الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه

جزء التالي صفحة
السابق

( وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين )

[ ص: 282 ] أطمع الله - تعالى - بالآية السابقة بني إسرائيل في رحمته بعدما قرعهم بالنذر التي تكاد توقع اليأس في قلوبهم ، وبين لهم ولسائر الناس أن المنفذ إلى هذا الطمع ، بل الباب الذي يؤدي إلى هذا الرجاء هو الجمع بين الأمرين اللذين بعث لتقريرهما الأنبياء - عليهم السلام - ، وهما الإيمان الصحيح اليقيني والعمل الصالح ، وإشراك غير بني إسرائيل في هذا الحكم لا يقضي بانتهاء السياق ، بل لا يزال الكلام في بني إسرائيل ؛ ولذلك عقب ذلك الإطماع بالتذكير ببعض الوقائع التي استحقوا فيها العقوبة فحالت دون وقوعها الرحمة فقال : ( وإذ أخذنا ميثاقكم ) وهو العهد الذي أخذه عليهم وتقدم الكلام فيه ، وأما قوله : ( ورفعنا فوقكم الطور ) فقد ذكر المفسرون فيه قصة وهي : أن الله - تعالى - ظلل بني إسرائيل بالطور ، وهو الجبل المعروف وخوفهم برفعه فوقهم ؛ ليذعنوا ويؤمنوا ، ثم اعترض عليه بعضهم بأنه إكراه على الإيمان وإلجاء إليه ، وذلك ينافي التكليف ، وأجيب بأجوبة منها : أن ما يفعل بالإكراه يعود اختياريا بعد زوال ما به الإكراه ، ومنها : أن مثل هذا الإلجاء والإكراه كان جائزا في الأمم السابقة ، ويزيد من قال هذا : أن نفي الإكراه في الدين الخاص بالإسلام لقوله - تعالى - : ( لا إكراه في الدين ) ( 2 : 256 ) وقوله : ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) ( 10 : 99 )

قال الأستاذ الإمام : لا حاجة لنا في فهم كتاب الله إلى غير ما يدل عليه بأسلوبه الفصيح ، فهو لا يحتاج في فهمه إلى إضافات ولا ملحقات ، وقد ذكر لنا مسألة رفع الطور فوق بني إسرائيل ولم يقل إنه أراد بذلك الإكراه على الإيمان ، وإنما حكى عنهم في آية أخرى أنهم ظنوا أنه واقع بهم ، فقد قال - تعالى - في سورة الأعراف : ( وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ) ( 7 : 171 ) والنتق : الزعزعة والهز والجذب والنفض ، ونتق الشيء ينتقه وينتقه - من بابي ضرب ونصر - نتقا ، جذبه واقتلعه ، وقد يكون ذلك في الآية بضرب من الزلزال ، كما يدل عليه التعبير بالنتق وهو في الأصل بمعنى الزعزعة والنفض ، والمفهوم من أخذ الميثاق أنهم قبلوا الإيمان وعاهدوا موسى عليه . فرفع الطور وظنهم أنه واقع بهم ، من الآيات التي رأوها بعد أخذ الميثاق ، كان لأجل أخذ ما أوتوه من الكتاب بقوة واجتهاد ؛ لأن رؤية الآيات تقوي الإيمان ، وتحرك الشعور والوجدان ؛ ولذلك خاطبهم عند رؤية تلك الآية بقوله : ( خذوا ما آتيناكم بقوة ) أي تمسكوا به واعملوا بجد ونشاط ، لا يلابس نفوسكم فيه ضعف ، ولا يصحبها وهن ولا وهم ، ثم قال : ( واذكروا ما فيه ) أي بالمحافظة على العمل به ؛ فإن العمل هو الذي يجعل العلم راسخا في النفس مستقرا عندها . ويؤثر عن أمير المؤمنين علي - كرم الله وجهه - أنه قال : يهتف العلم بالعمل . فإن أجابه وإلا ارتحل . وذلك أن العلم إنما يحضر في النفس مجملا غير سالم من إبهام وغموض ، فإذا برز للوجود بالعمل صار تفصيليا جليا ، ثم ينقلب النظري [ ص: 283 ] منه بالتكرار والمواظبة بديهيا ضروريا ، وبذلك يثبت فلا ينسى . وأما النسيان فإنه حليف الكفر ، وإنه ليصل بالإنسان إلى حد يساوي فيه من لم تسبق له معرفة بالشيء قط ؛ لأنه لا أثر له في النفس ولا في الظاهر . ولا فرق بين من بلغته دعوة الهداية فسلم بها وقبلها ثم ترك العمل بها حتى نسيها ، وبين من لم تبلغه ألبتة ، ومن بلغته على وجه غير مقنع ، فلم يؤمن إلا بما تكون الحجة به على الأول أظهر ، وكونه بالمؤاخذة أجدر ، والثاني معذور عند الجماهير ، وكذلك الثالث إذا استمر على النظر من غير تقصير ، فعلى هذا تكون منزلة الناسي هي التي تلي منزلة الجاحد المعاند ، وهو خليق بأن يحشر يوم القيامة أعمى عن طريق النجاة والسعادة ، حتى إذا لقي ربه ( قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ) ( 20 : 125 ، 126 ) .

وأقول : إن في هذا الحجة على قراء القرآن ، الذين ليس لهم منه إلا التغني بألفاظه وأفئدتهم هواء لا أثر فيها للقرآن ، وأعمالهم لا تنطبق على ما جاء به القرآن ، وهذا شر نوعي النسيان ، وقد ضرب له أبو حامد الغزالي مثل : عبيد أقطعهم سيدهم بستانا وكلفهم إصلاحه وعمارته ، وكتب لهم كتابا يبين لهم فيه كيف يسيرون في هذا الإصلاح ، وكيف تكون حياتهم فيه ، ووعدهم على الإحسان بمكافأة وأجر فوق ما يستفيدونه من ثمرات البستان وغلاته ، وتوعدهم على الإساءة في العمل بالعقوبة الشديدة وراء ما يفوتهم من خيرات البستان ، وما يذوقون من مرارة سوء المعاملة فيما بينهم ، فكان حظهم من الكتاب تعظيم رقه وورقه ، والتغني بلفظه ، وتكرار تلاوته ، بدون مبالاة بالأمر والنهي ولا اعتبار بالوعد والوعيد فيه ، بل عاثوا في أرض البستان مفسدين فأهلكوا الحرث والنسل ، فهل يكون حظ هؤلاء من الكتاب غير أنه حجة عليهم ، وقاطع لألسنة العذر منهم ؟ !

أمرهم بالذكر الذي يثبت بالعمل ، ووصله بذكر فائدته وهي إعداده النفس لتقوى الله - عز وجل - ، فقال : ( لعلكم تتقون ) ، فإن المواظبة على العمل بما يرشد إليه الكتاب تطبع في النفس ملكة مراقبة الله - تعالى - فتكون بها نقية تقية ، راضية مرضية ( والعاقبة للتقوى ) ( 20 : 132 ) .

وبعد أن ذكر لهم تلك الآية ، وما اتصل بها من الهداية ، ذكرهم بما كان منهم من التولي عن الطاعة والإعراض عن القبول ، ثم امتن عليهم بما عاملهم به من الفضل والرحمة ، والصفح عما يستحقونه من المؤاخذة والعقوبة ، فقال : ( ثم توليتم من بعد ذلك ) أي ثم أعرضتم وانصرفتم عن الطاعة من بعد أخذ الميثاق ومشاهدة الآيات التي تؤثر في القلوب ، وتستكين لها النفوس ( فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ) أي إنكم بتوليكم استحققتم العقاب ، ولكن حال دون نزوله بكم فضل الله عليكم ورحمته بكم ، ولولا ذلك لخسرتم [ ص: 284 ] سعادة الدنيا ، وهي التمكن في الأرض المقدسة التي تفيض لبنا وعسلا ، ثم خسرتم سعادة الآخرة وهي خير ثوابا وخير أملا . فمن فضله وإحسانه أن وفقكم للعمل بالميثاق بعد ذلك .

شايع الأستاذ الإمام المفسرين على أن رفع الطور كان آية كونية ، أي أنه انتزع من الأرض وصار معلقا فوقهم في الهواء ، وهذا هو المتبادر من الآية بمعونة السياق ، وإن لم تكن ألفاظها نصا فيه ، إذ الرفع والارتفاع هو جعل الشيء - أو أن يكون الشيء - رفيعا عاليا كما قال - تعالى - : ( فيها سرر مرفوعة ) ( 88 : 13 ) وقال : ( وفرش مرفوعة ) ( 56 : 34 ) فكل من السرر والفرش تكون مرفوعة وهي على الأرض . وقوله - تعالى - في آية الأعراف : ( وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة ) ( 7 : 171 ) ليس نصا أيضا في كون الجبل رفع في الهواء . فأصل النتق في اللغة : الزعزعة والزلزلة كما سبق . قال في حقيقة الأساس نتق البعير الرحل : زعزعه ، ونتقت الزبد : أخرجته بالمخض ، ونتق الله الجبل : رفعه مزعزعا فوقهم . ا هـ .

والظلة : كل ما أظلك سواء كان فوق رأسك أو في جانبك ، وهو مرتفع له ظل ، فيحتمل أنهم لما كانوا بجانب الطور رأوه منتوقا ، أي مرتفعا مزعزعا ، فظنوا أن سيقع بهم ، وينقض عليهم ، ويجوز أن ذلك كان في أثر زلزال تزعزع له الجبل ، وقد سبق القول ببطلان كون ذلك إرهابا للإكراه على قبول التوراة ، وإذا صح هذا التأويل ، لا يكون منكر ارتفاع الجبل في الهواء مكذبا للقرآن .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث