الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب عقيدة أهل السنة في كلمتي الشهادة التي هي أحد مباني الإسلام

[ ص: 17 ] كتاب عقيدة أهل السنة

" في كلمتي الشهادة التي هي أحد مباني الإسلام "

عقيدتهم في ذاته تعالى وتقدس أنه إله واحد لا شريك له ، قديم لا أول له ، مستمر الوجود لا آخر له ، أبدي لا نهاية له ، دائم لا انصرام له . لم يزل ولا يزال ، موصوفا بنعوت الجلال ، لا يقضى عليه بالانقضاء والانفصال بتصرم الآباد وانقراض الآجال ، بل هو الأول والآخر ، والظاهر والباطن ، وهو بكل شيء عليم ; وأنه ليس بجسم مصور ، ولا يماثل موجودا ، ولا يماثله موجود ، ولا تحيط به الجهات ، ولا تكتنفه الأرضون ولا السماوات . وأنه مستو على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده ، وهو فوق العرش والسماء ، وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى ، فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء كما لا تزيده بعدا عن الأرض والثرى ، بل هو رفيع الدرجات عن العرش والسماء كما أنه رفيع الدرجات عن الأرض والثرى ، وهو مع ذلك قريب من كل موجود ، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد ، إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام ، كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام ، وأنه لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء ، تعالى عن أن يحويه مكان كما تقدس عن أن يحده زمان ، بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان ، وهو الآن على ما عليه كان ، وأنه في ذاته معلوم الوجود بالعقول ، مرئي الذات بالأبصار في دار القرار نعمة منه ولطفا بالأبرار ، وإتماما منه للنعيم بالنظر إلى وجهه الكريم ، وأنه تعالى حي قادر جبار قاهر لا يعتريه قصور ولا عجز ، ولا تأخذه سنة ولا نوم ، ولا يعارضه فناء ولا موت ، وأنه المنفرد بالخلق والاختراع ، المتوحد بالإيجاد والإبداع ; وأنه عالم بجميع المعلومات ، محيط بما يجري من تخوم الأرضين إلى أعلى السماوات ، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، بل يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ، ويدرك حركة الذر في جو الهواء ، ويعلم السر وأخفى ، ويطلع على هواجس [ ص: 18 ] الضمائر ، وحركات الخواطر ، وخفيات السرائر ، بعلم قديم أزلي لم يزل موصوفا به في أزل الآزال ; وأنه تعالى مدير للكائنات ، مدبر للحادثات ، فلا يجري في الملك والملكوت أمر إلا بقضائه وقدره وحكمته ومشيئته . فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، لا راد لأمره ولا معقب لحكمه ، وأنه تعالى سميع بصير ، لا يعزب عن سمعه مسموع وإن خفي ، ولا يغيب عن رؤيته مرئي وإن دق ، ولا يحجب سمعه بعد ، ولا يدفع رؤيته ظلام . لا يشبه سمعه وبصره سمع وبصر الخلق ، كما لا تشبه ذاته ذات الخلق ، وأنه تعالى متكلم آمر ناه ، واعد متوعد ، وأن القرآن والتوراة والإنجيل والزبور كتبه المنزلة على رسله عليهم السلام ، وأنه تعالى كلم موسى - عليه السلام - بكلامه الذي هو صفة ذاته لا خلق من خلقه ، وأن القرآن كلام الله ليس بمخلوق فيبيد ، ولا صفة لمخلوق فينفد ، وأنه سبحانه وتعالى لا موجود سواه إلا وهو حادث بفعله ، وفائض من عدله على أحسن الوجوه وأكملها وأتمها وأعدلها ، وأنه حكيم في أفعاله عادل في أقضيته ، فكل ما سواه من إنس وجن وملك وسماء وأرض وحيوان ونبات وجماد ومدرك ومحسوس حادث ، اخترعه بقدرته بعد العدم اختراعا ، وأنشأه إنشاء بعد أن لم يكن شيئا ، إذ كان في الأزل موجودا وحده ولم يكن معه غيره ، فأحدث الخلق بعد ذلك إظهارا لقدرته وتحقيقا لما سبق من إرادته ولما حق في الأزل من كلمته ، لا لافتقاره إليه وحاجته ، وأنه متفضل بالخلق والاختراع والتكليف لا عن وجود ، ومتطول بالإنعام والإصلاح لا عن لزوم ، فله الفضل والإحسان ، والنعمة والامتنان ، وأنه عز وجل يثيب عباده المؤمنين على الطاعات بحكم الكرم والوعد لا بحكم اللزوم له ، إذ لا يجب عليه لأحد فعل ، ولا يتصور منه ظلم ، ولا يجب لأحد عليه حق ، وأن حقه في الطاعات واجب على الخلق بإيجابه على ألسنة أنبيائه - عليهم السلام - لا بمجرد العقل ، ولكنه بعث الرسل وأظهر صدقهم بالمعجزات الظاهرة فبلغوا أمره ونهيه ووعده ووعيده ، فوجب على الخلق تصديقهم بما جاؤوا به ، وأنه بعث النبي الأمي القرشي محمدا - صلى الله عليه وسلم - برسالته إلى [ كافة ] العرب والعجم والجن والإنس ، وأنه ختم الرسالة والنبوة ببعثته فجعله آخر المرسلين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، وأنزل عليه كتابه الحكيم وشرح به دينه القويم ، وهدى به الصراط المستقيم ، وألزم الخلق تصديقه في جميع ما أخبر به ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من يموت كما بدأهم يعودون ، وأنه تعالى قد خلق الجنة فأعدها دار خلود لأوليائه وأكرمهم فيها بالنظر إلى وجهه الكريم ، وخلق النار فأعدها دار خلود لمن كفر به وألحد في آياته وكتبه ورسله وجعلهم محجوبين عن رؤيته .

وندين بأن لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه كالزنا والسرقة وشرب الخمور ، وندين بأن لا ننزل أحدا من أهل التوحيد والمتمسكين بالإيمان جنة ولا نارا إلا من شهد له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجنة ، ونرجو الجنة للمذنبين ونخاف عليهم أن يكونوا بالنار معذبين ، ونقول إن [ ص: 19 ] الله عز وجل يخرج قوما من النار بعد أن امتحشوا بشفاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تصديقا لما جاءت به الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونؤمن بعذاب القبر وأن الله عز وجل يوقف العباد في الموقف ويحاسب المؤمنين ، وندين بحب السلف الذين اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه - عليه السلام - ، ونثني عليهم بما أثنى الله به عليهم ونتولاهم أجمعين ; ونقول إن الإمام الفاضل بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر الصديق - رضوان الله عليه - وإن الله أعز به الدين ، وأظهره على المرتدين ، وقدمه المسلمون بالإمامة كما قدمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم للصلاة - وسموه بأجمعهم خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، ثم عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ، وإن الذين قاتلوه قاتلوه ظلما وعدوانا ، ثم علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ، فهؤلاء الأئمة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلافتهم خلافة النبوة ، ونتولى سائر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونكف عما شجر بينهم ، ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا وسنة نبينا وإجماع المسلمين وما كان في معناه ، ولا نبتدع في دين الله ما لم يأذن لنا ، ولا نقول على الله ما لا نعلم ، ونرى الصدقة عن موتى المسلمين والدعاء لهم ، ونؤمن بأن الله ينفعهم بذلك ونقول إن الصالحين يجوز أن يخصهم الله بآيات يظهرها عليهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث