الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

3 - باب البسملة

البسملة: مصدر مولد، بسمل إذا قال: بسم الله، نحو هيلل إذا قال: لا إله إلا الله، وحمدل إذا قال: الحمد لله، وحسبل إذا قال: حسبي الله، وحيعل إذا قال: حي على الصلاة، وحوقل إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله.


1 - وبسمل بين السورتين بسنة رجال نموها درية وتحملا      2 - ووصلك بين السورتين فصاحة
وصل واسكتا كل جلاياه حصلا



(السنة لغة): الطريقة. واصطلاحا: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فعله أو تقريره أو وصفه.

ومعنى (نموها) رفعوها ونقلوها. و(الدرية): الدراية والعلم والمعرفة. و(التحمل): النقل عن الغير. و(درية وتحملا): مصدران في موضع الحال من فاعل (نموها): أي نقلوها حال كونهم ذوي معرفة ودراية وتحمل. و(الجلايا): جمع جلية من جلا الأمر إذا انكشف وظهر.

والمعنى: أن المشار إليهم بالباء، والراء، والنون، والدال، وهم: قالون، والكسائي، وعاصم، وابن كثير قرءوا بإثبات البسملة بين كل سورتين حال كونهم متمسكين في ذلك بسنة نقلوها وأسندوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وحال كونهم ذوي علم ومعرفة ونقل عن الغير، أي جامعين بين الدراية والرواية. والمراد بالسنة التي نقلوها: ما ثبت في الأحاديث الصحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعلم انقضاء السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم، وكتابة الصحابة لها في المصاحف العثمانية. وقوله: (ووصلك بين السورتين فصاحة)، معناه أن المشار إليه بالفاء وهو حمزة قرأ [ ص: 46 ] بوصل آخر السورة بأول التالية من غير بسملة بينهما، وفي قوله: (فصاحة) إشارة إلى حكمة هذا الوصل، وهي أن فيه بيان إعراب آخر السورة كآخر التوبة مع أول يونس، وبيان همزة الوصل كآخر العاديات مع أول القارعة. وهمزة القطع كآخر القارعة مع أول ألهاكم. وسكت خلف على مثل: (فحدث) آخر (والضحى)، لا يخرجه عن كونه وصلا، فإنه لا يفعل ذلك إلا في حال الوصل، ولأنه في هذه الحال يعتبر واصلا آخر (والضحى) بأول الشرح من غير بسملة بينهما، والواو في قوله: (واسكتا)، بمعنى، أو خير الناظم القارئ بين الوصل والسكت بين كل سورتين لمن رمز لهم بالكاف، والجيم، والحاء وهم: ابن عامر، وورش، وأبو عمرو، فيكون لكل واحد منهم بين كل سورتين وجهان: الوصل كحمزة، والسكت: بدون بسملة. والسكت هو الوقف على آخر السورة وقفة لطيفة من غير تنفس كسكت حمزة على الهمز.

والمعنى: (كل جلاياه حصلا) أن كل واحد من القراء الثلاثة: ابن عامر، وورش، وأبي عمرو، حصل جلايا ما ذهب إليه وصوبه، وينبغي أن يعلم أنه لا بد من الإتيان بالبسملة لجميع القراء بين آخر سورة الناس وأول سورة الفاتحة. فإن الفاتحة وإن وصلت لفظا فهي مبتدأ بها حكما إذ ليس قبلها شيء حقيقة.


3 - ولا نص كلا حب وجه ذكرته     وفيها خلاف جيده واضح الطلا



(كلا): حرف ردع وزجر. و(الجيد): العنق. و(الواضح): الظاهر.

و(الطلى): جمع طلية وهي صفحة العنق.

والمعنى: لم يرد نص عن ابن عامر، وورش، وأبي عمرو بوصل ولا بسكت، وإنما التخير بين هذين الوجهين لهم اختيار من أهل الأداء، واستحباب من شيوخ الإقراء، وهذا معنى قوله: (حب وجه ذكرته)، و(كلا) حرف ردع وزجر كما سبق، وكأن الناظم يزجر من يعتقد ورود النص عن أحد منهم بوصل أو سكت، وقوله: (وفيها خلاف جيده واضح الطلى)، معناه: أن في البسملة خلافا عن هؤلاء الثلاثة مشهورا عند علماء هذه الصناعة.

والخلاصة: أن الخلاف في البسملة وارد عن هؤلاء الثلاثة، فإذا قلنا: إنهم يبسملون وأخذنا لهم بالبسملة فالأمر ظاهر، وإن قلنا: إنهم لا يبسملون فهل [ ص: 47 ] يصلون كحمزة أو يسكتون، لم يرد عنهم في ذلك نص، فذكر الشيوخ لهم هذين الوجهين استحبابا، وعلى ما تقرر لا يكون في البيت رمز لأحد، وهذا ما عليه المحققون، وهذا الحكم الذي ذكرنا لكل قارئ عام، يجري بين كل سورتين سواء كانت الثانية بعد الأولى مباشرة كآخر البقرة وأول آل عمران، أو لم تكن بعدها مباشرة كآخر يونس مع أول النحل، لكن يشترط أن تكون الثانية بعد الأولى في ترتيب القرآن والتلاوة، كما مثلنا، فإن كانت قبلها فيما ذكر كآخر الأنبياء مع أول هود، فإنه يتعين الإتيان بالبسملة لجميع القراء، ولا يجوز لواحد منهم الوصل ولا السكت، كذلك لو وصل آخر السورة بأولها، كأن كرر سورة الإخلاص، فإن البسملة تكون حينئذ متعينة للجميع.

وأيضا تتعين البسملة لكل القراء لو وصل آخر الناس بأول الفاتحة كما تقدم.


4 - وسكتهم المختار دون تنفس     وبعضهم في الأربع الزهر بسملا
5 - لهم دون نص وهو فيهن ساكت     لحمزة فافهمه وليس مخذلا



و(سكتهم): مبتدأ، و(المختار): خبره، و(دون تنفس) ظرف متعلق بمحذوف خبر بعد خبر، أو حال من ضمير (المختار)، و(الأربع الزهر): هي السور الآتية: القيامة، المطففين، البلد، الهمزة. و(الزهر): جمع الزهراء تأنيث الأزهر، وهو المنير المشرق، ووصف هذه السور بالزهر كناية عن شهرتها ووضوحها، ولذلك لم يحتج لتعيينها. والضمير في (وسكتهم) يعود على القراء الثلاثة المذكورين في البيت قبله وهم: ابن عامر، وورش، وأبو عمرو.

والمعنى: أن السكت الوارد عن هؤلاء هو المختار المقدم على الوصل، لأن فيه تنبيها على نهاية السورة. وهذا السكت يكون دون تنفس بأن تقف على آخر السورة وقفة خفيفة دون تنفس، ثم بين أن بعض أهل الأداء اختار الفصل بالبسملة بين المدثر والقيامة، وبين الانفطار والتطفيف، وبين الفجر والبلد، وبين العصر والهمزة، لمن ورد عنه السكت في غيرهن، وهم: ورش، وأبو عمرو، وابن عامر، من غير نص عنهم، وإنما هو استحباب من الشيوخ لهم، واختار السكت بين ما ذكر لمن روي [ ص: 48 ] عنه الوصل في غيرهن، وهم المذكورون وحمزة، فإذا كنت تقرأ لورش، أو أبي عمرو، أو ابن عامر بالسكت بين السور ووصلت للسور المذكورة استحب لك عند هذا البعض أن تفصل بينهن بالبسملة. وإن كنت تقرأ لأحدهم أو لحمزة بالوصل بين السور استحب لك عند هذا البعض أن تسكت بينهن. وقوله: (فافهمه وليس مخذلا)، معناه: فافهم هذا المذهب الذي يفرق بين هذه السور وبين غيرها من سور القرآن، وليس هذا المذهب ضعيفا متروك العون والنصرة، بل هو مذهب مؤيد منصور، ولكن مع هذا فالمحققون من العلماء على عدم التفرقة بين هذه السور وبين غيرها، وهو المذهب الصحيح المختار الذي عليه العمل في سائر الأمصار، فإن قلت: من أين يعلم أن اختيار البسملة بين السورة المذكورة في مذهب هذا البعض إنما يكون حال السكت في غيرها؟ قلت: يعلم ذلك من اختيار السكت بين هذه السور حال الوصل في غيرها. فإن قلت: من أين يعلم اختيار السكت بين هذه السور حال الوصل في غيرها لورش، وأبي عمرو، وابن عامر، والناظم لم ينص إلا على اختيار السكت فيها لحمزة؟ قلت: يعلم ذلك من قوله: (وهو فيهن ساكت لحمزة) فإن المراد به: وهو فيهن ساكت لكل من وصل في غيرها، وإنما خص حمزة بالذكر لأنه الأصل في الوصل بين السور.


6 - ومهما تصلها أو بدأت براءة     لتنزيلها بالسيف لست مبسملا



الضمير في (تصلها) يعود على براءة.

المعنى: إذا وصلت براءة بالسورة قبلها وهي الأنفال، أو ابتدأت بها القراءة فلا تبسمل في أولها لأحد من القراء، سواء كان مذهبه بين السورتين البسملة أو السكت أو الوصل.

ثم علل الناظم ترك البسملة في أول براءة بأنها نزلت مشتملة على السيف، وكنى بذلك عما انطوت عليه سورة براءة من الأمر بالقتل والأخذ والحصر ونبذ العهد والوعيد والتهديد، وفيها آية السيف، وقد نقل العلماء هذا التعليل عن علي رضي الله عنه. قال ابن عباس: سألت عليا رضي الله عنه: لم لم تكتب البسملة في أول براءة؟ فقال: لأن بسم الله أمان، وبراءة ليس فيها أمان لأنها نزلت بالسيف، ولا تناسب بين الأمان والسيف.

[ ص: 49 ]

7 - ولا بد منها في ابتدائك سورة     سواها وفي الأجزاء خير من تلا



الضمير في (منها): يعود على البسملة، وفي (سواها): يعود على براءة، و(سورة): منصوب على نزع الخافض، لما ذكر في الأبيات السابقة مذاهب القراء بين السورتين ذكر هنا مذهبهم في ابتداء السور، فقال: إذا ابتدأت قراءتك بأول سورة من سور القرآن فلا بد من الإتيان بالبسملة لجميع القراء، سواء في ذلك من مذهبه البسملة بين السورتين، ومن مذهبه وصل السورة بأول التالية، ومن مذهبه التخيير بين الوصل والسكت والبسملة. فالقراء متفقون على البدء بالبسملة في ابتداء أي سورة، وهذا الحكم عام في الابتداء بأي سورة من سور القرآن إلا براءة فلا بسملة عند الابتداء بها لأحد من القراء.

وقوله: (وفي الأجزاء خير من تلا) يصح قراءة (خير) بالبناء للفاعل.

والمعنى: خير أهل الأداء القارئ إذا ابتدأ قراءته بشيء من أجزاء السور بين الإتيان بالبسملة وتركها. ويصح قراءة (خير) بالبناء للمفعول.

والمعنى: خير القارئ إذا ابتدأ بشيء من أجزاء السور بين الإتيان بالبسملة وتركها، وذلك لجميع القراء. ولا فرق في هذا الحكم بين أجزاء براءة وأجزاء غيرها من السور، واستثنى بعضهم أجزاء براءة، فمنع من الإتيان فيها بالبسملة، وألحق أجزاء السورة بأولها في عدم جواز الإتيان بالبسملة. والمراد بأجزاء السور: ما بعد أوائلها ولو بآية أو كلمة، فيدخل في ذلك: أوائل الأجزاء المصطلح عليها، وأوائل الأحزاب والأعشار. وأول كل آية ابتدأ بها غير أول آية في السورة.


8 - ومهما تصلها مع أواخر سورة     فلا تقفن الدهر فيها فتثقلا



الضمير في (تصلها) و(فيها) يعود على البسملة. وفي بمعنى على.

يقول: إذا وصلت البسملة بآخر سورة امتنع الوقف على البسملة، وتعين وصلها بأول السورة التالية، والحاصل أن الأوجه العقلية الجائزة بين كل سورتين لمن مذهبه البسملة أربعة:

(الأول): الوقف على آخر السورة وعلى البسملة.

(الثاني): الوقف على آخر السورة ووصل البسملة بأول التالية.

(الثالث): وصل آخر السورة بالبسملة مع وصل البسملة بأول السورة التالية.

[ ص: 50 ] (الرابع): وصل آخر السورة بالبسملة مع الوقف عليها.

وهذا الوجه هو الذي نهى الناظم عن الإتيان به، فيكون ممتنعا فتبقى الأوجه الثلاثة الأولى على الجواز. وعلى هذا يكون لكل من مذهبه البسملة بين السورتين وهم: قالون، والكسائي، وعاصم، وابن كثير، هذه الأوجه الثلاثة بين كل سورتين. ويكون لورش، وأبي عمرو، وابن عامر، بين كل سورتين خمسة أوجه. الثلاثة المذكورة، والوصل، والسكت دون بسملة على كل منهما. أما حمزة: فليس له بين كل سورتين إلا وجه واحد، وهو الوصل بلا بسملة، وقوله: (فتثقلا) معناه فتصير مستثقلا عند أئمة القراءة لأنك فعلت ما لا ينبغي حيث جعلت البسملة لختم السورة وهي لم تشرع إلا للبدء بالسورة، وينبغي أن يعلم أن بين الأنفال وبراءة ثلاثة أوجه لجميع القراء وهي: الوقف، والسكت، والوصل.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث