الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 429 ] فصل . وأما " الاستثناء في الإيمان " بقول الرجل : أنا مؤمن إن شاء الله فالناس فيه على " ثلاثة " أقوال : منهم من يوجبه ومنهم من يحرمه ومنهم من يجوز الأمرين باعتبارين ; وهذا أصح الأقوال . فالذين يحرمونه هم المرجئة والجهمية ونحوهم ممن يجعل الإيمان شيئا واحدا يعلمه الإنسان من نفسه كالتصديق بالرب ونحو ذلك مما في قلبه ; فيقول أحدهم : أنا أعلم أني مؤمن كما أعلم أني تكلمت بالشهادتين وكما أعلم أني قرأت الفاتحة وكما أعلم أني أحب رسول الله ; وأني أبغض اليهود والنصارى . فقولي : أنا مؤمن كقولي : أنا مسلم وكقولي : تكلمت بالشهادتين وقرأت الفاتحة وكقولي : أنا أبغض اليهود والنصارى ونحو ذلك من الأمور الحاضرة التي أنا أعلمها وأقطع بها وكما أنه لا يجوز أن يقال : أنا قرأت الفاتحة إن شاء الله كذلك لا يقول : أنا مؤمن إن شاء الله لكن إذا كان يشك في ذلك فيقول : فعلته إن شاء الله قالوا : فمن استثنى في إيمانه فهو شاك فيه وسموهم الشكاكة . والذين أوجبوا الاستثناء لهم مأخذان : ( أحدهما أن الإيمان هو ما مات عليه الإنسان ; والإنسان إنما يكون [ ص: 430 ] عند الله مؤمنا وكافرا باعتبار الموافاة وما سبق في علم الله أنه يكون عليه وما قبل ذلك لا عبرة به . قالوا : والإيمان الذي يتعقبه الكفر فيموت صاحبه كافرا ليس بإيمان كالصلاة التي يفسدها صاحبها قبل الكمال ; وكالصيام الذي يفطر صاحبه قبل الغروب وصاحب هذا هو عند الله كافر لعلمه بما يموت عليه وكذلك قالوا في الكفر وهذا المأخذ مأخذ كثير من المتأخرين من الكلابية وغيرهم ممن يريد أن ينصر ما اشتهر عن أهل السنة والحديث من قولهم : أنا مؤمن إن شاء الله ; ويريد مع ذلك أن الإيمان لا يتفاضل ; ولا يشك الإنسان في الموجود منه وإنما يشك في المستقبل وانضم إلى ذلك أنهم يقولون : محبة الله ورضاه وسخطه وبغضه قديم . ثم هل ذلك هو الإرادة أم صفات أخر ؟ لهم في ذلك " قولان " .

وأكثر قدمائهم يقولون : إن الرضى والسخط والغضب ونحو ذلك صفات ليست هي الإرادة كما أن السمع والبصر ليس هو العلم وكذلك الولاية والعداوة . هذه كلها صفات قديمة أزلية عند أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب ومن اتبعه من المتكلمين ومن أتباع المذاهب من الحنبلية والشافعية والمالكية وغيرهم . قالوا : والله يحب في أزله من كان كافرا إذا علم أنه يموت مؤمنا . فالصحابة ما زالوا محبوبين لله وإن كانوا قد عبدوا الأصنام مدة من الدهر وإبليس ما زال الله يبغضه وإن كان لم يكفر بعد . وهذا على أحد القولين لهم فالرضى والسخط [ ص: 431 ] يرجع إلى الإرادة والإرادة تطابق العلم . فالمعنى : ما زال الله يريد أن يثيب هؤلاء بعد إيمانهم ويعاقب إبليس بعد كفره . وهذا معنى صحيح . فإن الله يريد أن يخلق كل ما علم أن سيخلقه . وعلى قول من يثبتها صفات أخر يقول : هو أيضا حبه تابع لمن يريد أن يثيبه . فكل من أراد إثابته فهو يحبه وكل من أراد عقوبته فإنه يبغضه وهذا تابع للعلم . وهؤلاء عندهم لا يرضى عن أحد بعد أن كان ساخطا عليه ولا يفرح بتوبة عبد بعد أن تاب عليه بل ما زال يفرح بتوبته . والفرح عندهم إما الإرادة وإما الرضى . والمعنى ما زال يريد إثابته أو يرضى عما يريد إثابته . وكذلك لا يغضب عندهم يوم القيامة دون ما قبله . بل غضبه قديم إما بمعنى الإرادة وإما بمعنى آخر . فهؤلاء يقولون : إذا علم أن الإنسان يموت كافرا لم يزل مريدا لعقوبته فذاك الإيمان الذي كان معه باطل لا فائدة فيه بل وجوده كعدمه . فليس هذا بمؤمن أصلا وإذا علم أنه يموت مؤمنا لم يزل مريدا لإثابته وذاك الكفر الذي فعله وجوده كعدمه . فلم يكن هذا كافرا عندهم أصلا . فهؤلاء يستثنون في الإيمان بناء على هذا المأخذ وكذلك بعض محققيهم يستثنون في الكفر مثل أبي منصور الماتريدي فإن ما ذكروه مطرد فيهما .

ولكن جماهير الأئمة على أنه لا يستثنى في الكفر والاستثناء فيه بدعة لم يعرف عن أحد من السلف ولكن هو لازم لهم . والذين فرقوا من هؤلاء قالوا : نستثني في الإيمان رغبة إلى الله في أن [ ص: 432 ] يثبتنا عليه إلى الموت والكفر لا يرغب فيه أحد . لكن يقال : إذا كان قولك : مؤمن كقولك : في الجنة . فأنت تقول عن الكافر : هو كافر . ولا تقول : هو في النار إلا معلقا بموته على الكفر فدل على أنه كافر في الحال قطعا . وإن جاز أن يصير مؤمنا كذلك المؤمن . وسواء أخبر عن نفسه أو عن غيره . فلو قيل عن يهودي أو نصراني : هذا كافر قال : إن شاء الله ; إذا لم يعلم أنه يموت كافرا ; وعند هؤلاء لا يعلم أحد أحدا مؤمنا إلا إذا علم أنه يموت عليه ; وهذا القول قاله كثير من أهل الكلام أصحاب ابن كلاب ووافقهم على ذلك كثير منه أتباع الأئمة لكن ليس هذا قول أحد من السلف لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم ولا كان أحد من السلف الذين يستثنون في الإيمان يعللون بهذا لا أحمد ولا من قبله . ومأخذ هذا القول طرده طائفة ممن كانوا في الأصل يستثنون في الإيمان اتباعا للسلف وكانوا قد أخذوا الاستثناء عن السلف وكان أهل الشام شديدين على المرجئة وكان محمد بن يوسف الفريابي صاحب الثوري مرابطا بعسقلان لما كانت معمورة وكانت من خيار ثغور المسلمين ولهذا كان فيها فضائل لفضيلة الرباط في سبيل الله وكانوا يستثنون في الإيمان اتباعا للسلف واستثنوا أيضا في الأعمال الصالحة كقول الرجل : صليت إن شاء الله ونحو ذلك بمعنى القبول لما في ذلك من الآثار عن السلف . ثم صار كثير من هؤلاء بآخرة يستثنون في كل شيء فيقول هذا ثوبي إن شاء الله وهذا حبل [ ص: 433 ] إن شاء الله . فإذا قيل لأحدهم : هذا لا شك فيه ; قال : نعم لا شك فيه ; لكن إذا شاء الله أن يغيره غيره ; فيريدون بقولهم إن شاء الله جواز تغييره في المستقبل وإن كان في الحال لا شك فيه ; كأن الحقيقة عندهم التي لا يستثنى فيها ما لم تتبدل كما يقوله أولئك في الإيمان : إن الإيمان ما علم الله أنه لا يتبدل حتى يموت صاحبه عليه .

لكن هذا القول . قاله قوم من أهل العلم والدين باجتهاد ونظر وهؤلاء الذين يستثنون في كل شيء تلقوا ذلك عن بعض أتباع شيخهم وشيخهم الذي ينتسبون إليه يقال له : أبو عمرو عثمان بن مرزوق لم يكن ممن يرى هذا الاستثناء بل كان في الاستثناء على طريقة من كان قبله ; ولكن أحدث ذلك بعض أصحابه بعده وكان شيخهم منتسبا إلى الإمام أحمد وهو من أتباع عبد الوهاب بن الشيخ أبي الفرج المقدسي وأبو الفرج من تلامذة القاضي أبي يعلى . وهؤلاء كلهم وإن كانوا منتسبين إلى الإمام أحمد فهم يوافقون ابن كلاب على أصله الذي كان أحمد ينكره على الكلابية وأمر بهجر الحارث المحاسبي من أجله كما وافقه على أصله طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة كأبي المعالي الجويني وأبي الوليد الباجي وأبي منصور الماتريدي وغيرهم وقول هؤلاء في مسائل متعددة من مسائل الصفات وما يتعلق بها كمسألة القرآن هل هو سبحانه يتكلم بمشيئته وقدرته ؟ أم القرآن لازم لذاته ؟ وقولهم في " الاستثناء " مبني على ذلك الأصل . [ ص: 434 ] وكذلك بناه الأشعري وأتباعه عليه ; لأن هؤلاء كلهم كلابية يقولون : إن الله لم يتكلم بمشيئته وقدرته ولا يرضى ولا يغضب على أحد بعد إيمانه وكفره ولا يفرح بتوبة التائب بعد توبته . ولهذا وافقوا السلف على أن القرآن كلام الله غير مخلوق . ثم قالوا : إنه قديم لم يتكلم به بمشيئته وقدرته . ثم اختلفوا بعد هذا في القديم أهو معنى واحد ؟ أم حروف قديمة مع تعاقبها ؟ كما بسطت أقوالهم وأقوال غيرهم في مواضع أخر . وهذه الطائفة المتأخرة تنكر أن يقال : قطعا في شيء من الأشياء مع غلوهم في الاستثناء حتى صار هذا اللفظ منكرا عندهم وإن قطعوا بالمعنى فيجزمون بأن محمدا رسول الله وأن الله ربهم ولا يقولون : قطعا .

وقد اجتمع بي طائفة منهم فأنكرت عليهم ذلك ; وامتنعت من فعل مطلوبهم حتى يقولوا : قطعا وأحضروا لي كتابا فيه أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يقول الرجل : قطعا وهي أحاديث موضوعة مختلقة قد افتراها بعض المتأخرين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث