الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 356 ] [ ص: 357 ] [ ص: 358 ] [ ص: 359 ] [ ص: 360 ] [ ص: 361 ] [ ص: 362 ] [ ص: 363 ] [ ص: 364 ] [ ص: 365 ] [ ص: 366 ] [ ص: 367 ] بسم الله الرحمن الرحيم

القسم الثاني

فيما يجب على الأنام من حقوقه - صلى الله عليه وسلم -

مقدمة القسم الثاني

قال القاضي أبو الفضل - وفقه الله - : وهذا قسم لخصنا فيه الكلام في أربعة أبواب على ما ذكرناه في أول الكتاب ، ومجموعها في وجوب تصديقه ، واتباعه في سنته ، وطاعته ، ومحبته ، ومناصحته ، وتوقيره ، وبره ، وحكم الصلاة عليه ، والتسليم ، وزيارة قبره - صلى الله عليه وسلم - .

الباب الأول :

في فرض الإيمان به ، ووجوب طاعته ، واتباع سنته ، وفيه خمسة فصول

الفصل الأول : فرض الإيمان به

إذا تقرر بما قدمناه ثبوت نبوته ، وصحة رسالته وجب الإيمان به ، وتصديقه فيما أتى به ، قال الله - تعالى - : فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا [ التغابن : 8 ] .

وقال : إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله [ الفتح : 8 - 9 ] .

وقال : فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي [ الأعراف : 158 ] الآية .

فالإيمان بالنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - واجب متعين لا يتم إيمان إلا به ، ولا يصح إسلام إلا معه ، قال الله - تعالى - : ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا [ الفتح : 13 ] .

حدثنا أبو محمد الخشني الفقيه بقراءتي عليه ، حدثنا الإمام أبو علي الطبري ، حدثنا عبد الغافر الفارسي ، حدثنا ابن عمرويه ، حدثنا ابن سفيان ، حدثنا أبو الحسين ، حدثنا أمية بن بسطام ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا روح ، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب ، عن أبيه ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، ويؤمنوا بي ، وبما جئت به ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم ، وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله .

[ ص: 368 ] قال القاضي أبو الفضل وفقه الله : والإيمان به - صلى الله عليه وسلم - هو تصديق نبوته ورسالة الله له ، وتصديقه في جميع ما جاء به ، وما قاله ، ومطابقة تصديق القلب بذلك شهادة اللسان بأنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا اجتمع التصديق به بالقلب ، والنطق بالشهادة بذلك اللسان تم الإيمان به ، والتصديق له كما ورد في الحديث نفسه من رواية عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله .

وقد زاده وضوحا في حديث جبريل ، إذ قال : أخبرني عن الإسلام ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أن تشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله وذكر أركان الإسلام ، ثم سأله عن الإيمان فقال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله الحديث ؛ فقد قرر أن الإيمان به محتاج إلى العقد بالجنان ، والإسلام به مضطر إلى النطق باللسان .

وهذه الحال المحمودة التامة .

وأما الحال المذمومة فالشهادة باللسان دون تصديق القلب ، وهذا هو النفاق ، قال الله - تعالى - : إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون [ المنافقون : 1 ] ، أي كاذبون في قولهم ذلك عن اعتقادهم ، وتصديقهم ، وهم لا يعتقدونه ، فلما لم تصدق ذلك ضمائرهم لم ينفعهم أن يقولوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، فخرجوا عن اسم الإيمان ولم يكن لهم في الآخرة حكمه ، إذ لم يكن معهم إيمان ولحقوا بالكافرين في الدرك الأسفل من النار ، وبقي عليهم حكم الإسلام ، بإظهار شهادة الإسلام ، في أحكام الدنيا المتعلقة بالأئمة ، وحكام المسلمين الذين أحكامهم على الظواهر ، بما أظهروه من علامة الإسلام ، إذ لم يجعل للبشر سبيل إلى السرائر ، ولا أمروا بالبحث عنها ، بل نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التحكم عليها ، وذم ذلك ، وقال : هلا شققت عن قلبه ؟ .

والفرق بين القول ، والعقد ما جعل في حديث جبريل : الشهادة من الإسلام ، والتصديق من الإيمان .

وبقيت حالتان أخريان بين هذين :

إحداهما : أن يصدق بقلبه ، ثم يخترم قبل اتساع وقت للشهادة بلسانه فاختلف فيه ، فشرط بعضهم من تمام الإيمان القول ، والشهادة به ، ورآه بعضهم مؤمنا مستوجبا للجنة ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان فلم يذكر [ ص: 369 ] سوى ما في القلب .

وهذا مؤمن بقلبه ، غير عاص ، ولا مفرط بترك غيره . وهذا هو الصحيح في هذا الوجه .

الثانية : أن يصدق بقلبه ، ويطول مهله ، وعلم ما يلزمه من الشهادة ، فلم ينطق بها جملة ، ولا استشهد في عمره ولا مرة ، فهذا اختلف فيه أيضا ، فقيل : هو مؤمن لأنه مصدق ، والشهادة من جملة الأعمال ، فهو عاص بتركها غير مخلد في النار .

وقيل : ليس بمؤمن حتى يقارن عقده شهادة اللسان ، إذ الشهادة إنشاء عقد ، والتزام إيمان وهي مرتبطة مع العقد ولا يتم التصديق مع المهلة إلا بها . وهذا هو الصحيح .

وهذا نبذ يفضي إلى متسع من الكلام في الإسلام ، والإيمان وأبوابهما ، وفي الزيادة فيهما والنقصان ، وهل التجزي ممتنع على مجرد التصديق لا يصح فيه جملة ، وإنما يرجع إلى ما زاد عليه من عمل ، أو قد يعرض فيه لاختلاف صفاته ، وتباين حالاته ، من قوة يقين ، وتصميم اعتقاد ، ووضوح معرفة ، ودوام حالة ، وحضور قلب .

وفي بسط هذا خروج عن غرض التأليف ، وفيما ذكرنا غنية فيما قصدنا إن شاء الله تعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث