كيف يمكن أن أخالط المجتمع دون أن أشاركهم في منكراتهم؟

0 3

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جزاكم الله خيرا على هذا الموقع الذي نجد فيه المشورة.

حياتي مضطربة، ولا أدري كيف أتصرف، لدي عدة تساؤلات، وأرجو الإجابة عليها.

أولا: علاقتي بالله: أشعر أنني لست مخلصة في عبادتي، وأنني أظهر خلاف ما أبطن، أعلم أن الأغاني والمسلسلات حرام، وأحاول تركها، لكنني أجد لذة في سماعها إذا كانت مشغلة أمامي، حتى لو لم أقم بتشغيلها بنفسي، وألجأ إلى الله فقط عند الشدة، وعندما صعبت علي دراستي في الطب، بدأت أفكر في تركها، وأصبحت لا أريد فعل أي شيء بحجة أنه مناف للدين."

ثانيا: مشكلتي مع دراسة الطب، أقول لنفسي: اتركي الدراسة، لأن بيئتها مليئة بالاختلاط، والضحك، والعورات، ولأنك تخافين من الحشرات فكيف ستتعاملين مع الدماء؟

وفي نفس الوقت، لا أستطيع ترك الدراسة، لأن والدي لا يعمل، وأخي راتبه قليل، ووضعنا المادي صعب، أهلي يضعون آمالهم علي، وعندما أخبرهم أنني أريد ترك الدراسة، يصابون بالحزن الشديد، وتقول أمي إنها لن ترضى عني، بل وتهدد بترك المنزل إذا فعلت ذلك!

وعندما أحاول العودة إلى الدراسة، تراودني نفس الأفكار السلبية، وأجد صعوبة كبيرة في المذاكرة، لأن لغتي الإنجليزية ضعيفة جدا.

أسافر إلى الجامعة يوميا، وتستغرق المواصلات ثلاث ساعات أو أكثر، ولا يوجد سكن جامعي، وعند عودتي أكون مرهقة جدا. أسمع أن النوم بعد العصر مكروه، لكنه الوقت الوحيد الذي أتمكن فيه من أخذ قسط من الراحة، وإن لم أنم، لا أستطيع الدراسة.

أحيانا أنام بعد المغرب، فأستيقظ متأخرة وأنا شديدة النعاس، وتضيع الساعات بين الإرهاق والنعاس، حتى يتراكم علي المنهج أكثر. لا أجد وقتا لحفظ الكلمات الإنجليزية التي أحتاجها، ولا أستطيع مراجعة ما أدرسه، مما يشعرني بالإحباط الشديد.

إن نومي لا يتجاوز خمس ساعات يوميا، وتغذيتي عادية جدا، مما يجعلني أستيقظ وأنا متعبة ومصابة بالحمى والإرهاق، بينما الجامعة تزدحم بالطلاب، وهناك نقص في الشرح بسبب ظروف الحرب بلادنا، مما يزيد من صعوبة الدراسة.

ثالثا: علاقتي بالقرآن، أتمنى حفظ كتاب الله، لكن لا يوجد في عائلتي من يحفظ القرآن أو يقرؤه بانتظام، غالبا ما يهجر المصحف طوال العام، أو من رمضان إلى رمضان، كما أنه لا يوجد مركز تحفيظ يمكنني الذهاب إليه، وأهلي لا يهتمون بالأمر، حفظت أربعة أجزاء في المنزل، لكنني نسيتها بسبب عدم المراجعة.

أحيانا أهجر القرآن تماما، وأحيانا أكتفي بقراءة سورة الملك، أو سورة الكهف يوم الجمعة، وأحيانا لا أقرأ شيئا، مما يجعلني أشعر بالنفاق.

رابعا: مشكلتي في التعامل مع الناس.
أحيانا أختار الصمت وعدم الحديث مع من حولي بحجة أن الكلام معهم كله غيبة، ونميمة، ومسلسلات، وضحك وأمور غير مفيدة، لكنني في نفس الوقت لا أستطيع العيش وحيدة، عندما أكون معهم، أشعر أنني إما أن أندمج وأشاركهم الأحاديث، وإما أن أبقى منعزلة تماما.

إذا جلست بين الرجال والنساء معا في المناسبات، لا أجد ما أقوله، وإن تحدثت عن الحلال والحرام، ينفرون مني.

إن الناس مرتاحون في حياتهم كما هم، ولا يشعرون بالذنب كما أشعر، بل يرونني معقدة أو متشددة، حتى زيارات العائلة تملؤها الأغاني والاختلاط، وإن لم أشارك، أشعر وكأنني لم آت أصلا.

عندما انتقبت، زاد الأمر سوءا، وأصبح الجميع ينفر مني أكثر، لأنني لست اجتماعية ولا أشاركهم اهتماماتهم، لا أضحك معهم ولا أشارك في الحديث، لأن كل أحاديثهم تدور حول الأغاني، والمسلسلات، والخرجات، واللهو.

سؤالي: كيف أوازن بين كل هذه الأمور؟ وكيف أواصل دراسة الطب وأتفوق رغم كل هذه التحديات؟ وكيف أوفق بين حفظ القرآن ودراستي؟ وكيف أتعامل مع أهلي وأقاربي والمجتمع، دون أن أكون منعزلة تماما أو أضطر للمشاركة فيما لا يرضي الله؟

جزاكم الله خيرا، وأعانكم ووفقكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ إسراء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك -أختنا- في موقعك إسلام ويب، وإنا نسأل الله الكريم أن يبارك فيك، وأن يحفظك، وأن يقدر لك الخير حيث كان.

قرأنا رسالتك، وسنجيبك على كل فقرة برد موجز، ونسأل الله التيسير:

أولا: تسألين عن المعاصي التي تقعين فيها، وتعتقدين أنك منافقة بهذا السلوك؟ ونقول لك:
النفاق قسمان:
- قسم منه يسمى النفاق العقدي، وهذا مخرج لصاحبه عن الملة -والعياذ بالله-، وهو أن يبطن الكفر ويستتر بالإيمان، هو من داخله مطمئن للكفر بالله، ولكن يظهر للناس عكس ذلك، هذا هو النفاق.

أما ما عداه من سماع الأغانى مع اعتقاد حرمتها، أو الجلوس بجوار من يرتكب المعصية من الأهل والأصدقاء والقلب كاره لذلك، أو مخالطة بعض المسلمين الذي يقعون في بعض المعاصي، أو الوقوع في المعاصي، كل هذا والقلب معتقد الحرمة، فلا يعد نفاقا مخرجا من الملة، بل هذه معاص يجب على الإنسان معرفة الأسباب التي توقعه فيها، والاجتهاد في إزالتها مع التوبة عند الوقوع.

ثانيا: سؤالك: أنا لا أحتمى بالله إلا عند الشدة وتظنين أن هذا من النفاق! ونحن نقول لك: ليس نفاقا، بل هو من طبيعة المؤمن أنه متى ما وقع في ابتلاء هرع إلى الله قال سبحانه: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه}، فالله يحب هذا من عبده، قال سبحانه: {أمن يجيب الـمضطر إذا دعاه ويكشف السوء}، والله يعتب على من وقع في المصائب ولم يهرع إليه:{فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم}، بل أحيانا يبتلى الله عباده حتى يرجعوا إليه قال الله: {وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون}، وعليه فليس هذا من النفاق -أختنا- في شيء.

ثالثا: سؤالك عن ترك الدراسة في كلية الطب للمشقة الحاصلة، أو لكونك تخافين، أو تخشين من عدم التفوق نظرا لكثرة المواد، أو ضعف اللغة، أو طبيعتك الشخصية، فكل هذا أمر طبيعي، وما من فتاة دخلت كلية الطب إلا وواجهها مثل هذا، ولكن شتان بين من تجعل لها هدفا عظيما تسعى إليه تلتمس فيه مرضاة الله تعالى، وتنوي أنها تساعد بهذا العلم الفقراء والمساكين، وتكون وسيلة نفع للغير، وتتخذ من المشاق جسرا تعبر عليه إلى الراحة في الدنيا والآخرة، وبين من تستسلم.

لذا نود منك -أختنا- فعل ما يلي:
1- ترك هذه الأفكار المحبطة بالكلية فأنت طالبة متميزة، ولا بد من التفوق.
2- استغلال الأوقات الضائعة التي لا غنى لها مثل: المواصلات، فيمكنك أن تستغلي ذلك في مراجعة القرآن ذهابا وإيابا، وستجدين بركة كبيرة في وقتك.
3- عند عودتك وبعد صلاة العصر يمكنك النوم، فلم يثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي -عليه الصلاة والسلام- نهى عن ذلك، وكل ما يروى في ذلك ضعيف أو موضوع.

رابعا: مسألة النقاب -أختنا الكريمة- نعمة من الله أكرمك بها، ولكن هذا لا يعني الانعزال عن الناس، بل بالعكس فإن مخالطتهم -على ما هم عليه من المعاصي بغرض إصلاحهم-؛ خير وفضل، فعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم".

ولكن عليك التركيز على المعاصي الكبرى دون الصغرى، والتركيز على ما يمكن إصلاحه قبل أن يتعسر عليك إصلاحه، وعليه فلا حرج أبدا من المخالطة لهم، خاصة وليس لك من منفذ اجتماعي إلا عن طريقهم.

وفي الختام: أنت على خير، وينقصك صحبة صالحة من الأخوات المتدينات، اجتهدي أن تتعرفي أكثر على المتدينات في الجامعة، أو في غيرها، فإن هذا سيكون معينا لك.

نسأل الله أن يحفظك، وأن يرعاك، وأن يقدر لك الخير، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات