الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

أبواب سجود السهو باب ما جاء فيمن سلم من نقصان 1016 - ( عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال : { صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي ، فصلى ركعتين ثم سلم ، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان ، ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه ، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى ، وخرجت السرعان من أبواب المسجد ، فقالوا : قصرت الصلاة ؟ [ ص: 129 ] وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه ، وفي القوم رجل يقال له : ذو اليدين فقال : يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة ؟ فقال : لم أنس ولم تقصر ، فقال : أكما يقول اليدين ؟ فقالوا : نعم ، فتقدم فصلى ما ترك ، ثم سلم ، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ، ثم رفع رأسه وكبر ، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ، ثم رفع رأسه وكبر فربما سألوه ، ثم سلم ، فيقول : أنبئت أن عمران بن حصين قال : ثم سلم } . متفق عليه . وليس لمسلم فيه وضع اليد على اليد ولا التشبيك ، وفي رواية قال : { بينما أنا أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر سلم من ركعتين ، فقام رجل من بني سليم فقال يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت } . وساق الحديث . رواه أحمد ومسلم . وهذا يدل على أن القصة كانت بحضرته وبعد إسلامه . وفي رواية متفق عليها لما قال : { لم أنس ولم تقصر قال : بلى قد نسيت } وهذا يدل على أن ذا اليدين بعد ما علم عدم النسخ كلاما ليس بجواب سؤال ) .

التالي السابق


قال الحافظ في التلخيص : لهذا الحديث طرق كثيرة وألفاظ ، وقد جمع جميع طرقه الحافظ صلاح الدين العلائي وتكلم عليه كلاما شافيا . انتهى .

وفي الباب عن ابن عمر عند أبي داود وابن ماجه . وعن ذي اليدين عند عبد الله بن أحمد في زيادات المسند والبيهقي . وعن ابن عباس عند البزار في مسنده والطبراني . وعن عبد الله بن مسعدة عند الطبراني في الأوسط . وعن معاوية بن خديج عند أبي داود والنسائي . وعن أبي العريان عند الطبراني في الكبير . قال ابن عبد البر في التمهيد : وقد قيل : إن أبا العريان المذكور هو أبو هريرة . وقال النووي في الخلاصة : إن ذا اليدين أبا العريان . قال العراقي : كلا القولين غير صحيح ، وأبو العريان آخر لا يعرف اسمه ، ذكره الطبراني فيهم في الكنى ، وكذلك أورده أبو موسى المديني في ذيله على ابن منده في الصحابة قوله : ( صلى بنا ) ظاهره أن أبا هريرة حضر القصة وحمله الطحاوي على المجاز فقال : إن المراد به صلى بالمسلمين . وسبب ذلك قول الزبيري إن صاحب القصة استشهد ببدر ، لأنه يقتضي أن القصة وقعت قبل بدر وهي قبل إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين ، لكن اتفق أئمة الحديث كما نقله ابن عبد البر وغيره على أن الزهري وهم في ذلك . وسببه أنه جعل القصة لذي الشمالين ، وذو الشمالين الذي قتل ببدر وهو خزاعي واسمه عمير بن عبد عمرو بن نضلة . وأما ذو اليدين فتأخر بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بمدة ، وحدث بهذا الحديث بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم كما أخرج ذلك الطبراني واسمه الخرباق كما سيأتي ، وقد جوز بعض الأئمة أن تكون القصة وقعت لكل من ذي الشمالين وذي اليدين وأن أبا هريرة [ ص: 130 ] روى الحديثين فأرسل أحدهما وهو قصة ذي الشمالين ، وشاهد الآخر وهو قصة ذي اليدين . قال في الفتح : وهذا محتمل في طريق الجمع . وقيل : يحمل على أن ذا الشمالين كان يقال له أيضا ذو اليدين ، فكان ذلك سبب الاشتباه ، ويدفع المجاز الذي ارتكبه الطحاوي الرواية الأخرى التي ذكرها المصنف بلفظ " بينما أنا أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم " قال الحافظ في الفتح : وقد اتفق معظم أهل الحديث من المصنفين وغيرهم على أن ذا الشمالين ذي اليدين ، ونص على ذلك الشافعي في اختلاف الحديث قوله : ( إحدى صلاتي العشي ) قال النووي : هو بفتح العين المهملة وكسر الشين المعجمة وتشديد الياء قال : قال الأزهري : العشي عند العرب : ما بين زوال الشمس وغروبها .

ويبين ذلك ما وقع عند البخاري من حديث أبي هريرة قال : { صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر أو العصر } وفي رواية له قال محمد - يعني ابن سيرين : " وأكثر ظني أنها العصر " وفي مسلم " العصر " من غير شك .

وفي رواية له " الظهر " كذلك كما ذكر المصنف .

وفي رواية له أيضا " إحدى صلاتي العشي إما الظهر وإما العصر " .

قال في الفتح : والظاهر أن الاختلاف فيه من الرواة . وأبعد من قال : يحمل على أن القصة وقعت مرتين ، بل روى النسائي من طريق ابن عوف عن ابن سيرين أن الشك فيه من أبي هريرة ، ولفظه " صلى صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي " قال أبو هريرة : ولكني نسيت . فالظاهر أن أبا هريرة رواه كثيرا على الشك ، وكان ربما غلب على ظنه أنها الظهر فجزم بها ، وتارة غلب على ظنه أنها العصر فجزم بها ، وطرأ الشك أيضا في تعيينها على ابن سيرين ، وكان سبب ذلك الاهتمام بما في القصة من الأحكام الشرعية .

قوله : ( فقام إلى خشبة في المسجد ) في رواية للبخاري " في مقدم المسجد " ولمسلم " في قبلة المسجد " قوله : ( السرعان ) بفتح المهملات ، ومنهم من يسكن الراء ، وحكى عياض أن الأصيلي ضبطه بضم ثم إسكان كأنه جمع سريع ، والمراد بهم : أول الناس خروجا من المسجد وهم أهل الحاجات غالبا قوله : ( فهابا ) في رواية للبخاري " فهاباه " بزيادة الضمير ، والمعنى أنه غلب عليهما احترامه وتعظيمه عن الاعتراض عليه .

وأما ذو اليدين فغلب عليه حرصه على تعلم العلم قوله : ( يقال له ذو اليدين ) قال القرطبي : هو كناية عن طولهما ، وعن بعض شراح التنبيه أنه كان قصير اليدين ، وجزم ابن قتيبة أنه كان يعمل بيديه جميعا . وذهب الأكثر إلى أن اسم ذي اليدين الخرباق بكسر المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة وآخره قاف ، اعتمادا على ما وقع في حديث عمران بن حصين الآتي .

قال في الفتح : هذا موضع من يوحد حديث أبي هريرة بحديث عمران ، وهو الراجح في نظري ، وإن كان ابن خزيمة ومن تبعه جنحوا إلى التعدد ، والحامل لهم على ذلك الاختلاف الواقع في السياقين ، ففي [ ص: 131 ] حديث أبي هريرة أن السلام وقع اثنين ، وأنه صلى الله عليه وسلم قام إلى خشبة في المسجد .

وفي حديث عمران أنه سلم من ثلاث ركعات وأنه دخل منزله لما فرغ من الصلاة .

فأما الأول فقد حكى العلائي أن بعض شيوخه حمله على أن المراد : أنه سلم في ابتداء الركعة الثالثة واستبعده ولكن طريق الجمع يكتفى فيها بأدنى مناسبة ، وليس بأبعد من دعوى تعدد القصة ، لأنه يلزم منه كون ذي اليدين في كل مرة استفهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، واستفهم النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة عن صحة قوله .

وأما الثاني فلعل الراوي لما رآه تقدم من مكانه إلى جهة الخشبة ظن أنه دخل منزله لكون الخشبة كانت في جهة منزله ، فإن كان كذلك وإلا فرواية أبي هريرة أرجح لموافقة ابن عمر له على سياقه كما أخرجه الشافعي وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة ، ولموافقة ذي اليدين كما أخرجه أبو بكر الأثرم وعبد الله بن أحمد في زيادات المسند وأبو بكر بن أبي خيثمة وغيرهم انتهى .

قوله : ( لم أنس ولم تقصر ) هو تصريح بنفي النسيان ونفي القصر ، وهو مفسر لما عند مسلم بلفظ " كل ذلك لم يكن " وتأييد لما قاله علماء المعاني : إن لفظ كل إذا تقدم وعقبه نفي كان نفيا لكل فرد لا للمجموع ، بخلاف ما إذا تأخر ، ولهذا أجاب ذو اليدين بقوله : " قد كان بعض ذلك " كما في صحيح مسلم .

وفي البخاري ومسلم أنه قال : " بلى قد نسيت " كما ذكر المصنف .

وفيه دليل على جواز دخول السهو عليه صلى الله عليه وسلم في الأحكام الشرعية .

، وقد نقل عياض والنووي الإجماع على عدم جواز دخول السهو في الأقوال التبليغية وخصا الخلاف بالأفعال وقد تعقبا . قال الحافظ : نعم اتفق من جوز ذلك على أنه لا يقر عليه بل يقع له بيان ذلك إما متصلا بالفعل أو بعده كما وقع في هذا الحديث . وفائدة جواز السهو في مثل ذلك بيان الحكم الشرعي إذا وقع مثله لغيره .

وأما من منع السهو مطلقا منه صلى الله عليه وسلم فأجابوا عن هذا الحديث بأجوبة : منها أن قوله صلى الله عليه وسلم : " لم أنس " على ظاهره وحقيقته وأنه كان متعمدا لذلك ليقع منه التشريع بالفعل أبلغ من القول ، ويكفي في رد هذا تقريره صلى الله عليه وسلم لذي اليدين على قوله : " بلى قد نسيت " وأصرح من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : { إنما أنا بشر أنسى كما تنسون } وهو متفق عليه من حديث ابن مسعود كما سيأتي .

ومن أجوبتهم أن قوله صلى الله عليه وسلم : { إني لا أنسى ، ولكن أنسى لأسن } يدل على عدم صدور النسيان منه . وتعقب بما قاله الحافظ في الفتح : إن هذا الحديث لا أصل له ، فإنه من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث الشديد وأيضا هو أحد الأحاديث الأربعة التي تكلم عليها الموطأ .

ومن أجوبتهم أيضا حديث إنكاره صلى الله عليه وسلم على من قال : { نسيت آية كذا وكذا ، وقال : بئسما أن يقول لأحدكم نسيت آية كذا وكذا } وتعقب بأنه لا يلزم من ذم إضافة نسيان الآية ذم إضافة نسيان كل شيء ، فإن الفرق بينهما واضح [ ص: 132 ] جدا . ومن أجوبتهم أن قوله : " لم أنس " راجع إلى السلام : أي سلمت قصدا بانيا على ما في اعتقادي أني صليت أربعا .

قال الحافظ : وهذا جيد ، وكأن ذا اليدين فهم العموم فقال : " بلى قد نسيت " والكلام في ذلك محله علم الكلام والأصول . وقد تكلم عياض في الشفاء بما يشفي فمن أراد البسط فليرجع إليه ، وهذا كله مبني على أن معنى السهو والنسيان واحد ، وأما من فرق بينهما فله أن يقول هذه الأدلة وإن دلت على أنه وقع النسيان منه صلى الله عليه وسلم فهي لا تستلزم وقوع السهو قوله : ( فصلى ما ترك ) فيه جواز البناء على الصلاة خرج منها المصلي قبل ها ناسيا ، وإلى ذلك ذهب الجمهور كما قال العراقي من غير فرق بين من سلم من ركعتين أو أكثر أو أقل .

وقال سحنون : إنما يبني من سلم من ركعتين كما في قصة ذي اليدين ، لأن ذلك وقع على غير القياس فيقتصر على مورد النص . وحديث عمران بن حصين الآتي يبطل ما زعمه من قصر الجواز على ركعتين على أنه يلزمه أن يقصر الجواز على إحدى صلاتي العشي ولا قائل به . وذهبت الهادوية إلى أنه لا يجوز البناء على الصلاة التي خرج منها بتسليمتين من غير فرق بين العمد والسهو .

وأجابوا عن حديث الباب بأن قصة ذي اليدين كانت قبل نسخ الكلام اعتمادا منهم على ما سلف عن الزهري ، وقد قدمنا أنه وهم ، على أنه قد روى البناء عمران بن حصين كما سيأتي ، وإسلامه متأخر . ورواه أيضا معاوية بن خديج كما تقدمت الإشارة إلى ذلك ، وإسلامه قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بشهرين ، ومع هذا فتحريم الكلام كان بمكة ، وقد حققنا ذلك في باب تحريم الكلام .

وفي حديث الباب دليل على أن الساهي لا يبطل الصلاة ، وكذا كلام من ظن التمام ، وقد تقدم على ذلك في باب تحريم الكلام أيضا .

وفيه أيضا دليل على أن الأفعال الكثيرة التي ليست من جنس الصلاة إذا وقعت سهوا أو مع ظن التمام لا تفسد الصلاة وقد تقدم البحث في ذلك قوله : ( ثم سلم ثم كبر وسجد ) فيه دليل لمن قال إن سجود السهو بعد السلام .

وقد اختلف أهل العلم في ذلك على ثمانية أقوال كما ذكر ذلك العراقي في شرح الترمذي : الأول : أن سجود السهو كله محله بعد السلام ، وقد ذهب إلى ذلك جماعة من الصحابة وهم علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر . وعبد الله بن مسعود وعمران بن حصين وأنس بن مالك والمغيرة بن شعبة وأبو هريرة . وروى الترمذي عنه خلاف ذلك كما سيأتي .

وروي أيضا عن ابن عباس ومعاوية وعبد الله بن الزبير على خلاف في ذلك عنهم . ومن التابعين أبو سلمة بن عبد الرحمن والحسن البصري والنخعي وعمر بن عبد العزيز وعبد الرحمن بن أبي ليلى والسائب القاري . وروى الترمذي عنه خلاف ذلك ، وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابه .

وحكى عن الشافعي قولا له . ورواه الترمذي عن أهل [ ص: 133 ] الكوفة ، وذهب إليه من أهل البيت الهادي والقاسم وزيد بن علي والمؤيد بالله .

واستدلوا بحديث الباب وبسائر الأحاديث التي ذكر فيها السجود بعد السلام . القول الثاني : أن سجود السهو كله قبل السلام ، وقد ذهب إلى ذلك من الصحابة أبو سعيد الخدري . وروي أيضا عن ابن عباس ومعاوية وعبد الله بن الزبير على خلاف في ذلك وبه قال الزهري ومكحول وابن أبي ذئب والأوزاعي الليث بن سعد والشافعي في الجديد وأصحابه .

ورواه الترمذي عن أكثر فقهاء المدينة وعن أبي هريرة . واستدلوا على ذلك بالأحاديث التي ذكر فيها السجود قبل السلام وسيأتي بعضها . القول الثالث : التفرقة بين الزيادة والنقص ، فيسجد للزيادة بعد السلام وللنقص قبله ، وإلى ذلك ذهب مالك وأصحابه والمزني وأبو ثور ، وهو قول للشافعي ، وإليه ذهب الصادق والناصر من أهل البيت .

قال ابن عبد البر : وبه يصح استعمال الخبرين جميعا . قال : واستعمال الأخبار عن وجهها أولى من ادعاء النسخ ، ومن جهة النظر الفرق بين الزيادة والنقصان بين في ذلك ، السجود في النقصان إصلاح وجبر ، ومحال أن يكون الإصلاح والجبر بعد الخروج من الصلاة . وأما السجود في الزيادة فإنما هو ترغيم للشيطان ، وذلك ينبغي أن يكون بعد الفراغ .

قال ابن العربي : مالك أسعد قيلا وأهدى سبيلا انتهى . ويدل على هذه التفرقة ما رواه الطبراني من حديث عائشة في آخر حديث لها ، وفيه قال : { من سها قبل التمام فليسجد سجدتي السهو قبل أن يسلم ، وإذا سها بعد التمام سجد سجدتي السهو بعد أن يسلم } ولكن في إسناده عيسى بن ميمون المدني المعروف بالواسطي ، وهو وإن وثقه حماد بن سلمة فيه ابن معين مرة : لا بأس به ، فقد قال فيه مرة : ليس بشيء ، وضعفه الجمهور . القول الرابع : أنه يستعمل كل حديث كما ورد وما لم يرد فيه شيء سجد قبل السلام ، وإلى ذلك ذهب أحمد بن حنبل كما حكاه الترمذي عنه ، وبه قال سليمان بن داود الهاشمي من أصحاب الشافعي وأبو خيثمة . قال ابن دقيق العيد : هذا المذهب مع مذهب مالك متفقان في طلب الجمع وعدم سلوك طريق الترجيح لكنهما اختلفا في وجه الجمع .

القول الخامس : إنه يستعمل كل حديث كما ورد وما لم يرد فيه شيء فما كان نقصا سجد له قبل السلام وما كان زيادة فبعد السلام ، وإلى ذلك ذهب إسحاق بن راهويه كما حكاه عنه الترمذي . القول السادس : أن الباني على الأقل في صلاته عند شكه يسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد الآتي ، والمتحري في الصلاة عند شكه يسجد بعد السلام على حديث ابن مسعود الآتي أيضا ، وإلى ذلك ذهب أبو حاتم بن حبان .

قال : وقد يتوهم من لم يحكم صناعة الأخبار ولا تفقه في صحيح الآثار أن التحري في الصلاة والبناء على اليقين واحد وليس كذلك ، لأن التحري هو أن يشك المرء في [ ص: 134 ] صلاته فلا يدري ما صلى ، فإذا كان كذلك فعليه أن يتحرى الصواب وليبن على الأغلب عنده ويسجد سجدتي السهو بعد السلام على خبر ابن مسعود ، والبناء على اليقين هو أن يشك في الثنتين والثلاث ، أو الثلاث والأربع ، فإذا كان كذلك فعليه أن يبني على اليقين وهو الأقل ، وليتم صلاته ثم يسجد سجدتي السهو قبل السلام على خبر عبد الرحمن بن عوف وأبي سعيد وما اختاره من التفرقة بين التحري والبناء على اليقين قاله أحمد بن حنبل فيما ذكره ابن عبد البر في التمهيد . وقال الشافعي وداود وابن حزم إن التحري هو البناء على اليقين ، وحكاه النووي عن الجمهور .

القول السابع : أنه يتخير الساهي بين السجود قبل السلام وبعده ، سواء كان لزيادة أو نقص ، حكاه ابن أبي شيبة في المصنف عن علي عليه السلام ، وحكاه الرافعي قولا للشافعي ، ورواه المهدي في البحر عن الطبري . ودليلهم أن النبي صلى الله عليه وسلم صح عنه السجود قبل السلام وبعده ، فكان الكل سنة . القول الثامن : أن محله كله بعد السلام إلا في موضعين فإن الساهي فيهما مخير أحدهما : من قام من ركعتين ولم يجلس ولم يتشهد .

والثاني : أن لا يدري أصلى ركعة أم ثلاثا أم أربعا ، فيبني على الأقل ويخير في السجود ، وإلى ذلك ذهب الظاهر ، وبه قال ابن حزم . وروى النووي في شرح مسلم عن داود أنه قال : تستعمل الأحاديث في مواضعها كما جاءت .

قال القاضي عياض وجماعة من أصحاب الشافعي : ولا خلاف بين هؤلاء المختلفين وغيرهم من العلماء أنه لو سجد قبل السلام أو بعده للزيادة أو للنقص أنه يجزئه ولا تفسد صلاته ، وإنما اختلافهم في الأفضل . قال النووي : وأقوى المذاهب هنا مذهب مالك ثم الشافعي .

وقال ابن حزم في مذهب مالك : إنه رأي لا برهان على صحته ، قال : وهو أيضا مخالف للثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمره بسجود السهو قبل السلام من شك فلم يدر كم صلى وهو سهو زيادة ، ثم قال : ليت شعري من أين لهم أن جبر الشيء لا يكون إلا فيه لا بائنا عنه ، وهم مجمعون على أن الهدي والصيام يكونان جبرا لما نقص من الحج وهما بعد الخروج عنه ، وأن عتق الرقبة أو الصدقة أو صيام الشهرين جبر لنقص وطء التعمد في نهار رمضان ، وفعل ذلك لا يجوز إلا بعد تمامه ا هـ .

وأحسن ما يقال في المقام إنه يعمل على ما تقتضيه أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم من السجود قبل السلام وبعده ، فما كان من أسباب السجود مقيدا بقبل السلام سجد له قبله ، وما كان مقيدا ببعد السلام سجد له بعده ، وما لم يرد تقييده بأحدهما كان مخيرا بين السجود قبل السلام وبعده من غير فرق بين الزيادة والنقص لما أخرجه مسلم في صحيحه عنغ ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين } وجميع أسباب السجود لا تكون إلا زيادة أو نقصا أو مجموعهما ، وهذا ينبغي أن يعد مذهبا تاسعا ، [ ص: 135 ] لأن مذهب داود وإن كان فيه أنه يعمل بمقتضي النصوص الواردة كما حكاه النووي فقد جزم بأن الخارج عنها يكون قبل السلام ، وإسحاق بن راهويه إن قال إنها تستعمل الأحاديث كما وردت فقد جزم أنه يسجد لما خرج عنها إن كان زيادة بعد السلام وإن كان نقصا فقبله كما سبق .

والقائلون بالتخيير لم يستعملوا النصوص كما وردت ولا شك أنه أفضل . ومحل الخلاف في الأفضل كما عرفت وإن كانت الهادوية تقول بفساد صلاة من سجد لسهوه قبل التسليم مطلقا ، لكن قولهم من كونه مخالفا لما صرحت به الأدلة مخالف للإجماع الذي حكاه عياض وغيره قوله : ( فربما سألوه ثم سلم ) يعني سألوا محمد بن سيرين هل سلم النبي صلى الله عليه وسلم بعد سجدتي السهو ؟ فروي عن عمران بن حصين أنه أخبر " أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم بعدهما " .

ولفظ أبي داود : فقيل لمحمد : سلم في السجود ؟ فقال : لم أحفظه من أبي هريرة ، ولكن نبئت أن عمران بن حصين قال : ثم سلم .

وفيه دليل على مشروعية التسليم في السهو وقد نقل بعض المتأخرين عن النووي أن الشافعية لا يثبتون التسليم ، وهو خلاف المشهور عن الشافعية والمعروف في كتبهم وخلاف ما صرح به النووي في شرح مسلم فإنه قال : والصحيح في مذهبنا أنه يسلم ولا يتشهد .

1017 - ( وعن عمران بن حصين { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى العصر فسلم في ثلاث ركعات ، ثم دخل منزله وفي لفظ : فدخل الحجرة ، فقام إليه رجل يقال له : الخرباق ، وكان في يده طول ، فقال يا رسول الله ، فذكر له صنيعه ، فخرج غضبان يجر رداءه حتى انتهى إلى الناس فقال : أصدق هذا ؟ قالوا : نعم ، فصلى ركعة ثم سلم ، ثم سجد سجدتين ثم سلم } . رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي ) . الكلام على فقه الحديث قد تقدم ، وقد تقدم أيضا الاختلاف بين أهل العلم : هل حديث عمران هذا وحديث أبي هريرة المتقدم حكاية لقصة واحدة أو لقصتين مختلفتين ؟ والظاهر ما قاله خزيمة ومن تبعه من التعدد ، دعوى الاتحاد تحتاج إلى تأويلات متعسفة كما سلف . وتقدم أيضا ضبط الخرباق وأنه اسم ذي اليدين .

وفي الباب عن ابن عباس عند البزار والطبراني في الكبير { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم العصر ثلاثا فدخل على بعض نسائه ، فدخل عليه رجل من أصحابه يقال له ذو الشمالين } الحديث .

1018 - ( وعن عطاء أن ابن الزبير صلى المغرب فسلم في ركعتين ، فنهض ليستلم [ ص: 136 ] الحجر فسبح القوم ، فقال : ما شأنكم ؟ قال : فصلى ما بقي وسجد سجدتين ، قال : فذكر ذلك لابن عباس فقال : ما أماط عن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم . رواه أحمد ) . الحديث أخرجه أيضا البزار والطبراني في الأوسط والكبير . قال في مجمع الزوائد : ورجال أحمد رجال الصحيح قوله : ( ما أماط ) أوله همزة مفتوحة وآخره مهملة . قال في القاموس : ماط يميط ميطا : جار وزجر وعني ميطانا وميطا : تنحى وبعد ، ونحى وأبعد كأماط فيهما ا هـ . والمراد هنا أن ابن الزبير ما بعد ولا تنحى عن السنة ، أو ما أبعد ولا نحى غيره عنها بما فعله ، لما تقدم من ثبوت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم ، والخلاف في جواز البناء قد مر . من


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث