السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في الدول العربية عموما -والدول الإفريقية على وجه الخصوص- أصبح البحث عن وظيفة بعد التخرج أمرا صعبا للغاية. وإذا وجدت فرصة، غالبا ما يكون الراتب زهيدا جدا. للأسف، يضطر معظم الشباب إلى الهجرة لدول الخليج أو بعض الدول الأوروبية؛ حيث تكون الرواتب أفضل نسبيا. ومع ذلك، من سلبيات ذلك أن الشخص يعيش في دولة غريبة، ولا يعرف فيها أحدا؛ مما يشكل تحديا كبيرا، خاصة وأن مجتمعاتنا تعتمد على الترابط والتلاحم بين الأسر والجيران.
ونظرا لصعوبة الوضع المعيشي في الوطن، يرسل الشاب جزءا كبيرا من راتبه لأهله وإخوته؛ مما يجعله في كثير من الأحيان غير قادر على توفير أي شيء لنفسه.
وكما ذكرت سابقا، فإن حياة الغربة صعبة للغاية؛ مما يدفع الشاب إلى التفكير في الزواج لتخفيف وحدته، ولكن للأسف لا يكفي دخله لدعم أسرته في بلده، وزوجته في الوقت نفسه؛ فيضطر إلى تأخير الزواج.
السؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي يمكن للشاب فعله في هذه الحالة؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك -أخي الكريم- في موقعك إسلام ويب، وإنا نسأل الله أن يبارك فيك، وأن يحفظك، وأن يقدر لك الخير حيث كان، وأن يرضيك به.
أخي: نتفهم تماما حديثك، ونعلم المعاناة التي تمر بها مثل آلاف الشباب الذين يعانون في حياتهم، وإن كنت أفضل حالا من أكثرهم، فهذا مريض كلى أصغر منك يتردد كل يومين مرة إلى المشفى ليبقى اليوم كله للعلاج، ثم يتم اليوم الذي يليه في بيته متألما من معاناة أمس، وهكذا دواليك، وهو كذلك أفضل حالا من مثله الذي ابتلي بالمرض ذاته، لكنه لم يجد ثمن الدواء، وهكذا تمضي الحياة التي خلقنا الله فيها، وابتلانا ليظهر الصادق من الكاذب، والمؤمن من الكافر، كل يأخذ حظه من الابتلاء لا محالة.
فالحمد لله الذي عافاك في بدنك ورزقك التفكير في الغد والتخطيط له، وأكرمك بالتفكير في أهلك وإعانتهم، وذلك فضل الله ستجد بركته في الدنيا والآخرة -إن شاء الله-.
أخي: قد سألت ماذا يفعل الشاب الذي يضطر لتأخير الزواج من أجل مساندة أهله؟ ونحن نجيبك من خلال ما يلي:
أولا: أنت معان من الله ما دمت طالبا الزواج للعفاف ساعيا إليه، قال ﷺ: (ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف).
ثانيا: أنت تعلم -أخي الكريم- أن نفقة الوالدين عليك واجبة ما داما فقيرين، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال الولد.
وأما الإخوة والأخوات، فمذهب الحنفية والحنابلة وجوب النفقة عليهم عند الحاجة. وهذه النفقة من أفضل القربات إلى الله تعالى، قال الله في الحديث القدسي: (ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه). رواه البخاري.
وأما النفقة على الأقارب عموما ففيها أجران: أجر الصدقة، وأجر الصلة، يقول رسول الله ﷺ: (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا أجرت عليها)، وعليه فأنت معان متى ما سلكت طريق الزواج للعفاف، وهذا لا ينبغي أن يتعارض مع النفقة الواجبة عليك تجاه أهلك، ثم ما يدريك أخي ما يدفعه الله عنك من الآلام بسبب تلك الصلة.
ثالثا: اجتهد في ترشيد نفقتك، واقتصد في النفقة على الزواج، وأرسل لأهلك ما يكفيهم دون سرف، ووفر من هذا ما يكون نواة للزواج وإن قل.
رابعا: ابحث عن أسرة صالحة متدينة من أواسط الناس، أو اطلب من أهلك البحث عنها، فإن هذا سيكون أوفر عليك في النفقة، وأدوم لك في العشرة.
خامسا: استعن على ما أنت عليه بكثرة الصيام، فقد قال ﷺ: (يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء)، فاستعن بالصيام على تجاوز ما أنت عليه مع السعي للزواج.
وأخيرا: ثق أن الله سيكتب لك الخير، وسيعينك على ما أنت عليه، وستجد أبوابا تفتح لك دون أن تشعر، وما نذكره لك قد رأيناه أخي رأي العين، فاستعن بالله ولا تعجز، وأكثر من الدعاء، وثق أن الله سيعينك ويكتب لك الخير.
نسأل الله أن يبارك لك في أهلك ومالك، وأن يزوجك امرأة صالحة برة تقية، إنه جواد كريم، والله الموفق.