الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 382 ] 76 - باب التكبير


1 - روى القلب ذكر الله فاستسق مقبلا ولا تعد روض الذاكرين فتمحلا



يقال: (روي) من الماء يروى روى مثل: رضا وريا بفتح الراء وكسرها: إذا شبع منه.

و(استسق) اطلب السقي، (لا تعد) لا تتجاوز. (والروض) جمع روضة وهي الأرض الخضرة من الأشجار المثمرة، ويقال: (أمحل) دخل في المحل وهو الجدب والقحط.

والمعنى: أن نور القلب وضياءه ذكر الله عز وجل وحضوره في الفؤاد بتصور أسمائه وصفاته وأفعاله ومشاهدة مصنوعاته، فاطلب منه سبحانه أن يفيض على قلبك عوارف لطائفه حال كونك مقبلا عليه، ولازم مجالس الذاكرين لتنتظم في سلكهم، وتعد منهم، ولا تتجاوز مجالسهم إلى مواطن الغافلين فيظلم قلبك، ويذهب نوره وضياؤه، وفي البيت إشارة إلى أحاديث كثيرة تدل على فضل الذكر منها قوله صلى الله عليه وسلم: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منه) [أخرجه البخاري ومسلم].

ومنها: (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: حلق الذكر) [رواه الترمذي].

ومنها: (ما جلس قوم يذكرون الله تعالى إلا حفت بهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده) [أخرجه مسلم].


2 - وآثر عن الآثار مثراة عذبه     وما مثله للعبد حصنا وموئلا



(آثر) فعل أمر من الإيثار وهو اختيار الشيء وتقديمه على غيره، و(الآثار) جمع أثر، وهو الخبر المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. و(المثراة) المكان الكثير الندى.

و(الحصن) اسم لما يتحصن به. و(الموئل) المكان الذي يلتجأ إليه.

والمعنى: قدم ندى عذب الذكر على غيره من حطام الدنيا واجعله وصلة بينك وبين ربك حال كونك آخذا ذلك عن الآثار والأخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضل الذكر، وليس هناك شيء يماثل الذكر فيما يتحصن به العبد من عذاب الله، ويلوذ به من فتن الحياة.

[ ص: 383 ]

3 - ولا عمل أنجى له من عذابه     غداة الجزا من ذكره متقبلا



المعنى: ليس للعبد عمل من أعمال الخير مثل الذكر في إنجائه من العذاب وتخليصه من الأهوال يوم الجزاء، إذا كان الذكر متقبلا عند الله تعالى بأن يكون خالصا من شوائب الرياء والسمعة، وفي الحديث إشارة إلى ما أخرجه البيهقي عن معاذ بن جبل رضى الله عنه: (ما عمل آدمي من عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله).


4 - ومن شغل القرآن عنه لسانه     ينل خير أجر الذاكرين مكملا



المعنى: أن أي فرد من أفراد الإنسان كان ذكره تلاوة القرآن دائما بحيث شغله عن سائر الأذكار، فإنه ينال أفضل أجر الذاكرين، وفي البيت إشارة لقوله صلى الله عليه وسلم: (يقول الرب عز وجل: من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين) [أخرجه الترمذي]، والضمير في (عنه) يعود على الذكر.

والمعنى: ومع ما ذكرنا من فضيلة الذكر، فمن اشتغل عنه بتلاوة القرآن فتلاوته أفضل من الذكر.


5 - وما أفضل الأعمال إلا افتتاحه     مع الختم حلا وارتحالا موصلا



المعنى: ليس أفضل الأعمال وأكمل الأقوال إلا افتتاح كلام الله تعالى مع ختمه بأن يشرع في قراءته من أوله حتى يختمه، فالضمير في قوله: (افتتاحه) يعود على القرآن.

وقوله: (حلا وارتحالا) من باب المصدر المؤكد لنفسه، لأن المراد بالحل الافتتاح وبالارتحال الختم. وقوله:(موصلا) بفتح الصاد المشددة حال من الضمير في افتتاحه، أي حال كونه آخر القرآن بأوله، وفي البيت إشارة إلى الحديث الذي رواه ابن عباس رضي الله عنه قال: (قال رجل: يا رسول الله، أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل؟ قال: الحال المرتحل) [أخرجه الترمذي].

أي عمل الحال المرتحل، قال ابن قتيبة: الحال هو الخاتم للقرآن شبه برجل سافر فسار حتى إذا بلغ المنزل حل به، وكذلك تالي القرآن يتلوه حتى إذا بلغ آخره وقف عنده، والمرتحل المفتتح للقرآن، شبه برجل أراد سفرا فافتتحه بالمسير، وقد جاء هذا التفسير في بعض روايات الحديث: (أي الأعمال أفضل؟ قال: [ ص: 384 ] (الحال المرتحل قيل: ما الحال المرتحل؟ قال: الخاتم المفتتح).


6 - وفيه عن المكين تكبيرهم مع ال     خواتم قرب الختم يروى مسلسلا



الضمير في قوله (فيه) يعود على القرآن، وفي قوله: (تكبيرهم) يعود على القراء.

وقوله: (المكين) أصله المكيين حذفت ياء النسب لضرورة الشعر.

والمعنى: أن تكبير القراء في القرآن مع الخواتيم أي أواخر السور التي هي قريبة من آخر القرآن، وسيأتي بيانها، يروى عن القراء المكيين رواية مسلسلة، وذلك أن البزي روى عن عكرمة بن سليمان قال: (قرأت على إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين، فلما بلغت والضحى قال لي: كبر عند خاتمة كل سورة، فإني قرأت على عبد الله بن كثير، فلما بلغت والضحى قال لي: كبر حتى تختتم، وأخبره عبد الله بن كثير، أنه قرأ على مجاهد وأمره بذلك، وأخبره مجاهد أنه قرأ على ابن عباس، فأمره بذلك، وأخبره ابن عباس أنه قرأ على أبي بن كعب فأمره بذلك، وأخبره أبي بن كعب أنه قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم فأمره بذلك) [أخرجه البيهقي في شعب الإيمان والحاكم في المستدرك].

والمسلسل في اصطلاح المحدثين: ما اتصل إسناده على صفة، إما في الراوي كالمسلسل بالتشبيك ووضع اليد على الكتف والتبسم بعد التحديث، وإما في الرواية كالمسلسل بلفظ (عن) أو (سمعت) أو (أخبرنا) أو نحو ذلك.


7 - إذا كبروا في آخر الناس أردفوا     مع الحمد حتى المفلحون توسلا
8 - وقال به البزي من آخر الضحى     وبعض له من آخر الليل وصلا



بين في البيت الأول آخر مواضع التكبير، وفي البيت الثاني أولها، ومفعولا (أردفوا) محذوفان، والتقدير: أردفوا التكبير مع قراءة سورة الحمد قراءة أول سورة البقرة حتى يصلوا إلى قوله تعالى: وأولئك هم المفلحون ، و(توسلا) مفعول من أجله، أي تقربا إلى الله تعالى بتلاوة كلامه.

والمعنى: إذا كبر القراء المكيون ومن أخذ عنهم في آخر سورة الناس أردفوا التكبير بقراءة سورة الفاتحة، وأول سورة البقرة إلى قوله تعالى: وأولئك هم المفلحون [ ص: 385 ] وربما يتوهم من النظم أن التكبير يكون في آخر الفاتحة كما يكون في آخر الناس، ولكن اتفاق العلماء على منع التكبير بين الفاتحة والبقرة، وقوله: (وقال به البزي من آخر الضحى) إلخ، أفاد به أول مواضع التكبير التي ذكرها مجملة في قوله: (قرب الختم) يعني أن البزي قال بالتكبير، وقرأ به من آخر سورة والضحى على أرجح القولين، وبعض أهل الأداء وصل التكبير للبزي من آخر سورة (والليل)، والمراد بآخر سورة (والليل) أول سورة (والضحى)، فالقول الأول أن بدء التكبير من آخر (والضحى).

والقول الثاني: أن بدأه من أولها، ولا قائل بأن بدأه من آخر (الليل)، فيجب حمل كلام الناظم على ما ذكر، وسبب ورود التكبير: أن الوحي تأخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال المشركون زورا وكذبا: إن محمدا قد ودعه ربه وقلاه وأبغضه، فنزل تكذيبا لهم، وردا لمفترياتهم سورة (والضحى)، من أولها إلى آخرها، فلما فرغ جبريل من قراءتها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم شكرا لله على ما أولاه من نزول الوحي عليه بعد انقطاعه، ومن الرد على إفك الكافرين ومزاعمهم: ((الله أكبر))، ثم أمر صلى الله عليه وسلم أن يكبر مع خاتمة كل سورة حتى يختم تعظيما لله تعالى وسرورا بختم القرآن العظيم.

ومنشأ القولين السابقين في ابتداء التكبير: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ عليه جبريل سورة (والضحى) كبر عقب فراغ جبريل من قراءة هذه السورة، ثم قرأها هو، فهل كان تكبيره لختم قراءة جبريل، أو لقراءته هو؟

ذهب فريق من العلماء إلى الأول، وهو أن تكبيره لختم قراءة جبريل، وهذا الفريق هو الذي يرى أن ابتداء التكبير آخر (والضحى) وانتهاءه آخر (الناس).

وذهب فريق إلى الثاني، وهو أن تكبيره لختم قراءة نفسه، وهذا الفريق الذي يرى أن ابتداء التكبير أول (والضحى)، وانتهاءه أول (الناس)، وبناء على هذا، فقول الناظم: (إذا كبروا في آخر الناس) إلا على القول الأول.


9 - فإن شئت فاقطع دونه أو عليه أو     صل الكل دون القطع معه مبسملا



ذكر في هذا البيت حكم التكبير عند اتصاله بالسورة الماضية، والسورة الآتية، فنقل فيه ثلاثة أوجه:

الأول: الوقف على آخر السورة وقطعه عن التكبير، وهذا هو الذي قال فيه (فاقطع دونه) أي التكبير.

الثاني: وصل التكبير بآخر السورة مع الوقف عليه [ ص: 386 ] وهذا الذي قال فيه (أو عليه) أي أو تقطع على التكبير.

الثالث: وصل التكبير بآخر السورة والبسملة، وهذا الذي قال فيه (أو صل الكل).


10 - وما قبله من ساكن أو منون     فللساكنين اكسره في الوصل مرسلا
11 - وأدرج على إعرابه ما سواهما     ولا تصلن هاء الضمير لتوصلا



إذا وصل التكبير بآخر السورة وكان آخر الكلمة في السورة ساكنا سواء كان تنوينا نحو: في عمد ممددة ، إنه كان توابا ، أو غير تنوين نحو: وإلى ربك فارغب ، واسجد واقترب ، وجب كسر الساكن تخلصا من التقاء الساكنين.

وقوله: (في الوصل) معناه: أن الساكن لا يجب كسره إلا إذا وصل بالتكبير، لأنه في هذه الحال يجتمع ساكنان، فإذا وقف على الساكن وجب إبقاؤه على حاله إذ لا موجب لكسره، وقوله: (مرسلا) أي مطلقا في جميع المواضع، وقوله: (وأدرج على إعرابه) إلخ، معناه: أن ما سوى الساكن سواء كان تنوينا أو غيره، وهو المحرك فصله بالتكبير وأبقه على حركته من غير تغيير، سواء كانت حركته فتحة كآخر الماعون والفلق، أو كسرة كآخر التكاثر والعصر، أو ضمة كآخر الكوثر، وإذا كان آخر كلمة في السورة هاء ضمير كآخر البينة والزلزلة ووصلت بالتكبير، فإنه يجب حذف صلتها لوقوعها قبل ساكن، وقد سبق شرح هذا في قوله في باب هاء الكناية: (ولم يصلوا ها مضمر قبل ساكن).


12 - وقل لفظه ألله أكبر وقبله     لأحمد زاد ابن الحباب فهيللا
13 - وقيل بهذا عن أبي الفتح فارس     وعن قنبل بعض بتكبيره تلا



لفظ التكبير الذي ذاع عند علماء القراء (الله أكبر) من غير زيادة تهليل قبله ولا تحميد بعده، وروى ابن الحباب عن أحمد البزي زيادة التهليل قبل التكبير، والتهليل قول (لا إله إلا الله)، وزاد آخرون التحميد بعد التكبير، والتحميد قول: (ولله الحمد)، فيقال: (لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد)، و(هيلل) قال: لا إله إلا الله، والأصل هلل، فقلبت اللام ياء. وقوله: (وقيل بهذا) إلخ، معناه: أنه نقل عن أبي الفتح فارس بن أحمد شيخ الداني أنه روى التهليل قبل التكبير عن البزي كما رواه عنه ابن الحباب، وقوله: (وعن قنبل) [ ص: 387 ] إلخ، أن بعض أهل الأداء قرأ بالتكبير عن قنبل، ولكن دون تهليل ولا تحميد، ويفهم من هذا: أن البعض الآخر لم يقرأ لقنبل بالتكبير، فيكون لقنبل التكبير وتركه، وعلى القول بالتكبير عنه يكون ابتداء التكبير وانتهاؤه عنده كابتدائه وانتهائه عند البزي.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث