الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم

بين سبحانه اختلاف المؤمنين، وما يجب أن يكونوا عليه متأسين بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، آخذين بهديه مخالفين ما عليه المشركين، وختم الآية التي قبلها بأن الله تعالى يحكم بين المختلفين يوم القيامة بعد ذلك بين سبحانه وتعالى أن الله تعالى هو الذي خلق الأجيال المتعاقبة الذي يخلف بعضها بعضا - وهي متفاوتة فقال تعالت كلماته: وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات

(الواو) هنا واو الفصل بيان الآيات، وهي تفيد أن الآيات مترابطة تبع بعضها بعضا في نسق محكم متناسب يرتبط بعضه بعجز بعض.

الخلائف جمع خليفة، أي: طبقة تخلف طبقة، وجيلا يخلف جيلا، وكل واحد منها يعد خليفة في هذه الأرض، يسيطر سيطرة الإنسان عليها، إن ظالما، [ ص: 2768 ] وإن عادلا، وذلك تحقيق مستمر للخلافة التي جعلها الله تعالى لآدم أبي البشر، إذ قال تعالى: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء

وهنا بقوله سبحانه: وهو الذي جعلكم خلائف الأرض أي: صيركم أجيالا تخلف بعضها بعضا، وكل جيل خليفة في الأرض يفسد بعضه، ويصلح بعضه، ويباح الفساد مع الصلاح، وينازعه حتى لا يعم ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين

ولذا قال تعالى: ورفع بعضكم فوق بعض درجات

الدرجات كما جاء بها التعبير في القربات هي الدرجات العالية التي تكون سابقات كريمة، والمعنى: رفع منكم درجات بالهداية والسمو والرفعة إذا أطاعوا اتجهوا إلى الخير، وإعلاء منازل الإنسانية، ولو كانوا هم الفقراء أو العبيد، أو المستضعفين في الأرض، ولا يلزم أن يكون من الأقوياء أو الأغنياء وقد اختبر كلا، فاختبر الأغنياء ليشكروا واختبر الفقراء ليصبروا.

وقد وردت آيات كثيرة في هذا التفاوت في الدرجة، مع ملاحظة أن تفاوت الدرجات ليست بالغنى، فليس الغنى درجة، دونها حال الفقر، إنما الدرجات الرفعة عند الله تعالى بالعمل الصالح، ولو كان فقيرا أو ضعيفا تزدريه الأعين كما كانت حال المؤمنين الذين آمنوا بنوح -عليه السلام- والذي أمره الله -سبحانه وتعالى- أن يقول: ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين

إنما التفاوت في الدرجات بالقرب من الله والإيمان، ومثل هذا قوله تعالى: وقالوا لولا نـزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين

[ ص: 2769 ] فإن الدرجات في هذه الآية واضح أن المراد منها الدرجات في الرفعة، لا الدرجات في المال، فالتفاوت في المال لا يكون درجات للأغنياء على الفقراء، وقوله تعالى: ليتخذ بعضهم بعضا سخريا أي: ليكون الحال أن يسخر الأغنياء الكافرون من الفقراء المؤمنين.

ولو كان المراد التفاوت بالمال، لكان اعتراض الكافرين مسلما به; إذ قالوا: لولا نـزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم أي: في المال وكثرته.

وإن المقصود من ذلك السياق أن نقول إن قوله تعالى: وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات أن المراد برفعة الدرجات هو إيمان بعض المؤمنين ورفعتهم، وقد بين الله سبحانه وتعالى الحكمة من ذلك فقال: ليبلوكم في ما آتاكم أي: ليعاملكم معاملة من يختبركم فيما آتاكم من مال، أو رفعة معنوية دينية حيث يزدري الكافرون الأغنياء المؤمنين الفقراء، فيضيفون كفرا إلى كفرهم، ويضيف أهل الإيمان إيمانا إلى إيمانهم بصبرهم على الأذى وليختبر الغني في غناه فيشكر أم يكفر، ويختبر الفقير في فقره فيرضى ويصبر فيؤجر، أم يجزع ويكفر فيعاقب، فالغنى نعمة يختبر صاحبها، والفقر بأس يختبر صاحبه. والعاقبة إما عقاب وإما غفران ورحمة؛ ولذا قال تعالى: إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم

إن ربك سريع أي أن عقابه نازل لا محالة، ومؤكد أنه آت لا ريب فيه، وكل آت قريب، ووصف سرعة العقاب لله تعالى يؤكد نزوله بالعاصي من غير تردد فيه، فهو العادل الذي لا يبطئ في إقامة العدل، ويسارع بإنزاله فليس المراد بالسرعة سرعة الزمان، إنما المراد سرعة الإيقاع.

[ ص: 2770 ] وإنه في مقابل هذا غفور رحيم، يغفر لمن يشاء ورحيم بالخلق أجمعين ومن رحمته أن كان العذاب للعصاة، والمغفرة لمن لم يشرك به شيئا، وهذا كقوله تعالى: نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وقوله تعالى: وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب

اللهم اجعلنا أهلا لمغفرتك ورحمتك، وجنبنا سريع عقابك، واعف عنا وتجاوز عن سيئاتنا، إنك أنت العفو الغفور.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث