الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القاهرة من أبوابها ( 2 )

  • اسم الكاتب: د. قاسم عبده قاسم
  • تاريخ النشر:21/02/2018
  • التصنيف:تاريخ و حضارة
  •  
2071 0 440

وفى الجهة البحرية من القاهرة التى كانت تؤدى إلى مكان ضاحية عين شمس الحالية (حيث كانت بداية طريق قوافل الحج البرية صوب الحجاز) ، كان هناك باب النصر الذى بناه جوهر الصقلي على شكل بابين أيضا ضمن السور الأصلي ، وأعاد أمير الجيوش بدر الين الجمالي بناءه بالحجر . ومن المثير فى هذا المقام أن كل جهة من الجهات الأربع من سور القاهرة الأصلي كان بها بابان . وقد اندثرت هذه الأبواب جميعا مع مرور الزمان ، ثم أعاد بدر الجمالي بناءها من الحجارة لتبقى تحمل أسماء الأبواب الأصلية التى اندثرت على مسافة من المواضع التى كانت الأبواب القديمة قائمة بها .

وقد ارتبطت بباب النصر بعض مظاهر الحكم والسياسة فى العصر الفاطمي : فقد كان من عادة أمراء الفاطميين أن يخرجوا من باب النصر لصلاة العيدين : عيد الفطر وعيد الأضحى خارج هذا الباب . وفى بداية كل سنة هجرية كان الأمراء يخرجون فى موكب مهيب يدور دورتين : الدورة الكبرى تخرج من القصر الفاطمي إلى باب النصر الذى يخرجون منه ليدور الموكب حول سور القاهرة ويزور المناطق الموجودة خارج العاصمة ليعود ويدخل المدينة من باب الفتوح ؛ وفى الدورة الصغرى كان موكب الأمير يخرج من القصر إلى باب النصر أيضا ويسير بحذاء سور القاهرة ليعود من باب الفتوح إلى قصر الخليفة أيضا بدون المرور على الأماكن الموجودة خارج السور كما حدث فى الدورة الكبرى (وقد وصفت المصادر التاريخية المعاصرة مواكب الأمراء الفاطميين بكثير من الإسهاب والتفصيل) .
و كان الباب الثالث الذى بناه بدر الدين الجمالي ضمن أعماله فى السور الثانى ، باب الفتوح الذى بني بالحجارة. ومن الطبيعي أن باب الفتوح الجديد جاء على مسافة من الباب القديم شأنه شأن بقية الأبواب التى أعيد بناؤها وقد أشرنا إلى أن هذا الباب أيضا ارتبط باحتفالات الفاطميين واستعراضاتهم فى المناسبات ذات الطابع الديني والتى كان القصد الرئيسي منها إبهار المصريين وتأكيد السطوة والمهابة الفاطمية فى نفوسهم .

وفى الجهة الشرقية من سور القاهرة ، باتجاه جبل المقطم الذى بنيت القاهرة أصلا فى رحابه ، كان يوجد بابان : أحدهما “باب البرقية” والثانى “باب القراطين” الذى صار يعرف فى عصر سلاطين المماليك باسم “الباب المحروق” . وقد بنى الأمير بدر الدين الجمالي بابين جديدين بدلا من البابين اللذين لم ينجيا من عاديات الزمان فى السور الثاني للقاهرة يحملان اسم باب البرقية وباب القراطين . وقد عرفت المنطقة بين البابين القديمين والبابين الجديدين باسم “بين السورين” ؛ وينطقها العامة اليوم “بين الصورين” وهى منطقة تجارية مشهورة فى القاهرة القديمة فى أيامنا هذه . ومن المهم أن نشير هنا إلى أن “باب البرقية” قد بقي قائما وجدده علماء الحملة الفرنسية على مصر (1798- 1801م ) ولكن الباب تعرض للتدمير بعد ذلك واكتشفت آثاره عندما تم شق طريق صلاح سالم سنة 1957م ولكن مصيره النهائي لا يزال غامضا بعد إزالة آثاره لبناء الطريق .
أما “الباب المحروق” ، فكان اسمه فى البداية “باب القرَاطين” نسبة إلى سوق القراطين الذى كان موقعه خارج هذا الباب ، وفى ذلك السوق كان يباع القرط (البرسيم) اللازم لتغذية الحيوانات والطيور والدواجن المنزلية . وهذا الباب المواجه لصحراء المقطم يرتبط بقصة الصراع التاريخي الذى دار فى بداية عصر المماليك بين السلطان عز الدين أيبك وزوجته شجر الدر من ناحية، والمماليك البحرية وأميرهم “فارس الدين أقطاي الجمدار” من ناحية أخرى . فقد تنازلت السلطانة شجر الدر عن الحكم بعد أن جلست على العرش ثمانين يوما بسبب المعارضة الداخلية والخارجية لها ؛ وتزوجت عز الدين أيبك بموافقة كبار الأمراء “…وبقيت الديار المصرية بلا سلطان مدة …” وذلك فى سنة 648 هجرية / 1250 م .

على أية حال ، فإن هذه الأبواب كانت أهم أبواب القاهرة الى ارتبطت من حيث أسمائها بأبواب القاهرة الأصلية التى كان جوهر الصقلي قد أنشأها عند بناء المدينة ، والتى أعاد بناءها بالحجارة أمير الجيوش بدر الدين الجمالي كما أشرنا فى السطور السابقة فى منتصف القرن الحادى عشر عندما بنى السور الثانى للقاهرة .. وعلى الرغم من أن بهاء الدين قراقوش الأسدي بنى السور الثالث للقاهرة كله بالحجارة وزاد فى طول السور ، بقصد أن يحيط السور بالقاهرة وتوسعاتها والفسطاط (التى كانت تعرف فى مصطلح ذلك العصر باسم مصر) وقلعة الجبل ، فإن أبواب المدينة بقيت على حالها تحمل أسماءها القديمة نفسها .
بيد أن هناك عدة أبواب أخرى استجدت فى القاهرة فى فترات تاريخية مختلفة وورد ذكرها فى المصادر التاريخية التى تحدثت عن تاريخ المدينة العريقة وجغرافيتها . وكان بهاء الدين قراقوش قد زاد فى سور القاهرة على امتداد المسافة ما بين باب القنطرة إلى باب الشعرية كما زاد قطعة أخرى فى السور من باب النصر إلى باب الوزير.

أما “باب القنطرة” ، فقد عرف بهذ الإسم لأن القائد الفاطمي جوهر الصقلي بنى فى هذا المكان قنطرة فوق الخليج الذى كان يمر إلى الجهة القبلية من الفسطاط . وقد عرفت القنطرة أيضا باسم “قنطرة بنى وائل” نسبة إلى سكان هذه المنطقة . وكان الهدف من هذه القنطرة أن يعبر جوهر عليها بقواته لملاقاة القرامطة عندما زحفوا على مصر سنة 360 هجرية متجها نحو المقس (بوابة جمرك القاهرة التى كانت موجودة آنذاك بالقرب من مكان ميدان رمسيس الحالى). وكان موقع باب القنطرة عند التقاء سور القاهرة الغربي بسورها الجنوبي وقد بناها بهاء الدين قراقوش زمن السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي سنة 570 هجرية عوضا عن الباب القديم وقبالته على بعد مسافة خمسة وعشرين مترا منه . وقد ذكر العالم المحقق الأستاذ محمد رمزى أن العامة يخلطون بين باب القنطرة وباب الشعرية .

وعند هذا الباب كان الخليفة العزيز بالله الفاطمي قد بنى “منظرة اللؤلؤة” التى كانت متنزها للخلفاء الفطميين ، وكانت بها قصورهم التى يقيمون بها وقت فيضان النيل . وقد هدمها الخليفة الحاكم بأمر الله ، ثم جدد بناءها الخليفة الظاهر لإعزاز دين الله . وقد ذكر المؤرخ أبو المحاسن يوسف بن تغرى بردى أن “… قصر اللؤلؤة عند باب القنطرة ، وهو من القصور المعدودة بالقاهرة … وصار متنزها للخلفاء الذين كانوا يقيمون فيه وقت زيادة النيل أيام الفيضان وقد بقي حتى ناله الخراب فى أيام الشدة المستنصرية … ” …وذهب من محاسن القاهرة شيء كثير من عظم الغلاء والوباء ” أما باب الشعرية فينسب إلى طائفة من البربر الذين قدموا مع القائد جوهر الصقلي يقال لهم “بنو الشعرية“من حلفاء قبيلة لواتة المغربية ؛ وكانوا قد نزلوا المنوفية .

كذلك كان من أبواب القاهرة “باب الوزير” الذى بني فى القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي زمن أحد أبناء السلطان الناصر محمد بن قلاون فى سنة 742هجرية / 1341 م لكي يسهل مرور سكان القاهرة إلى المقابر الملاصقة للسور ، وتم تجدبد هذا الباب فى عصر المماليك سنة 909 هجرية / 1503 م .
وقد ذكرت المصادر التاريخية “باب الخرق ” من أبواب القاهرة دون أن تورد أي تفاصيل عنه . ولأن موضعه كان على رأس شارع تحت الربع الحالي ، وقريبا من موضع الباب المحروق الذى سبقت الإشارة إليه فإننى أرجح أن يكون قد تم الخلط بين البابين . وعلى أية حال فإن مصلحة التنظيم بالقاهرة فى النصف الأول من القرن العشرين استهجنت الإسم وغيَرته إلى باب الخلق ؛ وهو الإسم الذى يطلق فى أيامنا هذه على المنطقة الواقعة بالقرب من دار الآثار الإسلامية ومتحف الفن الإسلامي اليوم تحت القلعة حيث تمت حادثة الحرق التى قام بها بيبرس والبحرية قبل هروبهم إلى الشام .

بطبيعة الحال لم تكن هذه جميع أبواب القاهرة ذات التاريخ العريق لكنها الأشهر بين هذه الأبواب بدون شك والأكثر ذكرا فى مصادر التاريخ وحكايات الناس ونمو مدينة القاهرة نفسها وتطورها . ومن ناحية أخرى ، لم تكن الأبواب وحدها التى حملت عبق التاريخ وحكايات الناس وتلك حكاية أخرى على أية حال !

مواد ذات الصله



تصويت

قال بعض السلف :متى رأيت تكديرا في الحال فابحث عن نعمة ما شُكِرت أو زلة فُعِلت قال تعالى(ذلك بأن الله لم يك مغيِّرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). في رأيك ما هو أهم سبب لزوال النعم؟

  • عدم شكرها
  • عصيان المنعم بنعمته
  • منع النعمة عن مستحقها
  • الإسراف والتبذير
  • جميع ما سبق