الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ليُخْرِجنَّ الأعز منها الأذل

ليُخْرِجنَّ الأعز منها الأذل

ليُخْرِجنَّ الأعز منها الأذل


كانت جذور النفاق عميقة في نفس عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين ، وبدايتها قبل هجرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، يوم كانت المدينة تعيش صراعا وقتالاً شرساً بين الأوس والخزرج ، وانتهى الصراع بينهما على اتفاق بين الفريقين يقضي بنبذ الخلاف وتنصيب ابن سلول زعيماً على المدينة ، ثم ماتت هذه الفكرة بدخول الإسلام إلى أرض المدينة ، واجتماع الناس حول راية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فصارت نظرة ابن سلول للإسلام تقوم على أساس أنه قد حرمه من الملك والسلطان ، وبذلك كانت مصالحه وأهواؤه الشخصية وراء نفاقه ، وامتناعه عن الصدق في إسلامه ، ومن ثم الكيد للإسلام والمسلمين .

انطلق ابن سلول ينفث سمومه في صنع الافتراءات والخلافات ، وإثارة الفتن للتفريق بين المسلمين للقضاء على دولة الإسلام ، ومن ذلك قولته الخبيثة التي قالها عقب غزوة بني المصطلق (المريسيع) ـ والتي تعبر عن مدى حقده على الإسلام والمسلمين ـ : " لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل " ، ويعني بالأعز نفسه ، ويقصد بالأذل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن معه من أصحابه .

عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ قال: ( كنا في غزاة (بني المصطلق) فكسع (ضرب) رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري : يا للأنصار ، وقال المهاجري : يا للمهاجرين ، فسمع ذاك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : ما بال دعوى جاهلية ؟ ، قالوا يا رسول الله : كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار ، فقال دعوها فإنها منتنة ، فسمع بذلك عبد الله بن أبي فقال : فعلوها ؟ ، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، فبلغ النبي ـ صلى الله عليه وسلم -، فقام عمر فقال : يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم -: دَعْه ، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ) رواه البخاري .

واستدعى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عبد الله بن أبي بن سلول هو وأصحابه ـ المنافقين ـ ، فأنكروا ذلك ، وحلفوا بأنهم لم يقولوا شيئا ، فأنزل الله سورة المنافقين ، وفيها تكذيب لهم ولأيْمانهم الكاذبة ، وذلك في قول الله تعالى :{ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ . يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ }(المنافقون8:7 ) .

وكان لعبد الله بن أبي بن سلول ولد مؤمن اسمه عبد الله ، لما علم بالأحداث وبما قاله أبوه استأذن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قتل أبيه لما قاله ، فنهاه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ذلك ، وأمره بحسن صحبته .

فلما وصل المسلمون مشارف المدينة ، تصدى عبد الله لأبيه ، وقال له : " قف والله لا تدخلها حتى يأذن لك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالدخول ، فإنه العزيز وأنت الذليل"، فأذن له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فظهر بذلك مَنِ العزيز ومَنِ الذليل ، فلا أذل لابن سلول من أن يقف ولده أمامه ويمنعه من دخول المدينة حتى يأذن له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

ولقد ضرب عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول ـ رضي الله عنه ـ بهذا الموقف مثالا عمليا للإيمان في أوثق عراه ، وهو الولاء والبراء .

ومن خلال هذا الموقف مع قولة ابن سلول ظهرت لنا حكمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فقد قابل ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما قاله ابن سلول بالصبر ، وهو ـ صلى الله عليه وسلم ـ أفضل النبيين ، لكنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن يغضب لنفسه أو ينتقم لها ، بل يغضب لله ـ عز وجل ـ ، فلو أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو أذن لعبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول بقتله لقتله ، لكنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ صبر وعفا ، ولما استأذنه عبد الله ـ رضي الله عنه ـ في أن يقتل أباه لما قاله ، قال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( لا ، ولكن بر أباك، وأحسن صحبته ) رواه ابن حبان .

وفي ذلك أيضا تأكيد من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على مراعاة البر بالآباء وحسن صحبتهم في الدنيا وإن كانوا كافرين، عملا بقول الله تعالى : { وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }(لقمان:15)..

وكذلك ظهر في هذا الموقف حكمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في محافظته على وحدة الصف الداخلية للمجتمع المسلم ، وعلى السمعة الطيبة للإسلام والمسلمين ، وحتى لا يُشاع بين العرب أن محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقتل أصحابه ، فينفض الناس من حوله ، وينفرون من دخول الإسلام ، ففرْق كبير بين أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ، وبين أن يتحدث الناس عن حب أصحاب محمد محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

وفي ذلك يقول ابن تيمية : " إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يكف عن قتل المنافقين مع كونه مصلحة ، لئلا يكون ذريعة إلى قول الناس أن محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقتل أصحابه ، لأن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه ، وممن لم يدخل فيه " .

وهكذا كان رد فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على قولة ابن سلول ـ مع مرارتها وألمها ـ فيه من المعاني الكثير ، التي ينبغي أن يقف المسلمون معها للاستفادة منها في واقعهم .

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة