الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى

وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى هذا جامع كل المعاملات بين الناس بواسطة الكلام وهي الشهادة ، والقضاء ، والتعديل ، والتجريح ، والمشاورة ، والصلح بين الناس ، والأخبار المخبرة عن صفات الأشياء في المعاملات : من صفات المبيعات ، والمؤاجرات ، والعيوب ، وفي الوعود ، والوصايا ، والأيمان ، وكذلك المدائح والشتائم كالقذف ، فكل ذلك داخل فيما يصدر عن القول .

والعدل في ذلك أن لا يكون في القول شيء من الاعتداء على الحقوق : [ ص: 167 ] بإبطالها ، أو إخفائها ، مثل كتمان عيوب المبيع ، وادعاء العيوب في الأشياء السليمة ، والكذب في الأثمان ، كأن يقول التاجر : أعطيت في هذه السلعة كذا ، لثمن لم يعطه ، أو أن هذه السلعة قامت علي بكذا .

ومنه التزام الصدق في التعديل والتجريح وإبداء النصيحة في المشاورة ، وقول الحق في الصلح . وأما الشهادة والقضاء فأمر العدل فيهما ظاهر ، وإذا وعد القائل لا يخلف ، وإذا أوصى لا يظلم أصحاب حقوق الميراث ، ولا يحلف على الباطل ، وإذا مدح أحدا مدحه بما فيه . وأما الشتم فالإمساك عنه واجب ولو كان حقا فذلك الإمساك هو العدل لأن الله أمر به .

وفي التعليق بأداة الشرط في قوله : وإذا قلتم إشارة أن المرء في سعة من السكوت إن خشي قول العدل . وأما أن يقول الجور والظلم والباطل فليس له سبيل إلى ذلك ، والكذب كله من القول بغير العدل ، على أن من السكوت ما هو واجب .

وفي الموطأ أن رجلا خطب إلى رجل أخته فذكر الأخ أنها قد كانت أحدثت فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فضربه أو كاد يضربه ثم قال : ما لك وللخبر .

والواو في قوله : " ولو كان " واو الحال ، ولو وصلية تفيد المبالغة في الحال التي من شأنها أن يظن السامع عدم شمول الحكم إياها لاختصاصها من بين بقية الأحوال التي يشملها الحكم ، وقد تقدم بيانها عند قوله تعالى : فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به في سورة آل عمران ، فإن حالة قرابة المقول لأجله القول قد تحمل القائل على أن يقول غير العدل ، لنفع قريبه أو مصانعته ، فنبهوا على وجوب التزام العدل في القول في تلك الحالة ، فالضمير المستتر في كان عائد إلى شيء معلوم من الكلام : أي لو كان الذي تعلق به القول ذا قربى .

[ ص: 168 ] والقربى : القرابة ويعلم أنه ذو قرابة من القائل ، أي إذا قلتم قولا لأجله أو عليه فاعدلوا ولا تقولوا غير الحق ، ولا لدفع ضره بأن تغمصوا الحق الذي عليه ، ولا لنفعه بأن تختلقوا له حقا على غيره أو تبرئوه مما صدر منه على غيره ، وقد قال الله تعالى في العدل في الشهادة في القضاء : كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين .

وقد جاء طلب الحق في القول بصيغة الأمر بالعدل ، دون النهي عن الظلم أو الباطل : لأنه قيده بأداة الشرط المقتضي لصدور القول : فالقول إذا صدر لا يخلو عن أن يكون حقا أو باطلا ، والأمر بأن يكون حقا أوفى بمقصد الشارع لوجهين : أحدهما أن الله يحب إظهار الحق بالقول ففي الأمر بأن يكون عدلا أمر بإظهاره ونهي عن السكوت بدون موجب . والثاني أن النهي عن قول الباطل أو الزور يصدق بالكلام الموجه الذي ظاهره ليس بحق ، وذلك مذموم إلا عند الخوف أو الملاينة ، أو فيما لا يرجع إلى إظهار حق ، وتلك هي المعاريض التي ورد فيها الحديث : إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث