الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( قوله وكفنه سنة : إزار وقميص ولفافة ) لحديث البخاري { كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية } وسحول بفتح السين قرية باليمن والإزار واللفافة من القرن إلى القدم والقرن هنا بمعنى الشعر واللفافة هي الرداء طولا ، وفي بعض نسخ المختار أن الإزار من المنكب إلى القدم هذا ما ذكروه وبحث فيه في فتح القدير بأنه ينبغي أن يكون إزار الميت كإزار الحي من السرة إلى الركبة ; لأنه { عليه السلام أعطى اللاتي غسلن ابنته حقوة } ، وهي في الأصل معقد الإزار ثم سمي به الإزار للمجاورة والقميص من المنكب إلى القدم بلا دخاريص ; لأنها تفعل في قميص الحي ليتبع أسفله للمشي وبلا جيب ، ولا كمين ، ولا يكف أطرافه ، ولو كفن في قميص قطع جيبه ولبته كذا في التبيين والمراد بالجيب الشق النازل على الصدر ، وفي العناية التكفين في ثلاثة أثواب هو السنة وذلك لا ينافي أن يكون أصل التكفين واجبا ، ولم يذكر المصنف العمامة لما في المجتبى وتكره العمامة في الأصح ، وفي فتح القدير واستحسنها بعضهم لما روي عن ابن عمر أنه كان يعممه ويجعل العذبة على وجهه ا هـ .

وفي الظهيرية استحسنها بعضهم للعلماء والأشراف فقط ، وأشار المصنف إلى أنه لا يزاد للرجل على ثلاثة وصرح في المجتبى بكراهتها واستثنى في روضة الزندوستي ما إذا أوصى بأن يكفن في أربعة أو خمسة فإنه يجوز بخلاف ما إذا أوصى أن يكفن في ثوبين فإنه يكفن في ثلاثة ، ولو أوصى بأن يكفن بألف درهم كفن كفنا وسطا ا هـ .

ولم يبين لون الأكفان لجواز كل لون لكن أحبها البياض ، ولم يبين جنسها لجواز الكل لا ما لا يجوز لبسه حال الحياة كالحرير للرجال وقد قالوا في باب الشهيد إنه ينزع عنه الفرو والحشوة معللين بأنه ليس من جنس الكفن فظاهره أنه لا يجوز التكفين به إلا أن يقال ليس من جنسه المسنون ، وهو الظاهر ; لأن المقصود من الكفن ستره ، وهو حاصل بهما ، وفي المجتبى والجديد والخلق فيه سواء بعد أن يكون نظيفا من الوسخ والحدث قال ابن المبارك أحب إلي أن يكفن في ثيابه التي كان يصلي فيها ا هـ .

وفي الظهيرية ويكفن الميت كفن مثله وتفسيره أن ينظر إلى ثيابه في حال حياته لخروج الجمعة والعيدين فذلك كفن مثله وتحسن الأكفان للحديث { حسنوا أكفان الموتى ; لأنهم يتزاورون فيما بينهم ويتفاخرون بحسن أكفانهم } ا هـ .

( قوله وكفاية : إزار ولفافة ) لقوله عليه الصلاة والسلام { في المحرم الذي وقصته ناقته كفنوه في ثوبين } واختلف فيهما فقيل قميص ولفافة وصحح الشارح ما في الكتاب ، ولم يبين وجهه وينبغي عدم التخصيص بالإزار واللفافة ; لأن كفن الكفاية معتبر بأدنى ما يلبسه الرجل في حياته من غير كراهة ، وهو ثوبان كما علل به في البدائع قالوا : ويكره أن يكفن في ثوب واحد حالة الاختيار ; لأن في حال حياته تجوز صلاته في ثوب واحد مع الكراهة ، وقالوا إذا كان بالمال قلة وبالورثة كثرة فكفن الكفاية أولى ، وعلى القلب كفن السنة أولى ومقتضاه أنه لو كان عليه ثلاثة أثواب ، وليس له غيرها ، وعليه دين أن يباع واحد منهما للدين ; لأن الثالث ليس بواجب حتى ترك للورثة عند كثرتهم فالدين أولى [ ص: 190 ] مع أنهم صرحوا كما في الخلاصة بأنه لا يباع شيء منها للدين كما في حالة الحياة إذا أفلس ، وله ثلاثة أثواب ، وهو لابسها ولا ينزع عنه شيء ليباع ( قوله وضرورة : ما يوجد ) ثابت في أكثر النسخ ، وقد شرح عليه مسكين وباكير وغيرهما ، ولم يثبت في نسخة الزيلعي فأنكرها واستدل له { بحديث مصعب بن عمير لم يوجد له شيء يكفن فيه إلا نمرة فكانت إذا وضعت على رأسه بدت رجلاه وإذا وضعت على رجليه خرج رأسه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تغطى رأسه ويجعل على رجليه شيء من الإذخر } وهذا دليل على أن ستر العورة وحدها لا يكفي كذا في التبيين .

التالي السابق


( قوله وصرح في المجتبى بكراهتها ) قال في النهر والمذكور في غاية البيان أنه لا بأس بالزيادة على الثلاثة في كفن الرجل ذكره في كتاب الخنثى فالاقتصار على الثلاث لنفي كون الأقل مسنونا ( قوله كما علل به في البدائع ) قال في النهر المراد بالثوبين في كلام البدائع الإزار والرداء ; لأنه قال أدنى ما يكفن فيه إزار ورداء لقول الصديق رضي الله تعالى عنه كفنوني في ثوبي هذين ولأن أدنى ما يلبسه الإنسان في حال حياته ثوبان ا هـ .

نعم مقتضاه أن القميص مع الإزار كفاية . ا هـ .

قال الشيخ إسماعيل أقول : وهو المطلوب لإشعاره بعدم التخصيص ، ولو كان المراد بهما في كلامه ذلك فكلام البحر بالنظر إلى التعليل لا المعلل [ ص: 190 ] ( قوله مع أنهم صرحوا إلخ ) قال في الفتح ، ولا يبعد الجواب قال الشيخ إسماعيل ولعله كون التعبير بالأولى لا يقتضي الوجوب . ا هـ .

وقال بعضهم بأن يفرق بين الميت والحي بأن عدم الأخذ من الحي لاحتياجه ، ولا كذلك الميت . ا هـ .

لكن لا يخفى أن الإشكال إنما جاء من تصريحهم بعدم الفرق بين الميت والحي فأنى يصح هذا الجواب وكتب الرملي هنا أقول : قال في ضوء السراج شرح السراجية قال الفقيه أبو جعفر ليس لهم ذلك بل يكفن بكفن الكفاية ويقضى بالباقي الدين بناء على مسألة ذكرها الخصاف في أدب القاضي إذا كان للمديون ثياب حسنة يمكنه الاكتفاء بما دونها يبيع القاضي ويقضي الدين ويشتري بالباقي ثوبا يكفيه فكذا في الميت المديون اعتبارا بحالة الحياة ، وهو الصحيح ، وفي المنح ليس للغرماء أن يمنعوا عن كفن المثل . ا هـ .

قلت : وقد صرح بمثل ذلك في سكب الأنهر شرح فرائض ملتقى الأبحر ، وكذا في غيره مع التصريح بالتصحيح وبه علم أن ما مر عن الخلاصة خلاف الصحيح أو محمول على ما إذا كان الحي لا يمكنه الاكتفاء بما دونها وعلى كل فلا إشكال ( قوله : ولم يثبت في نسخة الزيلعي فأنكرها ) الذي رأيته في نسختي وجودها ، ولم أجد إنكارها ولعل ذلك في بعض النسخ منه فليراجع .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث