الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


4871 [ ص: 506 ] 67 - باب: الوليمة حق

وقال عبد الرحمن بن عوف : قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم - : "أولم ولو بشاة " [2048 ]

5166 - حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثني الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب قال : أخبرني أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه كان ابن عشر سنين مقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، فكان أمهاتي يواظبنني على خدمة النبي - صلى الله عليه وسلم - فخدمته عشر سنين ، وتوفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا ابن عشرين سنة ، فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل ، وكان أول ما أنزل في مبتنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بزينب ابنة جحش ، أصبح النبي - صلى الله عليه وسلم - بها عروسا ، فدعا القوم فأصابوا من الطعام ، ثم خرجوا وبقي رهط منهم عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فأطالوا المكث ، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فخرج وخرجت معه لكي يخرجوا ، فمشى النبي - صلى الله عليه وسلم - ومشيت ، حتى جاء عتبة حجرة عائشة ، ثم ظن أنهم خرجوا ، فرجع ورجعت معه ، حتى إذا دخل على زينب فإذا هم جلوس لم يقوموا ، فرجع النبي - صلى الله عليه وسلم - ورجعت معه ، حتى إذا بلغ عتبة حجرة عائشة ، وظن أنهم خرجوا ، فرجع ورجعت معه فإذا هم قد خرجوا فضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - بيني وبينه بالستر ، وأنزل الحجاب . [انظر : 4791 - مسلم: 1428 - فتح: 9 \ 230 ] .

التالي السابق


(وقال عبد الرحمن بن عوف : قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم - : "أولم ولو بشاة" ) سلف مسندا غير مرة .

ذكر فيه حديث أنس بن مالك أنه كان ابن عشر سنين مقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، فكان أمهاتي يواظبنني على خدمة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فخدمته عشر سنين ، وتوفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا ابن عشرين سنة ، فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل ، وكان أول ما أنزل في مبتنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بزينب ابنة جحش . . الحديث .

[ ص: 507 ] الشرح :

هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه البيهقي من حديث أنس مرفوعا : "الوليمة في أول يوم حق ، وفي الثاني معروف ، وفي الثالث رياء وسمعة " ثم قال : ليس بقوي فيه بكر بن خنيس ، تكلموا فيه .

قلت : قال فيه ابن معين مرة : شيخ صالح لا بأس به ، إلا أنه يروي عن ضعفاء ، ويكتب من حديثه الرقاق . وقال العجلي : كوفي ثقة . وقال الجوزجاني : لا بأس به [في ] السير وحسن له الترمذي حديث : "عليكم بقيام الليل " .

وخرج الحاكم حديثه في "مستدركه " ، وذكر ابن أبي حاتم أن مروان بن معاوية الفزاري رواه عن عوف ، عن الحسن ، عن أنس مثله مرفوعا . وقال أبوه : إنما هو الحسن ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، مرسل .

[ ص: 508 ] ورواه أبو الشيخ من حديث مجاهد ، عن أبي هريرة مرفوعا : "الوليمة حق وسنة ، فمن دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله ، والخرص والعذار والتوكير أنت فيه بالخيار " قال : فقلت : ما أدري ما الخرص . قال : طعام الولادة . والعذار : طعام الختان . والتوكير : الرجل في القوم ، أو يبني الدار ، فيصنع طعاما يدعوهم ، فهو بالخيار ، إن شاء أجاب وإن شاء قعد .

وفي مسند أحمد من حديث الحسن ، عن عثمان بن أبي العاصي ودعي إلى ختان فأبى أن يجيب ، فقيل له ، قال : إنا كنا لا نأتي الختان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا ندعى له .

وروى ابن أبي شيبة ، عن جرير ، عن ليث ، عن نافع : كان ابن عمر يطعم على ختان الصبي ، وروي عن الحسن من وجوه .

قال ابن بطال : وقوله : "الوليمة حق " يعني : أن الزوج يندب إليها وتجب عليه وجوب سنة وفضيلة ، قال : ولا أعلم أحدا أوجبها فرضا ، وإنما هي على قدر الإمكان والوجود لإعلان النكاح .

[ ص: 509 ] وفي حديث آخر عن أنس أنه - صلى الله عليه وسلم - أشبع المسلمين خبزا ولحما في وليمة زينب . وقد روى مالك ، عن يحيى بن سعيد أنه قال : لقد بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يولم بالوليمة ما فيها خبز ولا لحم .

وهذه الوليمة كانت على صفية بنت حيي في السفر مرجعه من خيبر ، قيل لأنس : فبأي شيء أولم ؟ قال : بسويق وتمر .

قلت : قوله : (ولا أعلم ) . إلى آخره قد علمه غيره .

فللشافعي قول أنها واجبة ، وقد أسلفناه عن أحمد أيضا ، وهو مشهور مذهب مالك كما قاله القرطبي . وفي حديث ابن بريدة ، عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : "يا علي ، لابد للعرس من وليمة " .

وقال ابن حزم : فرض على كل من تزوج أن يولم بما قل أو كثر .

قال : وهو قول أبي سليمان وأصحابنا .

وما أسلفناه عن أحمد ذكره ابن التين .

وأما ابن قدامة فقال في "المغني " : يستحب لمن تزوج أن يولم ولو

[ ص: 510 ] بشاة . ولا خلاف بين أهل العلم في أن الوليمة في العرس سنة مشروعة ، وليس بواجبة في قول أكثر أهل العلم . وقال بعض أصحاب الشافعي : هي واجبة ; لأنه - عليه السلام - أمر بها عبد الرحمن ; ولأن الإجابة إليها واجبة ، فكانت واجبة . ولنا أنه طعام لسرور حادث فأشبه سائر الأطعمة ، والخبر محمول على الاستحباب ; بدليل ما ذكرنا وكونه أمر بشاة ، (فلا ) خلاف أنها لا تجب ، وما ذكروه من المعنى لا أصل [له ] ، ثم هو باطل .

فرع :

الإجابة إليه فرض عين ، وقيل : كفاية . وقيل : سنة .

قال ابن حزم : فرض على من دعي إلى وليمة أو طعام فليجب ، إلا من عذر ، فإن كان مفطرا ففرض عليه أن يأكل ، فإن كان صائما فليدع الله لهم .

قال : فإن قلت : فقد رويتم من طريق سفيان -يعني الحديث المخرج عند مسلم - عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا : "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب ، فإن شاء طعم ، وإن شاء ترك " .

قلت : أبو الزبير لم يذكر في هذا أنه سمعه من جابر ، ولا هو من رواية الليث عنه ; فبطل الاحتجاج به ، ولو صح لكان الخبر الذي فيه إيجاب الأكل زائدا على هذا ، وزيادة العدل مقبولة لا يحل تركها . وعنده أن الأكل واجب .

[ ص: 511 ] وقال عياض : لم يختلف العلماء في وجوب الإجابة في وليمة العرس ، واختلفوا فيما عداها .

قلت : قاله قبله أبو عمر أيضا ، أجمعوا على وجوب الإتيان إلى الوليمة في العرس ، واختلفوا فيما سوى ذلك ، والخلاف ثابت في مذهبنا كما سلف .

قال عياض : ولا خلاف أنه لا حد لأقلها ولا لأكثرها .

وقال المهلب : اختلاف فعله - صلى الله عليه وسلم - في هذه الولائم المختلفة يدل على أنه يجب على قدر الشأن في ذلك الوقت .

وفي البخاري في باب : من أولم بأقل من شاة أيضا أنه أولم على بعض نسائه بمدين من شعير ، وعلى زينب بشاة ، وعلى صفية فيما ذكره ابن أبي حاتم ، عن جابر : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي طرف ردائه نحو من مد ونصف تمر عجوة ، فقال : "كلوا من وليمة أمكم " .

وعند أبي الشيخ من حديث علي بن يزيد ، عن أنس - رضي الله عنه - : شهدت عرسات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلم أر فيها عرسا أفضل من عرس صفية ، جيء بكبش من الخمس ودقيق شعير ، فأكلنا ، وسائر عرساته يبسط لنا نطع فينثر عليه زبيب أو تمر ، فنأكل .

وقد أسلفنا أن الوليمة على صفية لم يكن فيها لحم ، إنما هو الحيس فيما رواه البخاري وغيره ، وعند ابن حبان : بسويق وتمر .

[ ص: 512 ] وليس في قوله لعبد الرحمن بن عوف : "أولم ولو بشاة " منعا لما دون ذلك ، وإنما جعل الشاة غاية في التقليل ; ليساره وغناه ، وأنها مما يستطاع عليها ولا تجحفه ; ألا ترى أنه أولم على صفية بحيس كما سلف ليس فيها خبز ولا لحم ، وأولم على غيرها بمدين من شعير ، ولو وجد حينئذ شاة لأولم بها ; لأنه كان أجود الناس وأكرمهم .

قلت : ويحتمل أنه قال له ذلك لعسر الصحابة حين هجرتهم ، وكان أول قدومه ، فلما توسعوا بفتح خيبر وشبه ذلك أولم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحيس وشبهه ; ليبين الجواز . ويؤخذ من حديث ابن عوف الوليمة بعد البناء مطلقا غير مقيدة وقد سلف ويأتي .

فصل :

حقيقة الوليمة : الطعام المتخذ للعرس مشتقة من الولم ، وهو الاجتماع لاجتماع الزوجين ، قاله الأزهري وغيره .

قال ابن الأعرابي : أصلها تمام الشيء واجتماعه ، والفعل منه : أولم .

وفي "المحكم " : هي طعام العرس والإملاك . وقيل : هي كل طعام صنع لعرس ، وغيره . قال الشافعي : كل دعوة دعي إليها رجل ، والختان ، وحادث سرور من تركها لم يبن لي أنه عاص كما تبين في وليمة العرس ، قال : ولا أحفظ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أجاب إلى دعوة في غير وليمة ، ولا أعلمه أولم على غير عرس .

[ ص: 513 ] والوليمة أنواع ذكرتها في "لغات المنهاج " فراجعها .

فصل :

قوله في الحديث : (فكان أمهاتي يواظبنني على خدمة النبي - صلى الله عليه وسلم - ) أي : يحملنني ويبعثنني على ملازمة خدمته والمداومة عليها ، وروي بالطاء المهملة والهمز من المواطأة على الشيء على خدمته .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث