الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                            صفحة جزء
                                                            وعن سعيد عن أبي هريرة قال قال رجل يا رسول الله أيصلي أحدنا في ثوب ؟ قال ألكلكم ثوبان ؟ قال أبو هريرة أتعرف أبا هريرة يصلي في ثوب واحد وثيابه على المشجب لم يذكر الشيخان قول أبي هريرة وزاد البخاري " ثم سأل رجل عمر فقال إذا وسع الله عليكم فأوسعوا ، جمع رجل عليه ثيابه صلى رجل في إزار ورداء في إزار وقميص في إزار وقباء في سراويل ورداء في سراويل وقميص في سراويل وقباء في تبان وقباء في تبان وقميص قال وأحسبه قال في تبان ورداء .

                                                            التالي السابق


                                                            الحديث الرابع

                                                            وعن سعيد عن أبي هريرة قال قال رجل يا رسول الله أيصلي أحدنا في ثوب قال ألكلكم ثوبان قال أبو هريرة أتعرف أبا هريرة يصلي في ثوب واحد وثيابه على المشجب . لم يذكر الشيخان قول أبي هريرة (فيه) فوائد :

                                                            (الأولى) قوله ألكلكم ثوبان قال الخطابي في معالمه لفظه لفظ الاستفهام ومعناه الإخبار عما كان يعلمه من حالهم في العدم وضيق الثياب يقول وإذا كنتم بهذه الصفة ، وليس لكل واحد منكم ثوبان والصلاة واجبة عليكم فاعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة وقال في شرح البخاري وفي ضمنه الفتوى من طريق الفحوى ثم استقصار فهمهم واستزادة علمهم كأنه قال إذا كان ستر العورة واجبا والصلاة لازمة وليس لكل واحد ثوبان فكيف لم تعلموا أن الصلاة [ ص: 237 ] في الثوب الواحد جائزة انتهى .

                                                            وفي رواية الشيخين أو لكلكم بواو محركة بعد الهمزة وهي واو العطف وأصل الكلام وألكلكم لكن قدم الاستفهام لأن له صدر الكلام وذكر الزمخشري في مثل هذا أن الواو عاطفة على محذوف بعد الهمزة دل عليه المعطوف ولا تقديم ولا تأخير فالتقدير هنا ألكلكم ثوبان ولكلكم ثوبان وما ذهب إليه الجمهور أولى والتقديم والتأخير أسهل من الحذف .

                                                            (الثانية) فيه جواز الصلاة في الثوب الواحد وهو قول كافة العلماء وقال ابن المنذر لا أعلم أحدا أوجب على من صلى في ثوب واحد الإعادة إذا كان ساترا للعورة وقال القاضي عياض والنووي وغيرهما لا خلاف في جواز الصلاة في الثوب الواحد إلا شيء روي عن ابن مسعود قال النووي ولا أعلم صحته (قلت) له عنه أربع طرق رواه ابن أبي شيبة والبيهقي من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد قال اختلف أبي وابن مسعود في الصلاة في الثوب الواحد فقال أبي ثوب وقال ابن مسعود ثوبان ورواه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عيينة عن عمرو عن الحسن قال اختلف أبي وابن مسعود فذكره وهو منقطع فإن الحسن لم يسمع من ابن مسعود في معجم الطبراني الكبير عن عاصم عن ذر عن عبد الله قال يصلي الرجل في ثوبين .

                                                            وفي مصنف ابن أبي شيبة من رواية أبي فزارة عن أبي زيد عن ابن مسعود قال لا تصلين في ثوب وإن كان أوسع مما بين السماء والأرض وهذا إسناد ضعيف جدا وذكر ابن بطال أنه روي عن عمر مثل قول ابن مسعود .

                                                            (قلت) والصحيح المشهور عنه كقول الجمهور وروى ابن أبي شيبة أيضا عن مجاهد أنه قال لا تصل في ثوب واحد إلا أن لا تجد غيره وقال الترمذي في جامعه بعد ذكره : إن العمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم وقال بعض أهل العلم يصلي الرجل في ثوبين .

                                                            (الثالثة) ظاهره يقتضي جواز الصلاة في الثوب الواحد سواء أكان ساترا لجميع البدن أم لمقدار العورة فقط سواء أوضع بعضه على عاتقه أم لا وبه قال الشافعي ومالك [ ص: 238 ] وأبو حنيفة وأكثر العلماء من السلف والخلف وذهبت طائفة إلى أنه إذا لم يكن ساترا لجميع البدن وجب جعل بعضه على عاتقه لحديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء رواه البخاري ومسلم .

                                                            وفي لفظ للبخاري من صلى في ثوب واحد فليخالف بين طرفيه وبهذا قال أحمد حملا للمطلق في الرواية الأولى على المقيد في هاتين الروايتين وجعل النهي هنا للتحريم والأمر للوجوب ثم المشهور عن أحمد أنه لو صلى مكشوف العاتق مع القدرة على السترة لم تصح صلاته فجعله شرطا وقال في رواية أخرى إنه تصح صلاته ولكن يأثم به وحكاه ابن المنذر عن أبي جعفر وحكاه ابن حزم عن محمد بن الحنفية .

                                                            وقال الخطابي كان بعض العلماء لا يجيز شهادة من صلى بغير رداء وفي مصنف ابن أبي شيبة عن صحابي أنه كان إذا لم يجد رداء وضع على عاتقه عقالا ثم صلى وعن إبراهيم النخعي قال كانوا يكرهون إعراء المناكب في الصلاة .

                                                            واختار الإمام تقي الدين السبكي رحمه الله من متأخري الشافعية وجوب ذلك وحكاه عن نص الشافعي لكن المعروف من مذهبه ومذهب الأكثرين أن ذلك على سبيل الاستحباب لكنه استحباب متأكد بحيث يكره تركه وحملوا النهي في حديث أبي هريرة على الكراهة والأمر على الندب واستدلوا بما في الصحيحين عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له إذا كان واسعا فخالف بين طرفيه وإذا كان ضيقا فاشدده على حقوك .

                                                            قال الشافعي رحمه الله فاحتمل قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يصل أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء أن يكون اختيارا واحتمل أن يكون لا يجزيه غيره فلما حكى جابر ما وصفت وحكت ميمونة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي في ثوب بعضه عليه وبعضه عليها دل ذلك على أنه صلى الله عليه وسلم صلى فيما صلى فيه مؤتزرا به لا يستره أبدا إلا مؤتزرا إذا كان بعضه على غيره ؟

                                                            فعلمنا أن نهيه أن يصلي في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء اختيار انتهى .

                                                            وأخذ ابن حزم الظاهري بظاهر حديث جابر هذا وقال بالوجوب فيما إذا كان الثوب واسعا فحمل الأمر في حديث أبي هريرة على الوجوب لكن حمله على ما إذا كان واسعا وأجاز الصلاة في الثوب الضيق من غير جعل شيء [ ص: 239 ] منه على عاتقه وإن كان معه غيره وسبقه إلى ذلك ابن المنذر بوب ابن أبي شيبة في مصنفه من كان يقول إذا كان ثوبا واحدا فليتزر به وروي فيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه رأى رجلا يصلي ملتحفا فقال لا تشبهوا باليهود من لم يجد منكم إلا ثوبا واحدا فليتزر به وعن ابن عمر رضي الله عنه لو لم أجد إلا ثوبا واحدا كنت أتزر به أحب إلي من أن أتوشح به توشح اليهود وعن عبد الله بن واقد قال صليت إلى جنب عبد الله بن عمر وأنا متوشح فأمرني بالإزرة وعن جابر أنه صلى في ثوب متزرا به وعن أبي سعيد الخدري أنه سئل عن الصلاة في الثوب فقال يتزر به كما يتزر للصراع وعن محمد بن سيرين إذا لم يكن له إلا ثوب واحد اتزر به وعن عبد الله بن أبي مليكة أنه صلى في ثوب واحد قد رفعه إلى صدره وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالعرج في ثوب واحد رفعه إلى صدره .

                                                            وظاهر كلام هؤلاء منع وضعه على العاتق فيكون في ذلك مذاهب أحدها الاستحباب والثاني الإيجاب والثالث الاشتراط والرابع والإنكار والخامس الفرق بين أن يكون واسعا أو ضيقا وفي مصنف ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي أنه قال لا بأس إذا جلس الرجل في الصلاة أن يضع رداءه عن عاتقه وهذا يقتضي الفرق بين حالة الجلوس وغيرها من الأحوال فهو مذهب سادس والله أعلم .



                                                            (الرابعة) واستدل به على أن الصلاة في ثوبين أفضل لمن قدر على ذلك لأنه عليه الصلاة والسلام أشار إلى أن المعنى في ذلك ضيق الحال وعجز بعض الناس عن ثوبين فدل على أن الأكمل ثوبان ، ولهذا قال عمر رضي الله عنه إذا وسع الله عليكم فأوسعوا ولا خلاف في ذلك كما صرح به القاضي عياض وغيره ولكن عبارة ابن المنذر تقتضي أن ذلك مقالة والأكثرون على خلافها فإنه بعد أن حكى عن الأئمة جواز الصلاة في الثوب الواحد قال وقد استحب بعضهم الصلاة في ثوبين .



                                                            (الخامسة) استدل به على وجوب الصلاة في الثياب لما دل عليه من أن جواز الاقتصار على ثوب واحد رخصة لضيق الحال فدل على أنه لا يجوز ترك ذلك والمعتبر في ذلك الثوب أن يكون ساترا للعورة بحسب اختلاف العلماء في العورة وذلك أيضا يختلف بالذكورة والأنوثة وحرية المرأة ورقها وإذا ثبت وجوب [ ص: 240 ] السترة في الصلاة كان دليلا على أنه شرط فيها لأن الغالب أن ما وجب في الصلاة كان شرطا فيها .

                                                            وبهذا قال الجمهور وكذلك أورده والدي رحمه الله في شروط الصلاة وعند المالكية أربعة أقوال الاشتراط مطلقا وهو المشهور والاشتراط مع الذكر دون النسيان والوجوب خاصة والاستحباب وقد تقدم إيضاح ذلك في الكلام على الحديث الثاني وحكى القاضي أبو بكر بن العربي في كون ستر العورة من فروض الصلاة أربعة أقوال بعد أن صدر كلامه بأن ستر العورة فرض إسلامي لا خلاف فيه بين الأمة قال واختلف العلماء هل هو من فروض الصلاة على أربعة أقوال :

                                                            (الأول) أنه يجب ستر جميع الجسد حكاه أبو الفرج .

                                                            (الثاني) يكون متزر وسطه كما فعل جابر قاله ابن القاسم كأنه غطى العورة وحماها وستر ما اتصل بها .

                                                            (الثالث) يصلي مستور العورة خاصة وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وأكثر علماء الأمصار .

                                                            (الرابع) أنه لا يجب ستر عورة ولا غيرها قال بعض شيوخنا إذا كان في بيته ولا يراه أحد وحكاه القاضي أبو محمد وغيره عن القاضي إسماعيل والأبهري وابن بكير وجاء نحوه عن أشهب لأنه قال من صلى عريانا أعاد في الوقت قال والصحيح وجوب ستر العورة في الصلاة فإنها إذا وجبت خارج الصلاة تأكدت بالصلاة انتهى .

                                                            قال والدي رحمه الله في شرح الترمذي وفيه نظر فإنه ذكر أن الأقوال الأربعة في أن ستر العورة من فروض الصلاة أم لا ثم حكى القول الأول أنه يجب ستر جميع الجسد ولا قائل فيما نعلم بأن جميع جسد الرجل عورة فكان حقه أن يفرض الخلاف فيما يجب ستره في الصلاة لا بقيد كونه عورة على أن الذي حكاه ابن عبد البر في الاستذكار عن أبي الفرج وجوب ستر العورة في الصلاة لا ستر جميع البدن انتهى .

                                                            (قلت) وحكى القاضي عياض عن أبي الفرج وجوب ستر جميع الجسد في الصلاة كما حكاه ابن العربي .



                                                            (السادسة) المشجب بكسر الميم وإسكان الشين المعجمة وفتح الجيم وآخره باء موحدة عيدان تضم رءوسها ويفرج بين قوائمها وتوضع عليها الثياب ، وقد تعلق عليها الأسقية لتبريد الماء وهو من تشاجب الأمر إذا اختلط قاله في النهاية وذكر في المحكم أنه خشبات موثقة منصوبة توضع عليها الثياب وأنه يقال له أيضا شجاب وجمعه [ ص: 241 ] شجب ثم قال والشجب الخشاب الثلاث التي يعلق عليها الراعي دلوه وسقاءه .

                                                            وقال في الصحاح إن المشجب الخشبة التي تلقى عليها الثياب وكذا قال في المشارق عود ترفع عليه الثياب قال وهي الشجاب أيضا فاكتفيا في صدق اسمه بأن يكون خشبة واحدة وأراد أبو هريرة رضي الله عنه بما أخبر به عن نفسه من أنه يصلي في الثوب الواحد وثيابه على المشجب تأكيد جواز الصلاة في الثوب الواحد والتوسعة على من عنده تشدد في ذلك فإذا كان أبو هريرة مع صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم وكونه قدوة في الدين يقتصر على الثوب الواحد مع تمكنه من الزيادة عليه لكون ثيابه متيسرة قريبة غير بعيدة منه ومع ذلك فلا يصلي فيها فغيره أولى بذلك وكذا فعل جابر رضي الله عنه وقال لما سئل عن ذلك إنما صنعت ذلك ليراني أحمق مثلك وأينا كان له ثوبان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية أحببت أن يراني الجهال مثلكم .



                                                            (السابعة) هذه الزيادة التي ذكرها في الأصل عن رواية البخاري أن عمر قال لما سئل عن ذلك إذا وسع الله عليكم فأوسعوا إلى آخرها رواها البخاري من طريق حماد بن زيد عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ورواها ابن حبان في صحيحه عن طريق إسماعيل ابن علية عن أيوب فرفعها ولفظه نادى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيصلي أحدنا في الثوب الواحد قال إذا وسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم فذكره إلى آخره وعلى كل حال .

                                                            ففيه أن الأفضل الصلاة في ثوبين لمن قدر على ذلك ووسع الله عليه وهو كذلك كما تقدم وفصل عمر رضي الله عنه الأقسام الداخلة تحت الصلاة في ثوبين وهي الصلاة في إزار وسراويل أو تبان وذلك هو المعتمد عليه في ستر العورة ويضم إليه إما رداء أو قميصا أو قباء فهذه تسعة أقسام ، وهي الحاصلة من ضرب ثلاثة في ثلاثة .



                                                            والتبان بضم التاء المثناة من فوق وتشديد الباء الموحدة وآخره نون قال في الصحاح سراويل صغيرة مقدار شبر يستر العورة المغلظة فقط يكون للملاحين وكذا قال في النهاية إلا أنه لم يقل مقدار شبر . وقال في المحكم والمشارق شبه السراويل زاد في المشارق قصير الساق فإن صح [ ص: 242 ] ما ذكره من الصحاح من أنه مقدار شبر فهو لا يستر العورة بكمالها فلا يمكن الاقتصار عليه مع الرداء لأن الرداء إنما يستر أعالي البدن ، وإنما يؤتى به مع قميص أو قباء .

                                                            وهذا مقتضى قول النهاية إنه يستر العورة المغلظة فقط وإن لم يقيده بكونه قدر شبر لأن العورة المغلظة هي السوأتان خاصة وليس في كلام صاحبي المحكم والمشارق ما يقتضي ذلك وإن كان محتملا له ولهذا شك الراوي في جمع التبان مع الرداء فقال وأحسبه قال في تبان ورداء وقد عرفت أنه لا يمكن الاقتصار على التبان مع الرداء إن كان التبان لا يستر جميع العورة وأما القباء فهو بفتح القاف ممدود ذكر في المشارق أنه ثوب ضيق من ثياب العجم قال وهو من قبوت إذا ضممت وكذا ذكر في المحكم أنه مشتق من الانضمام لاجتماع أطرافه .




                                                            الخدمات العلمية