الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين

ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين .

يجوز أن تكون الواو عاطفة ، والمعطوف عليه جملة وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلخ ، وما بينهما جملا تعلقت بالجملة الأولى على طريقة الاعتراض ، فلما ذكر الآيات [ ص: 141 ] في الجملة الأولى على وجه العموم ذكر هنا فرض آية تكون أوضح الآيات دلالة على صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - وهي أن ينزل الله عليه كتابا من السماء على صورة الكتب المتعارفة ، فرأوه بأبصارهم ولمسوه بأيديهم - لما آمنوا ولادعوا أن ذلك الكتاب سحر .

ويجوز أن تكون الواو للحال من ضمير كذبوا في قوله : فقد كذبوا بالحق لما جاءهم أي أنكروا كون القرآن من عند الله ، وكونه آية على صدق الرسول ، وزعموا أنه لو كان من عند الله لنزل في صورة كتاب من السماء ، فإنهم قالوا : لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة وقالوا : حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه فكان قوله : فقد كذبوا بالحق لما جاءهم مشتملا بالإجمال على أقوالهم فصح مجيء الحال منه ، وما بينهما اعتراض أيضا .

وعلى الوجه الأول فالكتاب الشيء المكتوب سواء كان سفرا أم رسالة ، وعلى الثاني فالمراد بكتاب سفر أي مثل التوراة .

والخطاب للنبيء - صلى الله عليه وسلم - لا محالة لأن كل كلام ينزل من القرآن موجه إليه لأنه المبلغ ، فانتقال الخطاب إليه بعد الحديث عن ذوي ضمائر أخرى لا يحتاج إلى مناسبة في الانتقال . وليس يلزم أن يكون المراد كتابا فيه تصديقه بل أعم من ذلك .

وقوله في : قرطاس صفة لـ كتاب ، والظرفية مجازية من ظرفية اسم الشيء في اسم جزئه . والقرطاس بكسر القاف على الفصيح ، ونقل ضم القاف وهو ضعيف . وهو اسم للصحيفة التي يكتب فيها ويكون من رق ومن بردي ومن كاغد ، ولا يختص بما كان من كاغد بل يسمى قرطاسا ما كان من رق . ومن الناس من زعم أنه لا يقال قرطاس إلا لما كان مكتوبا وإلا سمي طرسا ، ولم يصح . وسمى العرب الأديم الذي يجعل غرضا لمتعلم الرمي قرطاسا فقالوا : سدد القرطاس ، أي سدد رميه . قال الجواليقي : القرطاس تكلموا به قديما ويقال : إن أصله غير عربي . ولم يذكر ذلك الراغب ولا لسان العرب ولا القاموس ، وأثبته الخفاجي في شفاء الغليل . وقال : هو الفرس الأبيض . وقال الآلوسي : أصله كراسة . ولم يذكروا أنه معرب عن أي لغة ، فإن كان معربا فلعله معرب عن الرومية ، ولذلك كان اسم الورقة في لغة بعضهم اليوم ( كارتا ) .

[ ص: 142 ] وقوله فلمسوه عطف على نزلنا . واللمس وضع اليد على الشيء لمعرفة وجوده ، أو لمعرفة وصف ظاهره من لين أو خشونة ، ومن برودة أو حرارة ، أو نحو ذلك . فقوله بأيديهم تأكيد لمعنى اللمس لرفع احتمال أن يكون مجازا في التأمل ، كما في قوله تعالى : وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا ، وللإفصاح عن منتهى ما اعتيد من مكابرتهم ووقاحتهم في الإنكار والتكذيب ، وللتمهيد لقوله : لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ، لأن المظاهر السحرية تخيلات لا تلمس .

وجاء قوله الذين كفروا دون أن يقول : لقالوا ، كما قال : فلمسوه إظهارا في مقام الإضمار لقصد تسجيل أن دافعهم إلى هذا التعنت هو الكفر ، لأن الموصول يؤذن بالتعليل .

ومعنى إن هذا إلا سحر مبين أنهم يغالطون أنفسهم ويغالطون قومهم لستر مكابرتهم ولدفع ما ظهر من الغلبة عليهم . وهذا شأن المغلوب المحجوج أن يتعلق بالمعاذير الكاذبة .

والمبين : البين الواضح ، مشتق من ( أبان ) مرادف ( بان ) . وتقدم معنى السحر عند قوله تعالى : يعلمون الناس السحر في سورة البقرة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث