الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فلسطين في "قرية رَميِة"

  • اسم الكاتب: برهوم جرايسي - الغد الأردنية
  • تاريخ النشر:31/03/2014
  • التصنيف:فلسطين .. مآسي أمة
  •  
17085 0 514

نحيي اليوم الأحد، الثلاثين من آذار (مارس)، الذكرى الـ 38  ليوم الأرض الخالد، والذي كان يوم الإضراب العام الأول لفلسطينيي 48 في العام 1976؛ تصدياً لمسلسل مصادرة الأراضي. وقد كان يوماً مشهوداً من المواجهات التي أسقطت ستة من الشهداء ومئات الجرحى والمعتقلين. ورغم أن قضية الأرض وقضية فلسطين كلها مستمرة، إلا أن لكل ذكرى روايتها؛ فالمؤامرة مستمرة، وتسلط حرابها في كل مرحلة على بقعة ما من جغرافية فلسطين التاريخية.

وإذا كنا في السنوات الأخيرة، وفي هذه المرحلة بالذات، نطلق صرخة صحراء النقب، ومخطط اقتلاع عشرات آلاف الفلسطينيين من قراهم وأراضيهم هناك، ومصادرة 800 ألف دونم؛ فإننا في هذه الأيام، نطلق أيضاً صرخة قرية صغيرة في شمال فلسطين التاريخية، قد نجد في تفاصيل روايتها أنموذجا "مصغّراً" لقضية فلسطين الكبرى.

فهذه القرية "رَميِة" كان لها حتى العام 1948 نحو 7 آلاف دونم، وقسم منها بملكية قرى عربية مجاورة. إلا أن الصهيونية، وفي المرحلة الأولى لإعلان كيانها "إسرائيل"، سطت على الغالبية الساحقة من أراضي هذه القرية، وأبقت لها 600 دونم، لمئات الأشخاص الذين كان عليهم السكن على هذه المساحة وزراعة ما تبقى؛ إذ إن قسماً كبيراً من المساحة التي صودرت هي أراض زراعية، كانت تشكل مصدر رزق أساسي لأصحابها.

لاحقا، أقامت "إسرائيل" على جزء كبير من هذه الأراضي مستوطنة "كرميئيل"، التي باتت مدينة يهودية كبيرة، في قلب منطقة كثيفة بأهلها الفلسطينيين. ومن ثم، بدأ الزحف الاستيطاني على البقية الباقية من أراضي "رَميِة"، التي كان يسكن فيها حتى سنوات الثمانينيات الأولى 1500 نسمة؛ فصادرت سلطات الاحتلال بالقوة قرابة 530 دونماً، مبقية للقرية ما لا يزيد على 66 دونماً. وأمام هذا الضيق، اضطرت كل الأجيال الجديدة إلى الرحيل والسكن في القرى المجاورة. واليوم، يعيش في القرية المتبقية 170 شخصاً، يواجهون الحلقة الأخيرة من المخطط: الاقتلاع والتهجير الكلي، ومسح القرية عن الوجود.

وتدور الآن معركة للحفاظ على هذه البقية الباقية من القرية، والتي باتت محاصرة من كل الجهات بأحياء سكنية متطورة جداً، قائمة على أراضي أهل "رَميِة"، فيما يضطر أصحاب الأرض للعيش في بيوت من صفيح، وبيوت متنقلة، لأنه محظور عليهم البناء الإسمنتي على أراضيهم الخاصة، كما أنهم محرومون من التيار الكهربائي وانتظام خط المياه، رغم أن خطوط هذه البنى التحتية تمر من أراضيهم، غير أنهم محرومون من استخدامها.

تجد في قرية "رَميِة" كل حكاية فلسطين منذ العام 1948 وحتى اليوم ، من تهجير واقتلاع وسلب. إذ تجد في "رَميِة"، فلسطين الـ48 والضفة والقطاع، فكلها هناك. ولكن "رَميِة" الصغيرة، أصغر من أن تصل إلى فضاء الإعلام، فإن كانت فلسطين الكبرى قد غابت، فما بالك بـ"فلسطين الصغرى".

اليوم ، سينطلق الفلسطينيون ليحيوا الذكرى. ولكنها ليست ذكرى فحسب، بل هي واقع حال مستمر. فالصهيونية بواجهتها "إسرائيل"، باتت أكثر شراسة، رغم كل الشراسة على مر التاريخ. والأخطر، أن "إسرائيل" لم تعد تشعر بأي جهة تضغط عليها؛ فالضغوط الدولية لم تعد تظهر، وما يظهر منها عديم القيمة، ليس أكثر من تسجيل برتوكولات دبلوماسية، لغرض العلاقات العامة، من أجل تسيير المصالح الأكبر.

أما الضغوط الشعبية الفلسطينية، فقد مللنا الحديث عنها، من كثرة الأيادي التي تجرنا إلى ساحات التيئيس. فيوم أمس، كانت "مسيرات الجمعة" في بعض القرى الصغيرة في الضفة، منها ما لم يتوقف منذ تسع سنوات، ورغم "قرع الخزان"، إلا أن السبات بات قاتلاً. وكما يبدو، فإن الاحتراب الداخلي بات مشهداً لا نستطيع الافتراق عنه.

قبل أن أكتب ما كتبته هنا، عدت إلى مقال بنفس المناسبة في العام الماضي، نشرته في "الغد"، لأكتب ما هو جديد، ولا أتورط في التكرار. لكن في نهاية المقال، أعترف أن الجوهر في المقالين شبيه رغم اختلاف التفاصيل، وما يقلقني منذ الآن، هو مقال العام المقبل.

 

مواد ذات الصله



تصويت

أعظم الخذلان أن يموت الإنسان ولا تموت سيئاته، وأعظم المنح أن يموت ولا تموت حسناته، في رأيك ماهي أفضل الحسنات الجارية فيما يلي؟

  • - بناء مسجد
  • - بناء مدرسة
  • - بناء مستشفى
  • - حسب حاجة المكان والزمان
  • - لا أدري