التعجب من الأمر العظيم، كقوله تعالى: ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت . وفي كلا الحالتين هو تحذير، نحو: ألم نهلك الأولين .

رابعها: تقدمها على العاطف تنبيها على أصالتها في التصدير، نحو: أوكلما عاهدوا عهدا [ ص: 43 ] أفأمن أهل القرى أثم إذا ما وقع . وسائر أخوانها متأخر عنه، كما هو قياس جميع أجزاء الجملة المعطوفة، نحو: وكيف تكفرون. فأين تذهبون. فأنى تؤفكون. فهل يهلك. فأي الفريقين. فما لكم في المنافقين.

خامسها: أنه لا يستفهم بها حتى يهجس في النفس إثبات ما يستفهم عنه. بخلاف هل فإنه لما لا يترجح عنده نفي ولا إثبات، حكاه أبو حيان عن بعضهم.

سادسها: أنها تدخل على الشرط. نحو: أفإن مت فهم الخالدون ولئن متم أو قتلتم أفإن مات أو قتل انقلبتم ، بخلاف غيرها. وتخرج عن الاستفهام الحقيقي فتأتي لمعان قدمناها في الخبر والإنشاء.

فائدة

إذا دخلت على " رأيت " امتنع أن تكون من رؤية البصر أو القلب، وصارت بمعنى أخبرني. وقد تبدل هاء، وعلى ذلك قراءة قنبل: " ها أنتم " ، هؤلاء - بالقصر. وقد تقع في القسم، ومنه: ولا نكتم شهادة الله ، بالتنوين، آلله بالمد.

الثاني: من وجهي الهمزة أن تكون حرفا ينادى به القريب، وجعل منه الفراء قوله تعالى: ( أمن هو قانت آناء الليل ) - على قراءة تخفيف الميم. أي يا صاحب هذه الصفات.

قال ابن هشام: ويبعده أنه ليس في التنزيل نداء بغير ياء، ويقربه سلامته من دعوى المجاز، إذ لا يكون الاستفهام منه تعالى على حقيقته، ومن دعوى كثرة الحذف، إذ التقدير عند من يجعلها للاستفهام: أمن هو قانت خير أم هذا الكافر، أي المخاطب بقوله تعالى: قل تمتع بكفرك قليلا . فحذف شيئان: معادل الهمزة والخبر. [ ص: 44 ] أحد قال أبو حاتم في كتاب الزينة: هو اسم أكمل من واحد، ألا ترى أنك إذا قلت: فلان لا يقوم له واحد جاز في المعنى أن يقوم له اثنان فأكثر. بخلاف قولك لا يقوم له أحد.

وفي الأحد خصوصية ليست في الواحد، تقول: ليس في الدار واحد، فيجوز أن يكون من الدواب والطير والوحوش والإنسان، فيعم الناس وغيرهم، بخلاف ليس في الدار أحد، فإنه مخصوص بالآدميين دون غيرهم.

قال: ويأتي الأحد في كلام العرب بمعنى الأول وبمعنى الواحد، فيستعمل في الإثبات وفي النفي، نحو: قل هو الله أحد ، أي واحد، وأول. فابعثوا أحدكم بورقكم ، وبخلافهما فلا يستعمل إلا في النفي، تقول: ما جاءني من أحد. ومنه: أيحسب أن لن يقدر عليه أحد أيحسب أن لم يره أحد فما منكم من أحد ولا تصل على أحد منهم .

وواحد يستعمل فيها مطلقا.

وأحد يستوي فيه المذكر والمؤنث، قال تعالى: لستن كأحد من النساء ، بخلاف الواحد فلا يقال كواحد من النساء بل كواحدة.

وأحد يصلح للإفراد والجمع.

قلت: ولهذا وصف به في قوله تعالى: فما منكم من أحد عنه حاجزين . بخلاف الواحد.

والأحد له جمع من لفظه، وهو الأحد والآحاد، وليس للواحد جمع من لفظه، فلا يقال وحد، بل اثنان وثلاثة.

والأحد ممتنع الدخول في الضرب والعدد والقسمة وفي شيء من الحساب. بخلاف الواحد. انتهى ملخصا. وقد تحصل من كلامه أن بينهما سبعة فروق.

وفي أسرار التنزيل للبارزي في سورة الإخلاص: فإن قلت المشهور في كلام [ ص: 45 ] العرب أن الأحد يستعمل بعد النفي والواحد بعد الإثبات، فكيف جاء أحد هنا بعد الإثبات؟.

قلت قد اختار أبو عبيد إنهما بمعنى واحد وحينئذ فلا يختص أحدهما بمكان دون الآخر، وإن غلب استعمال أحد في النفي. ويجوز أن يكون للعدول هنا عن الغالب رعاية للفواصل.

وقال الراغب في مفردات القرآن: أحد تستعمل على ضربين:

أحدهما في النفي فقط، والآخر في الإثبات.

فالأول لاستغراق جنس الناطقين، ويتناول القليل والكثير، ولذلك صح أن يقال ما من أحد فاضلين، كقوله: فما منكم من أحد عنه حاجزين .

والثاني على ثلاثة أوجه: الأول: المستعمل في العدد مع العشرات، كأحد عشر وأحد وعشرين.

والثاني: المستعمل مضافا أو مضافا إليه بمعنى الأول، نحو: أما أحدكما فيسقي ربه خمرا .

والثالث: المستعمل وصفا مطلقا، ويختص بوصف الله تعالى، نحو: " قل هو الله أحد ". وأصله وحد، إلا أن وحد يستعمل في غيره.

فوائد مهمة

إذ ترد على أوجه:

أحدها أن تكون اسما للزمان الماضي، وهو الغالب، ثم قال الجمهور: لا تكون إلا ظرفا، نحو: فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا . ومضافا إليها الظرف: بعد إذ هديتنا يومئذ تحدث وأنتم حينئذ تنظرون .

وقال غيرهم: تكون مفعولا به، نحو: واذكروا إذ أنتم قليل . وكذا المذكورة في أوائل القصص كلها مفعول به، بتقدير اذكر.

أو بدلا منه نحو: واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت ، فإنها بدل اشتمال [ ص: 46 ] من مريم على وجه البدل في: يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء . أي اذكروا النعمة التي هي الجعل المذكور، فهي بدل كل من كل. والجمهور يجعلونها في الأول ظرفا لمفعول محذوف، أي واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم قليلا. وفي الثاني ظرفا لمضاف إلى مفعول محذوف، أي واذكر قصة مريم. ويؤيد ذلك التصريح به في: واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء .

وذكر الزمخشري أنها تكون مبتدأ، وأخرج عليه قراءة بعضهم: لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا . قال التقدير " منه " إذ بعث، فإذ محل رفع كإذا قولك: أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائما، أي لقد من الله على المؤمنين وقت بعثه.

قال ابن هشام: ولا نعلم بذلك قائلا. وذكر كثير أنها تخرج عن المضي إلى الاستقبال، نحو: يومئذ تحدث أخبارها . والجمهور أنكروا ذلك وجعلوا الآية من باب: ونفخ في الصور - يعني من تنزيل المستقبل الواجب الوقوع منزلة الماضي الواقع. واحتج المثبتون - ومنهم ابن مالك - بقوله: فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم . قال: يعلمون مستقبل لفظا ومعنى، لدخول حرف التنفيس عليه، وقد عمل في إذ، فيلزم أن تكون بمنزلة إذا.

وذكر بعضهم أنها تأتي للحال نحو: ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه .

فائدة

أخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك، قال: كل ما كان في القرآن

" إن " - بكسر الألف - فلم يكن، وما كان إذ فقد كان. [ ص: 47 ] الوجه الثاني: أن تكون للتعليل، نحو: ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون ، أي ولن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب لأجل ظلمكم في الدنيا.

وهل هي حرف بمنزلة لام العلة، أو ظرف بمعنى وقت، والتعليل مستفاد من قوة الكلام لا من اللفظ، قولان، المنسوب إلى سيبويه الأول، وعلى الثاني في الآية إشكال، لأن إذ لا تبدل من اليوم لاختلاف الزمانين، ولا تكون ظرفا لينفع، لأنه لا يعمل في ظرفين، ولا "مشتركون"، لأن معمول خبر أن وأخواتها لا يتقدم عليها، ولأن معمول الصلة لا يتقدم على الموصول، ولأن اشتراكهم في الآخرة لا في زمن ظلمهم.

ومما حمل على التعليل: وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف . وأنكر الجمهور هذا القسم، وقالوا: التقدير: بعد إذ ظلمتم.

وقال ابن جني: راجعت أبا علي مرارا في قوله: ولن ينفعكم اليوم ... الآية. مستشكلا إبدال إذ من اليوم. فآخر ما تحصل منه أن الدنيا والآخرة متصلتان، وأنهما في حكم الله سواء، فكأن اليوم ماض.

الوجه الثالث: التوكيد، بأن تحمل على الزيادة، قاله أبو عبيدة، وتبعه ابن قتيبة، وحملا عليه آيات منها: إذ قال ربك للملائكة .

الرابع: التحقيق كقد، وحملت عليه الآية المذكورة، وجعل منه السهيلي قوله: بعد إذ أنتم مسلمون . قال ابن هشام: وليس القولان بشيء.

مسألة

تلزم إذ الإضافة إلى جملة إما اسمية، نحو: واذكروا إذ أنتم قليل . أو فعلية فعلها ماض لفظا أو معنى، [ ص: 48 ] نحو: وإذ قال ربك للملائكة وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات . أو معنى لا لفظا، نحو: وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه .

وقد اجتمعت الثلاثة في قوله: إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه .

وقد تحذف الجملة للعلم بها ويعوض عنها التنوين. وتكسر الذال لالتقاء الساكنين، نحو: ويومئذ يفرح المؤمنون وأنتم حينئذ تنظرون .

وزعم الأخفش أن " إذ " في ذلك معربة، لزوال افتقارها إلى الجملة، وأن الكسرة إعراب، لأن اليوم والحين مضاف إليها.

ورد بأن بناءها لوضعها على حرفين، وبأن الافتقار باق في المعنى. كالموصول تحذف صلته.

( إذا) على وجهين:

أحدهما: أن تكون للمفاجأة، فتختص بالجمل الاسمية، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال لا الاستقبال، نحو: فألقاها فإذا هي حية تسعى فلما أنجاهم إذا هم يبغون وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا .

قال ابن الحاجب: ومعنى المفاجأة حضور الشيء معك في وصف من أوصافك الفعلية، تقول: خرجت فإذا الأسد في الباب، ومعناه حضور الأسد معك في زمن وصفك بالخروج، أو في مكان خروجك، وحضوره معك في مكان خروجك ألصق بك من حضوره في زمن خروجك، لأن المكان يخصك دون ذلك الزمان، وكلما كان ألصق كانت المفاجأة فيه أقوى. [ ص: 49 ] واختلف في إذا هذه، فقيل إنها حرف، وعليه الأخفش، ورجحه ابن مالك. وقيل ظرف مكان، وعليه المبرد، ورجحه ابن عصفور. وقيل ظرف زمان، وعليه الزجاج، ورجحه الزمخشري، وزعم أن عاملها فعل مقدر مشتق من لفظ المفاجأة. قال: التقدير: ثم إذا دعاكم ... فاجأتم الخروج في ذلك الوقت. قال ابن هشام: ولا يعرف ذلك لغيره، وإنما يعرف ناصبها عندهم الخبر المذكور أو المقدر. قال: ولم يقع الخبر معها في التنزيل إلا مصرحا به.

الثاني: أن تكون لغير المفاجأة، والغالب أن تكون ظرفا للمستقبل تضمنت معنى الشرط. وتختص بالدخول على الجمل الفعلية، وتحتاج لجواب، وتقع في الابتداء، عكس الفجائية، والفعل بعدها إما ظاهر، نحو: إذا جاء نصر الله . وإما مقدر، نحو: إذا السماء انشقت . وجوابها إما فعل، نحو: فإذا جاء أمر الله قضي بالحق . أو جملة اسمية مقرونة بالفاء، نحو: فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم . أو فعلية طلبية كذلك، نحو: فسبح بحمد ربك . أو اسمية مقرونة بإذا المفاجأة، نحو: إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون .

وقد يكون مقدرا لدلالة ما قبله عليه، أو لدلالة المقام، كما تقدم في أنواع الحذف.

وقد تخرج إذا عن الظرفية، قال الأخفش - في قوله تعالى: حتى إذا جاءوها .: إن إذا جر بـ حتى. وقال ابن جني في قوله: إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة خافضة رافعة ، - فيمن نصب خافضة رافعة: إن إذا الأولى مبتدأ والثانية خبر. والمنصوبان حالان. وكذا جملة ليس ومعمولاها. والمعنى وقت وقوع الواقعة خافضة لقوم رافعة لآخرين، وهو وقت رج الأرض. [ ص: 50 ] والجمهور أنكروا خروجها عن الظرفية، وقالوا - في الآية الأولى: إن حتى حرف ابتداء دخل على الجملة بأسرها، ولا عمل له. وفي الثانية إن إذا الثانية، بدل من الأولى والأولى ظرف، وجوابها محذوف لفهم المعنى، وحسنه طول الكلام. وتقديره بعد إذا الثانية، أي انقسمتم انقساما، وكنتم أزواجا ثلاثة.

وقد تخرج عن الاستقبال فترد للحال، نحو: والليل إذا يغشى . فإن الغشيان مقارن لليل. والنهار إذا تجلى والنجم إذا هوى . وللماضي، نحو: وإذا رأوا تجارة أو لهوا . فإن الآية نزلت بعد الرؤية والانفضاض. وكذا قوله تعالى: ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم حتى إذا بلغ مطلع الشمس حتى إذا ساوى بين الصدفين .

وقد تخرج عن الشرطية، نحو: وإذا ما غضبوا هم يغفرون والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ، فإذا في الآيتين ظرف للمبتدأ بعدها، ولو كانت شرطية والجملة الاسمية جواب قرنت بالفاء.

وقول بعضهم: إنه على تقديرها مردود بأنها لا تحذف إلا ضرورة. وقول آخر: إن الضمير توكيد مبتدأ، وإن ما بعده الجواب - تعسف.

وقول آخر إن جوابها محذوف مدلول عليه بالجملة بعدها تكلف من غير ضرورة.

تنبيهات

الأول - المحققون على أن ناصب " إذا " شرطها، والأكثرون أنه ما في جوابها من فعل أو شبهه.

الثاني - قد تستعمل إذا للاستمرار في الأحوال الماضية والحاضرة والمستقبلة. كما يستعمل الفعل المضارع لذلك. ومنه: وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون . [ ص: 51 ] أي هذا شأنهم أبدا. وكذا قوله: وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى .

الثالث - ذكر ابن هشام في المغني إذا ولم يذكر إذا ما، وقد ذكرها الشيخ بهاء الدين السبكي في عروس الأفراح في أدوات الشرط، فأما إذ ما فلم تقع في القرآن. ومذهب سيبويه أنها حرف. وقال المبرد وغيره: إنها باقية على الظرفية وأما " إذا ما " فوقعت في القرآن في قوله: وإذا ما غضبوا هم يغفرون إذا ما أتوك لتحملهم . ولم أجد من تعرض لكونها باقية على الظرفية أو محولة إلى الحرفية. ويحتمل أن يجري فيها القولان في إذ ما. ويحتمل أن يجزم ببقائها على الظرفية، لأنها أبعد عن التركيب بخلاف " إذ ما "

الرابع: تختص " إذا " بدخولها على المتيقن، والمظنون، والكثير الوقوع. بخلاف إن فإنها تستعمل في الشكوك ولوهوم والنادر ولهذا قال تعالى: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم . ثم قال: وإن كنتم جنبا فاطهروا . فأتى بإذا في الوضوء لتكرره وكثرة أسبابه، وبإن في الجنابة لقلة وقوعها بالنسبة إلى الحدث.

وقال تعالى: فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون . أتى في جانب الحسنة بـ إذا لأن نعم الله على العباد كثيرة ومقطوع بها، وبـ إن في جانب السيئة لأنها نادرة الوقوع ومشكوك فيها.

نعم أشكل على هذه القاعدة آيتان الأولى: ولئن متم ، أفإن مت ، مع أن الموت محقق الوقوع. والأخرى قوله: وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون . فأتى بـ إذا في الظرفين. [ ص: 52 ] فأجاب الزمخشري عن الأولى بأن الموت لما كان مجهول الوقت أجري مجرى غير المجزوم.

وأجاب السكاكي عن الثانية بأنه قصد التوبيخ والتقريع، فأتى بإذا ليكون تخويفا لهم، وإخبارا بأنهم لابد أن يمسهم شيء من العذاب، واستفيد التقليل من لفظ المس، وتنكير ضر.

أما قوله: وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض . فأجيب عنه بأن الضمير في مسه للمعرض المتكبر لا لمطلق الإنسان، ويكون لفظ " إذا " للتنبيه على أن مثل هذا المعرض يكون ابتلاؤه بالشر مقطوعا.

وقال الحوفي: الذي أظنه أن " إذا " يجوز دخولها على المتيقن والمشكوك. لأنها ظرف وشرط، فبالنظر إلى الشرط تدخل على المشكوك، وبالنظر إلى الظرف تدخل على المتيقن، كسائر الظروف.

الخامس - خالفت " إذا " " إن " في إفادة العموم. قال ابن عصفور: فإذا قلت إذا قام زيد قام عمرو أفادت أنه كلما قام زيد قام عمرو، وهذا هو الصحيح.

وفي أن المشروط بها إذا كان عدما يقع الجزاء في الحال. وفي " إن " لا يقع الجزاء حتى يتحقق اليأس من وجوده.

وفي أن جزاءها متعقب لشرطها على الاتصال، ولا يتقدم ولا يتأخر. بخلاف إن، وفي أن مدخولها لا تجزمه لأنها لا تتمحض شرطا.

خاتمة

قيل: قد تأتي " إذا " زائدة، وخرج عليه: إذا السماء انشقت ، أي انشقت السماء. [ ص: 53 ] ( إذن) قال سيبويه: معناها الجواب والجزاء، فقال الشلوبين: في كل موضع. وقال الفارسي في الأكثر. والأكثر أن تكون جوابا لـ إن أو لو، ظاهرتين أو مقدرتين. قال الفراء: وحيث جاءت بعدها اللام فقبلها " لو " مقدرة إن لم تكن ظاهرة، نحو: إذا لذهب كل إله بما خلق .

وهي حرف ينصب المضارع بشرط تصديرها واستقباله واتصالها أو انفصالها بالقسم أو بلا النافية.

قال النحاة: وإذا وقعت بعد الواو والفاء جاز فيها الوجهان، نحو: وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا فإذا لا يؤتون الناس نقيرا ، وقرئ شاذا بالنصب فيهما.

وقال ابن هشام: التحقيق أنه إن تقدمها شرط وجزاء وعطفت فإن قدرت العطف على الجزاء جزمت وبطل عمل إذن لوقوعها حشوا، أو على الجملتين جميعا جاز الرفع والنصب، وكذا إذا تقدمها مبتدأ خبره فعل مرفوع إن عطفت على الفعلية رفعت أو على الاسمية فالوجهان.

وقال غيره: إذن نوعان:

الأول: أن تدل على السببية والشرط، بحيث لا يفهم الارتباط من غيرها. نحو: أزورك، فتقول: إذن أكرمك، وهي في هذا الوجه عاملة تدخل على الجمل الفعلية فتنصب المضارع المستقبل المتصل إذا صدرت.

والثاني: أن تكون مؤكدة لجواب ارتبط بمقدم، أو منبهة على سبب حصل في الحال، وهي حينئذ غير عاملة، لأن المؤكدات لا يعتمد عليها، والعامل يعتمد عليه، نحو: إن تأتني إذا أتيتك. ووالله إذن لأفعلن. ألا ترى أنها لو سقطت لفهم الارتباط. وتدخل على الاسمية فتقول: إذن أنا أكرمك. ويجوز توسطها وتأخيرها. ومن هذا قوله تعالى: ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا . فهي مؤكدة للجواب مرتبطة بما تقدم. [ ص: 54 ] تنبيهان

الأول: سمعت شيخنا العلامة الكافيجي يقول في قوله تعالى: ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون - ليست إذا هذه الكلمة المعهودة، وإنما هي إذا الشرطية حذفت جملتها التي تضاف إليها، وعوض عنها التنوين، كما في يومئذ. وكنت أستحسن هذا جدا، وأظن أن الشيخ لا سلف له في ذلك. ثم رأيت الزركشي قال في البرهان - بعد ذكره لإذن المعنيين السابقين: وذكر لها بعض المتأخرين معنى ثالثا، وهو أن تكون مركبة من " إذا " التي هي ظرف زمان ماض، ومن جملة بعدها تحقيقا أو تقديرا، لكن حذفت الجملة تخفيفا، وأبدل منها التنوين، كما في قولهم: حينئذ. وليست هذه الناصبة للمضارع، لأن تلك تختص به، ولذا عملت فيه، ولا يعمل إلا فيما يختص، وهذه لا تختص به، بل تدخل على الماضي، كقوله: وإذا لآتيناهم إذا لأمسكتم خشية الإنفاق إذا لأذقناك . وعلى الاسم، نحو: وإنكم إذا لمن المقربين

قال: وهذا المعنى لم يذكره النحاة، ولكنه قياس ما قالوه في إذ.

وفي التذكرة لأبي حيان: ذكر لي علم الدين القعنبي أن القاضي تقي الدين بن رزين كان يذهب إلى أن إذن عوض من الجملة المحذوفة، وليس هذا قول نحوي.

وقال الحوفي: وأنا أظن أنه يجوز أن تقول لمن قال: أنا آتيك: إذا أكرمك - بالرفع - على معنى إذا أتيتني أكرمك، فحذفت أتيتني وعوضت التنوين عن الجملة فسقطت الألف لالتقاء الساكنين.

قال: ولا يقدح في ذلك اتفاق النحاة على أن الفعل في مثل هذا المثال منصوب بإذن، لأنهم يريدون بذلك ما إذا كانت حرفا ناصبا له، ولا ينفي [ ص: 55 ] ذلك رفع الفعل بعدها إذا أريد بها إذا الزمانية معوضا من جملتها التنوين، كما أن منهم من يجزم ما بعد " من " إذا جعلها شرطية، ويرفعه إذا أريد بها الموصولة.

فهؤلاء قد حاموا حول ما حام الشيخ إلا أنه ليس أحد منهم من المشهورين بالنحو، وممن يعتمد قوله فيه. نعم ذهب بعض النحاة إلى أن أصل إذا الناصبة اسم، والتقدير في إذن أكرمك - إذا جئتني أكرمك، فحذفت الجملة وعوض عنها التنوين وأضمرت إن. وذهب آخرون إلى أنها أحرف مركبة من إذ وإن. حكى القولين ابن هشام في المغني.

التنبيه الثاني: الجمهور على أن إذا يوقف عليها بالألف المبدلة من النون. وعليه إجماع القراء، وجوز قوم منهم المبرد والمازني في غير القرآن الوقوف عليها بالنون كـ إن وأن. وينبني على الخلاف في الوقف عليها كتابتها، فعلى الأول تكتب بالألف كما رسمت في المصاحف. وعلى الثاني بالنون.

وأقول: الإجماع في القرآن على الوقوف عليها، وكتابتها بالألف - دليل على أنها اسم منون لا حرف آخره نون، خصوصا أنها لم تقع فيه ناصبة للمضارع، فالصواب إثبات هذا المعنى لها كما جنح إليه الشيخ ومن سبق النقل عنه.

أف قد قدمنا أنها كلمة تستعمل عند الضجر.

وقد حكى أبو البقاء في قوله تعالى: فلا تقل لهما أف - قولين أحدهما أنه اسم لفعل الأمر، أي كفا واتركا. والثاني أنه اسم لفعل ماض، أي كرهت وتضجرت.

وحكى غيره ثالثا: أنه اسم لفعل مضارع، أي أتضجر منكما.

وأما قوله في سورة الأنبياء: أف لكم . فأحاله أبو البقاء على ما سبق في الإسراء، ومقتضاه تساويهما في المعنى.

وفسر صاحب الصحاح أف بمعنى قذر. وقال في الارتشاف: أتضجر. [ ص: 56 ] وفي البسيط معناه التضجر. وقيل الضجر. وقيل تضجرت. ثم حكى فيها تسعا وثلاثين لغة.

قلت: قرئ منها في السبع أف بالكسر - بلا تنوين. وأف - بالكسر والتنوين. وأف - بالفتح بلا تنوين. وفي الشاذ أف - بالضم منونا. وأف - بالتخفيف.

أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: فلا تقل لهما أف. قال: لا تقذرهما. وأخرج عن أبي مالك قال: هو الرديء من الكلام.

"ال" على ثلاثة أوجه:

أحدها: أن تكون اسما موصولا بمعنى الذي وفروعه، وهي الداخلة على أسماء الفاعلين والمفعولين، نحو: إن المسلمين والمسلمات.. إلى آخر الآية. التائبون العابدون . وقيل هي حينئذ حرف تعريف. وقيل موصول حرفي.

الثاني: أن تكون حرف تعريف، وهي نوعان: عهدية وجنسية، وكل منهما ثلاثة أقسام، فالعهدية إما أن يكون مصحوبها معهودا ذكريا، نحو: كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري . وضابط هذه أن يسد الضمير مسدها مع مصحوبها. أو معهودا ذهنيا، نحو: إذ هما في الغار إذ يبايعونك تحت الشجرة . أو معهودا حضوريا، نحو: اليوم أكملت لكم دينكم اليوم أحل لكم الطيبات .

قال ابن عصفور: وكذا كل واقعة بعد اسم الإشارة، أو أي في النداء، أو إذا الفجائية، أو في اسم الزمن الحاضر، نحو: الآن.

والجنسية إما لاستغراق الأفراد، وهي التي تخلفها " كل " حقيقة، نحو: [ ص: 57 ] وخلق الإنسان ضعيفا عالم الغيب والشهادة . ومن دلائلها صحة الاستثناء من مدخولها، نحو: إن الإنسان لفي خسر

إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات . ووصفه بالجمع، نحو: أو الطفل الذين لم يظهروا . وإما لاستغراق خصائص الأفراد، وهي التي تخلفها

" كل " مجازا، نحو: ذلك الكتاب ، أي الكتاب الكامل في الهداية، الجامع لصفات جميع الكتب المنزلة وخصائصها. وإما لتعريف الماهية والحقيقة والجنس، وهي التي لا تخلفها " كل " لا حقيقة ولا مجازا، نحو: وجعلنا من الماء كل شيء حي أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة .

قيل: والفرق بين المعرف بأل هذه وبين اسم الجنس النكرة هو الفرق بين المقيد والمطلق، لأن المعرف بها يدل على الحقيقة لا باعتبار قيد.

الثالث: أن تكون زائدة، وهي نوعان: لازمة كالتي في الموصولات على القول بأن تعريفها بالصلات، وكالتي في الأعلام المقارنة لنقلها، كاللات والعزى. أو لغلبتها كالبيت للكعبة، والمدينة لطيبة، والنجم للثريا. وهذه في الأصل للعهد.

أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: والنجم إذا هوى . - قال: الثريا.

وغير لازمة في الحال، وخرج عليه قراءة بعضهم: ( ليخرجن الأعز منها الأذل) - بفتح الياء، أي ذليلا، لأن الحال واجبة التنكير، إلا أن ذلك غير فصيح، فالأحسن تخريجه على حذف مضاف، أي خروج الأذل" كما قدره الزمخشري.

مسألة

اختلف في ( أل ) في اسم الله، فقال سيبويه، هي عوض من الهمزة المحذوفة بناء على أن أصله إله، دخلت ( أل ) فنقلت حركة الهمزة إلى اللام، ثم أدغمت. [ ص: 58 ] قال الفارسي: ويدل على ذلك قطع همزها ولزومها.

وقال آخرون: هي مزيدة للتعريف تفخيما وتعظيما، وأصله إلاه أو ولاه.

وقال قوم: هي زائدة لازمة لا للتعريف.

وقال بعضهم: أصله هاء الكناية، زيدت فيه لام الملك، فصار له، ثم زيدت أل تعظيما، وفخموه توكيدا

وقال الخليل، وخلائق: هي من بنية الكلمة، وهي أصل علم لا اشتقاق له ولا أصل.

خاتمة

أجاز الكوفيون وبعض البصريين وكثير من المتأخرين نيابة " ال " عن الضمير المضاف، وخرجوا على ذلك: فإن الجنة هي المأوى . والمانعون يقدرون له. وأجاز الزمخشري نيابتها عن الظاهر أيضا. وخرج عليه: وعلم آدم الأسماء كلها . قال: وأصل الأسماء المسميات.

( ألا ) - بالفتح والتخفيف - وردت في القرآن على أوجه:

أحدها: التنبيه، فتدل على تحقيق ما بعدها. قال الزمخشري: ولذلك قل وقوع الجمل بعدها إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به اسم القسم، وتدخل على الاسمية والفعلية، نحو: ألا إنهم هم السفهاء ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم . قال في المغني: ويقول المعربون فيها: حرف استفتاح فيبينون مكانها ويهملون معناها. وإفادتها التحقيق من جهة تركبها من الهمزة، ولا، وهمزة الاستفهام إذا دخلت على النفي أفادت التحقيق، نحو: أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى . الثاني والثالث: التحضيض والعرض، ومعناها طلب الشيء، لكن الأول طلب بحث، والثاني طلب بلين، وتختص فيهما بالفعلية، نحو: ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم قوم فرعون ألا يتقون [ ص: 59 ] ألا تأكلون ألا تحبون أن يغفر الله لكم

" ألا " - بالفتح والتشديد: حرف تحضيض، لم يقع في القرآن هذا المعنى فما أعلم، إلا أنه يجوز عندي أن يخرج عليه: ألا يسجدوا لله النمل: . وأما قوله: ألا تعلوا علي النمل: ، فليست هذه، بل هي كلمتان: " أن " الناصبة، و " لا " النافية، أو " أن " المفسرة و " لا " الناهية.

" إلا " - بالكسر والتشديد على أوجه:

أحدها - الاستثناء، متصلا، نحو: فشربوا منه إلا قليلا منهم ، ما فعلوه إلا قليل منهم . أو منقطعا، نحو: قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى .

الثاني: بمعنى " غير " ، فيوصف بها وبتاليها جمع منكر أو شبهه، ويعرب الاسم الواقع بعدها بإعراب " غير /" ، نحو: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا . فلا يجوز أن تكون هذه الآية للاستثناء، لأن آلهة جمع منكر في الإثبات، فلا عموم له، فلا يصح الاستثناء منه، ولأنه يصير المعنى حينئذ: لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا وهو باطل باعتبار مفهومه.

الثالث: أن تكون عاطفة بمنزلة الواو في التشريك، ذكره الأخفش والفراء وأبو عبيدة، وخرجوا عليه: لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء . أي ولا الذين ظلموا ولا من ظلم. وتأولها الجمهور على الاستثناء المنقطع.

الرابع: بمعنى بل، ذكره بعضهم وخرج عليه: طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى . أي بل تذكرة. [ ص: 60 ] الخامس: بمعنى بدل ، ذكره ابن الصائغ، وخرج عليه: آلهة إلا الله، أي بدل الله أو عوضه، وبه يخرج عن الإشكال المذكور في الاستثناء وفي الوصف بالا من جهة المفهوم.

وغلط ابن مالك فعد من أقسامها، نحو: إلا تنصروه فقد نصره الله ، وليست منها، بل هي كلمتان: إن الشرطية، ولا النافية.

فائدة

قال الرماني في تفسيره: معنى " إلا " اللازم لها الاختصاص بالشيء دون غيره، فإذا قلت: جاءني القوم إلا زيدا فقد اختصصت زيدا بأنه لم يجئ. وإذا قلت: ما جاءني القوم إلا زيدا فقد اختصصته بالمجيء، وإذا قلت: ما جاءني زيد إلا راكبا فقد اختصصته بهذه الحال دون غيرها من الشيء والعدو ونحوه.

( الآن) اسم للزمان الحاضر، وقد تستعمل في غيره مجازا. وقال قوم: هي حد للزمانين، أي ظرف للماضي، وظرف للمستقبل. وقد يتجوز بها عما قرب من أحدهما.

وقال ابن مالك: لوقت حضر جميعه، كوقت فعل الإنشاء حال النطق به. أبو بعضه، نحو: الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا . قال: وظرفيته غالبة لازمة.

واختلف في " ال "التي فيه، فقيل للتعريف الحضوري، وقيل زائدة لازمة.

( إلى ) حرف جر، وله معنيان:

أشهرهما انتهاء الغاية زمانا، نحو: " أتموا الصيام إلى الليل " . أو مكانا نحو: إلى المسجد الأقصى . أو غيرهما، نحو: والأمر إليك . ولم يذكر لها الأكثرون غير هذا المعنى. [ ص: 61 ] وزاد ابن مالك وغيره تبعا للكوفيين معاني أخر، منها المعية كمع، وذلك إذا ضممت شيئا إلى آخر في الحكم به أو عليه أو التعلق، نحو: من أنصاري إلى الله وأيديكم إلى المرافق ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم .

قال الرضي: والتحقيق أنها للانتهاء، أي مضافة إلى المرافق وإلى أموالكم.

وقال غيره: ما ورد من ذلك يؤول على تضمين العامل وإبقاء " إلى " على أصلها. والمعنى في الآية الأولى من يضيف نصرته إلى نصرة الله، أو من ينصرني حال كوني ذاهبا إلى الله.

ومنها الظرفية كـ في، نحو: ليجمعنكم إلى يوم القيامة . أي فيه. وقوله: إلى أن تزكى ، أي في أن.

ومنها مرادفة اللام، وجعل منه: والأمر إليك ، أي لك. وتقدم أنه من الانتهاء.

ومنها التبيين، قال ابن مالك: وهي المبينة لفاعلية مجرورها بعد ما يفيد حبا أو بغضا، من فعل تعجب، أو اسم تفضيل! نحو: رب السجن أحب إلي . ومنها التوكيد - وهي الزائدة نحو: أفئدة من الناس تهوي إليهم ، - في قراءة بعضهم بفتح الواو: أي تهواهم، قاله الفراء. وقال غيره: هو على تضمين تهوى معنى تميل.

تنبيه

حكى ابن عصفور في شرح أبيات الإيضاح عن ابن الأنباري: أن " إلى " تستعمل اسما، فيقال: انصرفت من إليك، كما يقال غدوت من عليه. وخرج عليه من القرآن قوله تعالى: وهزي إليك ، وبه يندفع إشكال [ ص: 62 ] أبي حيان فيه بأن القاعدة المشهورة أن الفعل لا يتعدى إلى ضمير متصل بنفسه أو بالحرف، وقد رفع المتصل وهو لمدلول واحد في غير باب ظن.

( اللهم ) المشهور أن معناه يا الله، حذفت ياء النداء، وعوض منها الميم المشددة في آخره. وقيل: أصله يا الله أمنا بخير، فركب تركيب حيهلا.

وقال أبو رجاء العطاردي: الميم تجمع تسعين اسما من أسمائه.

وقال ابن ظفر: قيل إنها الاسم الأعظم، واستدل لذلك بأن الله دال على الذات، والميم دالة على الصفات التسعة والتسعين، ولهذا قال الحسن البصري: اللهم تجمع الدعاء.

وقال النضر بن شميل: من قال اللهم فقد دعا الله بجميع أسمائه.

( أم ) حرف عطف، وهي نوعان: متصلة، وهي قسمان:

الأول: أن يتقدم عليها همزة التسوية، نحو: سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم .

والثاني: أن يتقدم عليها همزة يطلب بها وبأم التعيين، نحو: آلذكرين حرم أم الأنثيين . وسميت في القسمين متصلة، لأن ما قبلها وما بعدها لا يستغنى بأحدهما عن الآخر، وتسمى أيضا معادلة، لمعادلتها الهمزة في إفادتها التسوية في القسم الأول والاستفهام في الثاني. ويفترق القسمان من أربعة أوجه:

أحدها وثانيها أن الواقعة بعد همزة التسوية لا تستحق جوابا، لأن المعنى معها ليس على الاستفهام. وأن الكلام معها قابل للتصديق والتكذيب، لأنه خبر، وليست تلك كذلك، لأن الاستفهام معها على حقيقته.

والثالث والرابع أن الواقعة بعد همزة التسوية لا تقع إلا بين جملتين، [ ص: 63 ] ولا تكون الجملتان معها إلا في تأويل المفردين، وتكون الجملتان فعليتين واسميتين ومختلفتين، نحو: سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون .

وأم الآخر تقع بين المفردين، وهو الغالب فيها، نحو: أأنتم أشد خلقا أم السماء . وبين الجملتين ليسا في تأويلهما.

النوع الثاني: منقطعة، وهي ثلاثة أقسام: مسبوقة بالخبر المحض، نحو: تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين

أم يقولون افتراه .

ومسبوقة بالهمزة لغير الاستفهام، نحو: ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها ، إذ الهمزة في ذلك للإنكار، فهي بمنزلة النفي. والمتصلة لا تقع بعده.

ومسبوقة باستفهام بغير الهمزة، نحو: هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور .

ومعنى أم المنقطعة التي لا يفارقها الإضراب، ثم تارة تكون له مجردة، وتارة تضمن مع ذلك استفهاما إنكاريا أو استفهاما طلبيا، فمن الأول: أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء ، لأنه لا يدخل الاستفهام على استفهام. ومن الثاني: أم له البنات ولكم البنون ، تقديره: بل أله البنات، إذ لو قدرت الإضراب المحض لزم المحال.

تنبيهان

الأول: قد ترد أم محتملة الاتصال والانفصال، كقوله تعالى: قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون ، قال الزمخشري: يجوز في أم أن تكون معادلة بمعنى أي الأمرين كائن على سبيل التقرير لحصول العلم بكون أحدهما، ويجوز أن تكون منقطعة. [ ص: 64 ] الثاني: ذكر أبو زيد أن أم تقع زائدة، وخرج عليه قوله تعالى: أفلا تبصرون أم أنا خير ، قال: التقدير: أفلا تبصرون أنا خير.

( أما ) - بالفتح والتشديد - حرف شرط وتفصيل وتوكيد، أما كونها شرطا فبدليل لزوم الفاء بعدها، نحو: فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا . وأما قوله تعالى: فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم ، - فعلى تقدير القول، أي فيقال لهم أكفرتم، فحذف القول استغناء عنه بالمقول، فتبعته الفاء في الحذف. وكذا قوله: وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي .

وأما التفصيل فهو غالب أحوالها، كما تقدم، وكقوله: أما السفينة فكانت لمساكين وأما الغلام فكان وأما الجدار فكان .

وقد يترك تكريرها استغناء بأحد القسمين عن الآخرين، وقد تقدم في أنواع الحذف.

وأما التوكيد، فقال الزمخشري: فائدة أما في الكلام أن تعطيه فضل توكيد. تقول: زيد ذاهب، فإذا قصدت توكيد ذلك، وأنه لا محالة ذاهب، وأنه بصدد الذهاب، وأنه منه عزيمة قلت: أما زيد فذاهب، ولذلك قال سيبويه في تفسيرها: مهما يكن من شيء فزيد ذاهب.

ويفصل بين أما والفاء إما بمبتدأ كالآيات السابقة، أو خبر، نحو: أما في الدار فزيد، أو جملة شرط، نحو: فأما إن كان من المقربين

فروح ، الآيات. أو اسم منصوب بالجواب، نحو: فأما اليتيم فلا تقهر . أو اسم معمول لمحذوف يفسره ما بعد الفاء، نحو: وأما ثمود فهديناهم - في قراءة بعضهم بالنصب. [ ص: 65 ] تنبيه:

ليس من أقسام أما - أما التي في قوله تعالى: أماذا كنتم تعملون . بل هي كلمتان: " أم " المنقطعة، و " ما " الاستفهامية.

( إما ) بالكسر والتشديد - ترد لمعان:

الإبهام، نحو: وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم .

والتخيير، نحو: إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى فإما منا بعد وإما فداء .

والتفصيل، نحو: إما شاكرا وإما كفورا .

تنبيهات

الأول: لا خلاف في أن إما الأولى في هذه الأمثلة ونحوها غير عاطفة. واختلف في الثانية: فالأكثرون على أنها عاطفة، وأنكره جماعة منهم ابن مالك، لملازمتها غالبا الواو العاطفة. وادعى ابن عصفور الإجماع على ذلك، قال: وإنما ذكروها في باب العطف لمصاحبتها لحرفه. وذهب بعضهم إلى أنها عطفت الاسم على الاسم، والواو عطفت إما على إما، وهو غريب.

الثاني: ستأتي هذه المعاني لـ أو، والفرق بينهما وبين " إما " إما لأن ( إما) ينبني الكلام معها من أول الأمر على ما جيء بها لأجله، ولذلك وجب تكرارها، وأو يفتتح الكلام معها على الجزم ثم يطرأ الإبهام، أو غير ذلك. ولهذا لم تتكرر.

الثالث: ليس من أقسام إما التي في قوله تعالى: فإما ترين من البشر أحدا ، بل هي كلمتان: إن الشرطية، وإما الزائدة.

( إن ) بالكسر والتخفيف - على أوجه: [ ص: 66 ] الأول: أن تكون شرطية، نحو: إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين . وإذا دخلت على لم فالجزم بلم لا بها، نحو: فإن لم تفعلوا . وعلى لا فالجزم بها لا بلا، نحو: وإلا تغفر لي وترحمني إلا تنصروه .

والفرق أن لم عامل يلزم معموله، ولا يفصل بينهما بشيء، و " إن " يجوز الفصل بينها وبين معمولها بعدوله، و ( لا ) لا تعمل الجزم إذا كانت نافية، فأضيف العمل إلى ( إن ) .

الثاني: أن تكون نافية، وتدخل على الاسمية والفعلية، نحو: إن الكافرون إلا في غرور إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم إن أردنا إلا الحسنى إن يدعون من دونه إلا إناثا . قيل: ولا تقع ( إن ) إلا وبعدها إلا كما تقدم، أو لما المشددة، نحو: إن كل نفس لما عليها حافظ - في قراءة التشديد.

ورد بقوله: إن عندكم من سلطان بهذا وإن أدري لعله فتنة لكم .

ومما حمل على النافية قوله: إن كنا فاعلين قل إن كان للرحمن ولد . وعلى هذا فالوقف هنا. ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه . وقيل هي زائدة، ويؤيد الأول قوله: مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ، وعدل عن ما لئلا يتكرر فيثقل اللفظ.

قلت: وكونها للنفي هو الوارد عن ابن عباس كما تقدم.

وقد اجتمعت الشرطية والنافية في قوله: ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده . [ ص: 67 ] وإذا دخلت النافية على الاسمية تعمل عند الجمهور، وأجاز الكسائي والمبرد إعمالها عمل ليس، وخرج عليه قراءة سعيد بن جبير: إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم .

فائدة

أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كل شيء في القرآن إن فهو إنكار.

الثالث: أن تكون مخففة من الثقيلة، فتدخل على الجملتين، ثم الأكثر إذا دخلت على الاسمية إهمالها، نحو: وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا وإن كل لما جميع لدينا محضرون إن هذان لساحران - في قراءة حفص وابن كثير.

وقد تعمل، نحو: وإن كلا لما ليوفينهم - في قراءة الحرميين.

وإذا دخلت على الفعل فالأكثر كونه ماضيا ناسخا، نحو: وإن كانت لكبيرة وإن كادوا ليفتنونك وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين . ودونه أن يكون مضارعا ناسخا، نحو: وإن يكاد الذين كفروا وإن نظنك لمن الكاذبين . وحيث وجدت إن وبعدها اللام المفتوحة فهي المخففة من الثقيلة.

الرابع: أن تكون زائدة، وخرج عليه: فيما إن مكناكم فيه .

الخامس: أن تكون للتعليل كـ إذ، قاله الكوفيون وخرجوا عليه: واتقوا الله إن كنتم مؤمنين لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين . ونحو ذلك مما الفعل فيه محقق الوقوع. [ ص: 68 ] وأجاب الجمهور عن هذه المشيئة بأنه تعليم للعباد كيف يتكلمون إذا أخبروا عن المستقبل، وبأن أصل ذلك الشرط، ثم صار يذكر للتبرك. أو بأن المعنى لتدخلن المسجد جميعا إن شاء الله ولا يموت منكم أحد قبل الدخول.

وعن سائر الآيات بأنه شرط جيء به للتهييج والإلهاب، كما تقول لابنك: إن كنت ابني فأطعني.

السادس: أن تكون بمعنى قد، ذكره قطرب، وخرج عليه: فذكر إن نفعت الذكرى ، أي قد نفعت. ولا يصح معنى الشرط فيه، لأنه مأمور بالتذكير على كل حال.

وقال غيره: هي للشرط، ومعناه ذمهم واستبعاد لنفع التذكير فيهم. وقيل التقدير: وإن لم تنفع، على حد قوله: سرابيل تقيكم الحر .

فائدة

قال بعضهم: وقع في القرآن إن بصيغة الشرط، وهو غير مراد في ستة مواضع: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة إن ارتبتم فعدتهن أن تقصروا من الصلاة إن خفتم وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا .

( أن ) بالفتح والتخفيف - على أوجه:

الأول: أن تكون حرفا مصدريا ناصبا للمضارع، وتقع في موضعين: الابتداء، فتكون في محل رفع، نحو: وأن تصوموا خير لكم 1. وأن تعفوا أقرب للتقوى . [ ص: 69 ] وبعد فعل دال على معنى غير اليقين، فتكون في محل رفع، نحو: ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم . ونصب، نحو: نخشى أن تصيبنا دائرة وما كان هذا القرآن أن يفترى فأردت أن أعيبها . وخفض، نحو: أوذينا من قبل أن تأتينا من قبل أن يأتي أحدكم الموت .

وأن هذه موصول حرفي، وتوصل بالفعل المتصل: مضارعا كما مر. وماضيا، نحو: لولا أن من الله علينا ولولا أن ثبتناك . وقد يرفع المضارع بعدها إهمالا لها، حملا على

" ما " أختها، كقراءة ابن محيصن: لمن أراد أن يتم الرضاعة .

الثاني: أن تكون مخففة من الثقيلة، فتقع بعد فعل اليقين، أو ما نزل منزلته. نحو: أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا علم أن سيكون وحسبوا ألا تكون فتنة - في قراءة الرفع.

الثالث: أن تكون مفسرة بمنزلة أي، نحو: فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ، ونودوا أن تلكم الجنة .

وشرطها أن تسبق بجملة، فلذلك غلط من جعل منها: وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين . وأن يتأخر عنها جملة، وأن يكون في الجملة السابقة معنى القول. ومنه: وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا . إذ ليس المراد بالانطلاق المشي، بل انطلاق ألسنتهم بهذا الكلام. كما أنه ليس المراد بالمشي المتعارف، بل الاستمرار على المشي. وزعم الزمخشري أن التي في قوله: أن اتخذي من الجبال بيوتا - مفسرة. [ ص: 70 ] ورد بأن قوله: وأوحى ربك إلى النحل ، والوحي هنا إلهام باتفاق، وليس في الإلهام معنى القول، وإنما هي مصدرية، أي باتخاذ الجبال.

وألا يكون في الجملة السابقة أحرف القول، وذكر الزمخشري في قوله: ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله - أنه يجوز أن تكون مفسرة بالقول على تأويله بالأمر، أي ما أمرتهم إلا بما أمرتني به أن اعبدوا الله.

قال ابن هشام: وهو حسن. وعلى هذا فيقال في الضابط: ألا يكون فيها حروف القول إلا والقول مؤول بغيره.

قلت: وهذا من الغرائب كونهم يشترطون أن يكون فيها معنى القول، فإذا جاء لفظه أولوه بما فيه مع صريحه، وهو نظير ما تقدم من جعلهم " ال " في الآن زائدة مع قولهم بتضمنه معناها وألا يدخل عليها حرف جر.

الرابع: أن تكون زائدة، والأكثر أن تقع بعد لما التوقيفية، نحو: ولما أن جاءت رسلنا لوطا . وزعم الأخفش أنها قد تنصب المضارع وهي زائدة، وخرج عليه: وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وما لنا ألا نتوكل على الله ، قال: فهي زائدة، بدليل: وما لنا ألا نتوكل على الله .

الخامس: أن تكون شرطية كالمكسورة، قاله الكوفيون، وخرج عليه: أن تضل إحداهما أن صدوكم عن المسجد الحرام صفحا أن كنتم قوما مسرفين . قال ابن هشام: ويرجحه عندي تواردهما على محل واحد والأصل التوافق. وقد قرئ بالوجهين في الآيات المذكورة، ودخول الفاء بعدها في قوله: فتذكر .

السادس: أن تكون نافية، قاله بعضهم في قوله: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم : أي لا يؤتى. [ ص: 71 ] والصحيح أنها مصدرية، أي ولا تؤمنوا أن يؤتى، أي بإيتاء أحد.

السابع: أن تكون للتعليل كـ إذ، قاله بعضهم في قوله: بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا . والصواب أنها مصدرية وقبلها لام التعليل مقدرة.

الثامن: أن تكون بمعنى لئلا، قاله بعضهم في قوله: يبين الله لكم أن تضلوا ، أي لئلا تضلوا. والصواب أنها مصدرية، والتقدير كراهة أن تضلوا.

( إن ) بالكسر والتشديد - على أوجه:

أحدها: التأكيد والتحقيق، وهو الغالب، نحو: إن الله غفور رحيم إنا إليكم لمرسلون . قال عبد القاهر: والتأكيد بها أقوى من التأكيد باللام. قال: وأكثر مواقعها بحسب الجواب لسؤال ظاهر أو مقدر إذا كان للسائل فيه ظن.

الثاني: التعليل، أثبته ابن جني وأهل البيان، ومثلوه بنحو: واستغفروا الله إن الله غفور رحيم وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي . وهو نوع من التأكيد.

الثالث: معنى نعم، أثبته الأكثرون، وخرج عليه قوم: إن هذان لساحران .

( أن ) بالفتح والتشديد - على وجهين:

أحدهما: أن تكون حرف تأكيد. والأصح أنها فرع المكسورة، وأنها موصول حرفي تؤول مع اسمها وخبرها بالمصدر، فإن كان الخبر مشتقا فالمصدر المؤول به من لفظه، نحو: لتعلموا أن الله على كل شيء قدير .، أي قدرته. وإن كان جامدا قدر بالكون. [ ص: 72 ] وقد استشكل كونها للتأكيد بأنك لو صرحت بالمصدر المنسبك لم يفد توكيدا.

وأجيب بأن التأكيد للمصدر المنحل، وبهذا لم يفرق بينها وبين إن المكسورة، لأن التأكيد في المكسورة للإسناد، وهذه لأحد الطرفين.

الثاني: أن تكون لغة في لعل، وخرج عليها: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون - في قراءة الفتح، أي لعلها.

( أنى ) اسم مشترك بين الاستفهام والشرط، فأما الاستفهام فترد فيه بمعنى كيف، نحو: أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأنى يؤفكون .

ومن أين، نحو: أنى لك هذا ، أي من أين. قلتم أنى هذا ، أي من أين جاءنا.

قال في عروس الأفراح: والفرق بين أين ومن أين أن أين سؤال عن المكان الذي حل فيه الشيء. ومن أين سؤال عن المكان الذي برز منه الشيء، وجعل من هذا المعنى ما قرئ شاذا: أنا صببنا الماء صبا .

وبمعنى متى، وقد ذكرت المعاني الثلاثة في قوله تعالى: فأتوا حرثكم أنى شئتم ، فأخرج ابن جرير الأول من طريق ابن عباس. وأخرج الثاني عن الربيع بن أنس واختاره، وأخرج الثالث عن الضحاك، وأخرج قولا رابعا عن ابن عمر وغيره: أنها بمعنى حيث شئتم.

واختار أبو حيان وغيره أنها في الآية شرطية، وحذف جوابها لدلالة ما قبلها عليه، لأنها لو كانت استفهامية لاكتفت بما بعدها كما هو شأن الاستفهامية أن يكتفى بما بعدها وأن يكون كلاما يحسن السكوت عليه أو اسما أو فعلا.

( أو) حرف عطف ترد لمعان:

الشك من المتكلم، نحو: قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم . [ ص: 73 ] والإبهام على السامع، نحو: وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين .

والتخيير بين المعطوفين بأن يمتنع الجمع بينهما.

والإباحة بألا يمتنع الجمع.

ومثل الثاني بقوله تعالى: ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم الآية. ومثل الأول بقوله: ففدية من صيام أو صدقة أو نسك . وقوله: فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة .

واستشكل بأن الجمع في الآيتين غير ممتنع.

وأجاب ابن هشام بأنه ممتنع بالنسبة إلى وقوع كل كفارة أو فدية، بل تقع واحدة منهن كفارة أو فدية. والثاني قربة مستقلة خارجة عن ذلك.

قلت: وأوضح من هذا التمثيل قوله: أن يقتلوا أو يصلبوا . على قول من جعل الخيرة في ذلك إلى الإمام، فإنه يمتنع عليه الجمع بين هذه الأمور، بل يفعل منها واحدا يؤدي اجتهاده إليه.

والتفصيل بعد الإجمال، نحو: وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قالوا ساحر أو مجنون ، أي قال بعضهم كذا، وقال بعضهم كذا.

والإضراب كـ بل، وخرج عليه قوله: وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فكان قاب قوسين أو أدنى . وقراءة بعضهم: أوكلما عاهدوا عهدا - بسكون الواو.

ومطلق الجمع كالواو، نحو: لعله يتذكر أو يخشى لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا . [ ص: 74 ] والتقريب، ذكره الحريري وأبو البقاء، وجعل منه: وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب .

ورد بأن التقريب مستفاد من غيرها.

ومعنى إلا في الاستثناء، ومعنى إلى، وهاتان ينصب المضارع بعدهما بـ أن مضمرة، وخرج عليه: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة . فقيل: إنه منصوب لا مجزوم بالعطف على "تمسوهن"، لئلا يصير المعنى: لا جناح عليكم فما يتعلق بمهور النساء إن طلقتموهن في مدة انتفاء أحد هذين الأمرين، مع أنه إذا انتفى الفرض دون المسيس لزم مهر المثل، وإذا انتفى المسيس دون الفرض لزم نصف المسمى. فكيف يصح رفع الجناح عند انتفاء أحد الأمرين، ولأن المطلقات المفروض لهن قد ذكر ثانيا بقوله: وإن طلقتموهن . وترك ذكر الممسوسات بما تقدم من المفهوم. ولو كان تفرضوا مجزوما لكانت الممسوسات والمفروض لهن مستويات في الذكر. وإذا قدرت " أو " بمعنى إلا خرجت المفروض لهن عن مشاركة الممسوسات في الذكر، وكذا إذا قدرت بمعنى " إلى " وتكون غاية لنفي الجناح لا لنفي المسيس.

وأجاب ابن الحاجب عن الأول بمنع كون المعنى مدة انتفاء أحدهما، بل مدة لم يكن واحد منهما، وذلك ينفيهما جميعا، لأنه نكرة في سياق النفي الصريح.

وأجاب بعضهم عن الثاني بأن ذكر المفروض لهن إنما كان لتعين النصف لهن لا لبيان أن لهن شيئا في الجملة.

ومما خرج على هذا المعنى قراءة أبي: تقاتلونهم أو يسلمون . تنبيهات

الأول: لم يذكر المتقدمون لـ " أو " هذه المعاني، بل قالوا: هي لأحد الشيئين أو الأشياء. [ ص: 75 ] قال ابن هشام: وهو التحقيق، والمعاني المذكورة مستفادة من القرائن.

الثاني: قال أبو البقاء: أو في النهي نقيضة أو في الإباحة، فيجب اجتناب الأمرين، كقوله: ولا تطع منهم آثما أو كفورا ، فلا يجوز فعل أحدهما، فلو جمع بينهما كان فاعلا للمنهي عنه مرتين، لأن كل واحد منهما كان منهيا عنه لا أحدهما.

وقال غيره: " أو " في هذا بمعنى الواو تفيد الجمع.

وقال الخطيب: الأولى أنها على بابها، وإنما جاء التعميم فيها من النهي الذي فيه معنى النفي، والنكرة في سياق النفي تعم، لأن المعنى قبل النهي: تطيع آثما أو كفورا، أي واحدا منهما، فإذا جاء النهي ورد على ما كان ثابتا، فالمعنى لا تطع واحدا منهما، فالتعميم فيها من جهة النفي، وهي على بابها.

الثالث: لكون مبناها على عدم التشريك عاد الضمير إلى مفردها بالإفراد. بخلاف الواو. وأما قوله: إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما . فقيل إنها بمعنى الواو. وقيل المعنى إن يكن الخصمان غنيين أو فقيرين.

فائدة

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: كل شيء في القرآن فيه

"أو" فهو مخير، فإذا كان ممن لم يخير فهو الأول فالأول.

وأخرج البيهقي في سننه عن ابن جريج. قال: كل شيء في القرآن فيه " أو " فالتخيير إلا قوله: أن يقتلوا أو يصلبوا .، ليس بمخير فيهما. قال الشافعي بهذا أقول.

" أولى " في قوله: أولى لك فأولى . وفي قوله: فأولى لهم ، قال في الصحاح: قولهم: أولى لك، كلمة تهدد ووعيد، قال الشاعر: "


فأولى ثم أولى ثم أولى

" [ ص: 76 ] قال الأصمعي: معناه قاربه ما يهلكه، أي نزل به.

قال الجوهري: ولم يقل أحد فيها أحسن مما قاله الأصمعي.

وقال قوم: هو اسم فعل مبني، ومعناه أولى لك شر بعد شر، ولك تبيين.

وقيل: هو علم للوعيد غير معروف، ولذا لم ينون، وإن محله رفع على الابتداء ولك الخبر، ووزنه على هذا فعلى للإلحاق. وقيل افعل.

وقيل معناه الويل لك، وإنه مقلوب منه. والأصل أويل، فأخر حرف العلة. ومنه قول الخنساء:

هممت بنفسي بعض الهموم ...     فأولى لنفسي أولى لها



وقيل معناه الذم لك أولى من تركه، فحذف المبتدأ لكثرة دورانه في الكلام.

وقيل المعنى أنت أولى وأجدر بهذا العذاب، كأنه يقول: قد وليت الهلاك. أو قد دانيت الهلاك. وأصله من الولي وهو القرب، ومنه قوله تعالى: قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ، أي يقربون منكم.

وقال النحاس: العرب تقول أولى لك، أي كدت تهلك، وكأن تقديره أولى لك الهلكة.

( إي ) بالكسر والسكون - حرف جواب بمعنى نعم، فتكون لتصديق المخبر ولإعلام المستخبر، ولوعد الطالب. قال النحاة: ولا تقع إلا قبل القسم.

قال ابن الحاجب: وإلا بعد الاستفهام، نحو: ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي .

( أي ) بالفتح والتشديد - على أوجه:

الأول: أن تكون شرطية، نحو: أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى .

الثاني: استفهامية، نحو: أيكم زادته هذه إيمانا . [ ص: 77 ] وإنما يسأل بها عما يميز أحد المتشاركين في أمر يعمهما، نحو: أي الفريقين خير مقاما ، أنحن أم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -.

الثالث: موصولة، نحو: لننزعن من كل شيعة أيهم أشد . وهي في الأوجه الثلاثة معربة. وتبنى في الوجه الثالث على الضم إذا حذف عائدها وأضيفت كالآية المذكورة. وأعربها الأخفش في هذه الحالة أيضا، وخرج عليه قراءة بعضهم بالنصب. وأول قراءة الضم على الحكاية، وأولها غيره على التعليق للفعل. وأولها الزمخشري على أنها خبر مبتدأ محذوف. وتقدير الكلام لننزعن بعض كل شيعة، فكأنه قيل من هذا البعض؟ ، فقيل: هو الذي بالمكر أشد، فحذف المبتدآن ثم المكتنفان لـ أي.

وزعم ابن الطراوة على أنها في الآية مقطوعة عن الإضافة مبنية، وأيهم أشد مبتدأ وخبر.

ورد برسم الضمير متصلا بأي، وبالإجماع على إعرابها إذا لم تضف.

الرابع: أن تكون وصلة إلى نداء ما فيه أل، نحو: يا أيها الناس. يا أيها النبي.

( إيا ) زعم الزجاج أنه اسم ظاهر. والجمهور أنه ضمير. ثم اختلفوا فيه على أقوال:

أحدها: أنه كله ضمير هو وما اتصل به.

والثاني: أنه وحده ضمير، وما بعده اسم مضاف له يفسره ما يراد به من تكلم أو غيبة أو خطاب، نحو: فإياي فارهبون بل إياه تدعون إياك نعبد .

والثالث: أنه وحده ضمير وما بعده حروف تفسر المراد.

والرابع: أنه عماد وما بعده هو الضمير. وقد غلط من زعم أنه مشتق. [ ص: 78 ] وفيه سبع لغات - وقرئ بها: تشديد الياء، وتخفيفها مع الهمزة، وإبدالها هاء مفتوحة ومكسورة. هذه ثمانية يسقط منها فتح الهاء مع التشديد.

( أيان ) اسم استفهام، وإنما يستفهم به مع الزمان المستقبل، كما جزم به ابن مالك وأبو حيان، ولم يذكرا فيه خلافا. وذكر صاحب إيضاح المعاني مجيئها للماضي.

وقال السكاكي: لا تستعمل إلا في مواضع التفخيم وغيره. وقال بالأول من النحاة علي بن عيسى الربعي، وتبعه صاحب البسيط، فقال: إنها تستعمل في الاستفهام عن الشيء المعظم أمره.

وفي الكشاف: قيل إنها مشتقة من أي، فعلان منه، لأن معناه أي وقت؟. وأي فعل؟، من أويت إليه، لأن البعض أوى إلى الكل ومتساند له، وهو بعيد. وقيل أصله أي آن. وقيل أي أوان، حذفت الهمزة من أوان والياء الثانية من أي، وقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء الساكنة فيها. وقرئ بكسر همزتها.

( أين ) اسم استفهام عن المكان، نحو: فأين تذهبون . ويرد شرطا عاما في الأمكنة.

وأينما أعم منها، نحو: أينما يوجهه لا يأت بخير .