الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 2952 ] [ ص: 2953 ] بسم الله الرحمن الرحيم سورة يس والصافات وص

الجزء الثالث والعشرون

[ ص: 2954 ] [ ص: 2955 ] (36) سورة يس مكية وآياتها ثلاث وثمانون

بسم الله الرحمن الرحيم

يس (1) والقرآن الحكيم (2) إنك لمن المرسلين (3) على صراط مستقيم (4) تنزيل العزيز الرحيم (5) لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون (6) لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون (7) إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون (8) وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون (9) وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (10) إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم (11) إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين (12) واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون (13) إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون (14) قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون (15) قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون (16) وما علينا إلا البلاغ المبين (17) قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم (18) قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون (19) وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين (20) اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون (21) وما لي لا أعبد الذي فطرني .وإليه ترجعون (22) أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون (23) إني إذا لفي ضلال مبين (24) إني آمنت بربكم [ ص: 2956 ] فاسمعون (25) قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون (26) بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين (27) وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين (28) إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون (29)

هذه السورة المكية ذات فواصل قصيرة، وإيقاعات سريعة، ومن ثم جاء عدد آياتها ثلاثا وثمانين، بينما هي أصغر وأقصر من سابقتها "سورة فاطر" وعدد آياتها خمس وأربعون.

وقصر الفواصل مع سرعة الإيقاع يطبع السورة بطابع خاص، فتتلاحق إيقاعاتها، وتدق على الحس دقات متوالية، يعمل على مضاعفة أثرها ما تحمله معها من الصور والظلال التي تخلعها المشاهد المتتابعة من بدء السورة إلى نهايتها، وهي متنوعة وموحية وعميقة الآثار.

والموضوعات الرئيسية للسورة هي موضوعات السور المكية، وهدفها الأول هو بناء أسس العقيدة، فهي تتعرض لطبيعة الوحي وصدق الرسالة منذ افتتاحها: يس. والقرآن الحكيم. إنك لمن المرسلين. على صراط مستقيم. تنزيل العزيز الرحيم.. . وتسوق قصة أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون، لتحذر من عاقبة التكذيب بالوحي والرسالة; وتعرض هذه العاقبة في القصة على طريقة القرآن في استخدام القصص لتدعيم قضاياه، وقرب نهاية السورة تعود إلى الموضوع ذاته: وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين ..

كذلك تتعرض السورة لقضية الألوهية والوحدانية، فيجيء استنكار الشرك على لسان الرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة ليحاج قومه في شأن المرسلين وهو يقول: وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون؟ أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون؟ إني إذا لفي ضلال مبين .. وقرب ختام السورة يجيء ذكر هذا الموضوع مرة أخرى: واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون. لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون ..

والقضية التي يشتد عليها التركيز في السورة هي قضية البعث والنشور، وهي تتردد في مواضع كثيرة في السورة، تجيء في أولها: إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين .. وتأتي في قصة أصحاب القرية، فيما وقع للرجل المؤمن، وقد كان جزاؤها العاجل في السياق: قيل: ادخل الجنة. قال: يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين .. ثم ترد في وسط السورة: ويقولون: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون .. ثم يستطرد السياق إلى مشهد كامل من مشاهد القيامة، وفي نهاية السورة ترد هذه القضية في صورة حوار: وضرب لنا مثلا ونسي خلقه. قال: من يحيي العظام وهي رميم؟ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ..

هذه القضايا المتعلقة ببناء العقيدة من أساسها، تتكرر في السور المكية، ولكنها تعرض في كل مرة من زاوية معينة، تحت ضوء معين، مصحوبة بمؤثرات تناسب جوها، وتتناسق مع إيقاعها وصورها وظلالها.

[ ص: 2957 ] هذه المؤثرات منتزعة في هذه السورة من مشاهد القيامة - بصفة خاصة - ومن مشاهد القصة ومواقفها وحوارها، ومن مصارع الغابرين على مدار القرون، ثم من المشاهد الكونية الكثيرة المتنوعة الموحية: مشهد الأرض الميتة تدب فيها الحياة، ومشهد الليل يسلخ منه النهار فإذا هو ظلام. ومشهد الشمس تجري لمستقر لها، ومشهد القمر يتدرج في منازله حتى يعود كالعرجون القديم، ومشهد الفلك المشحون يحمل ذرية البشر الأولين، ومشهد الأنعام مسخرة للآدميين، ومشهد النطفة، ثم مشهدها إنسانا وهو خصيم مبين! ومشهد الشجر الأخضر تكمن فيه النار التي يوقدون!.

وإلى جوار هذه المشاهد مؤثرات أخرى تلمس الوجدان الإنساني وتوقظه: منها صورة المكذبين الذين حقت عليهم كلمة الله بكفرهم فلم تعد تنفعهم الآيات والنذر: إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون .ومنها صورة نفوسهم في سرهم وفي علانيتهم مكشوفة لعلم الله لا يداريها منه ستار، ومنها تصوير وسيلة الخلق بكلمة لا تزيد: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: كن. فيكون .. وكلها مؤثرات تلمس القلب البشري وهو يرى مصداقها في واقع الوجود.

ويجري سياق السورة في عرض موضوعاتها في ثلاثة أشواط:

يبدأ الشوط الأول بالقسم بالحرفين: "يا. سين" وبالقرآن الحكيم، على رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه على صراط مستقيم، يتلو ذلك الكشف عن النهاية البائسة للغافلين الذين يكذبون، وهي حكم الله عليهم بألا يجدوا إلى الهداية سبيلا وأن يحال بينهم وبينها أبدا، وبيان أن الإنذار إنما ينفع من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب; فاستعد قلبه لاستقبال دلائل الهدى وموحيات الإيمان، ثم يوجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أن يضرب لهم مثلا أصحاب القرية، فيقص قصة التكذيب وعاقبة المكذبين، كما يعرض طبيعة الإيمان في قلب الرجل المؤمن وعاقبة الإيمان والتصديق..

ومن ثم يبدأ الشوط الثاني بنداء الحسرة على العباد الذين ما يفتؤون يكذبون كل رسول ويستهزئون به، غير معتبرين بمصارع المكذبين، ولا متيقظين لآيات الله في الكون وهي كثير، وهنا يعرض تلك المشاهد الكونية التي سبقت الإشارة إليها في تقديم السورة، كما يعرض مشهدا مطولا من مشاهد القيامة فيه الكثير من التفصيل.

والشوط الثالث يكاد يلخص موضوعات السورة كلها، فينفي في أوله أن ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - شعر، وينفي عن الرسول كل علاقة بالشعر أصلا، ثم يعرض بعض المشاهد واللمسات الدالة على الألوهية المتفردة، وينعي عليهم اتخاذ آلهة من دون الله يبتغون عندهم النصر وهم الذين يقومون بحماية تلك الآلهة المدعاة!.ويتناول قضية البعث والنشور فيذكرهم بالنشأة الأولى من نطفة ليروا أن إحياء العظام وهي رميم كتلك النشأة ولا غرابة! ويذكرهم بالشجر الأخضر الذي تكمن فيه النار وهما في الظاهر بعيد من بعيد! وبخلق السماوات والأرض وهو شاهد بالقدرة على خلق أمثالهم من البشر في الأولى والآخرة، وأخيرا يجيء الإيقاع الأخير في السورة: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: كن. فيكون. فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون .

والآن نأخذ بعد هذا العرض المجمل في التفصيل..

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث