الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

محتاج إلى عملية جراحية ووالدي يرفض تحمل التكاليف، فما الحل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شاب أعاني منذ أربع سنوات تقريباً من آلام في الظهر، وحرارة شديدة، وضعف ملحوظ في قبضة اليد والأطراف، ومشاكل في التوازن، عندما قمت بعمل الرنين المغناطيسي، تبين أني أعاني من تشوه كياري من النوع الأول، وأكد البروفيسور أن التشوه هو السبب وراء الأعراض، وقال بأن الحل الوحيد هو عملية جراحية لرفع الضغط عن المخيخ، لكني لا أملك المال للجراحة، وقد مرت أربع سنوات وأنا عاجز عن الدراسة والعمل بسبب شدة الألم، وأهلي قد اكتفوا بدفع ثمن الفحوصات، ووالدي يرفض دفع تكاليف الجراحة، ولا يهمه الأمر، رغم أنه لن يدفع إلا جزءاً صغيراً، والباقي يدفعه نظام الضمان الاجتماعي.

ويقوم بإنكار كلام الطبيب، ويدعي أني لا أعاني من شيء، وأني أكذب، مع أنه كان معي عندما زرت الطبيب، وأخبره الطبيب بكل شيء (رغم أني أملك كل الإثباتات والفحوصات) ويستغل حالتي الصحية وعجزي عن الدراسة، والخروج من البيت؛ ليقوم بالتضييق علي بسبب مشاكل بيني وبينه منذ سنوات، ويتصرف بخبث شديد في كل فرصة يجدها، حتى أني قبل سنوات كنت أعاني من ضيق تنفس، لكن عندما أخبرته قال إنه بسبب الشياطين والمس (بحكم أنه لا يتحدث إلا بهذه الأمور، وينسب كل شيء يحدث لها).

مرت السنوات حتى تطورت حالتي إلى ربو تحَسسي مزمن، وأنا أعاني الأمرّين، حتى مع العلاج.

سؤال هو: في ظل هذه الظروف أنا أدعو وأتضرع لله في كل صلاة أن يشفيني، لكني أفكر في البحث عن جمعية أو محسن لمساعدتي في تكاليف الجراحة، فهل هذا يعد من عدم التوكل على الله حق توكله؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ ياسر حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فمرحباً بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب.
أولاً: نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يمن عليك بالعافية والشفاء، وأن ييسر لك أسباب التداوي، ويمن عليك بالخلاص من هذه الأمراض والأدواء التي تعاني منها.

ثانياً: وصيتنا لك -أيها الحبيب- أن تسعى في تحسين علاقتك بأبيك، وأن تظهر له من الذل والمسكنة ما يلائم الموقف، فإن الله -سبحانه وتعالى- أمرك بالتذلل للوالدين، فقال: (واخفض لهما جناح الذل). ثم قال: (من الرحمة). أي ليكون الباعث لك على خفض جناح الذل، أي التذلل لهما، الرحمة بهما، فينبغي أن تسارع بإصلاح هذا العلاقة ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وأن تحتسب أجرك، وتعلم أنك بذلك تسعى لإرضاء ربك وإصلاح دينك؛ فإن الله -سبحانه وتعالى- أمر بمصاحبة الوالدين بالمعروف مهما اشتد أذاهما للولد، فقال سبحانه وتعالى: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما). ثم قال: (وصاحبهما في الدنيا معروفاً).

ومما لا شك فيه أنه إذا كنت فقيراً لا تقدر على العمل، وكنت تحتاج إلى الدواء؛ فإنه يجب على والدك أن يداويك ما دام يقدر على ذلك، فإذا بدأت أنت السير في طريق إصلاح العلاقة مع أبيك ابتغاء وجه الله، ربما جعل الله -سبحانه وتعالى- ذلك سبباً لفتح قلبه ليعينك على ما أنت فيه، واستعن على تذكير والدك بهذا الواجب بمن لهم تأثير عليه، وكلمة مسموعة لديه من الأقارب وأصدقاء الوالد، وأظهر لهم الاعتذار عما سبق من سوء العلاقة بينك وبين أبيك، ونحو ذلك من الكلام الذي يجعلهم يتفاعلون معك ويسعون في إصلاح ما بينك وبين والدك.

ثالثاً: ما سألت عنه من السعي للبحث عمن يعينك للتداوي، وهل هذا ينافي ويعارض التوكل على الله تعالى؟
الجواب لا؛ فإن التوكل على الله -سبحانه وتعالى- لا ينافيه الأخذ بالأسباب، ويبين هذا الحديث النبوي، فإنه قال عليه الصلاة والسلام: (لو تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصاً وتروح بطاناً). فإن الطير الذي وصفها النبي -عليه الصلاة والسلام- وصفها بالسعي، فتخرج في الصباح تسعى تغدوا متوكلةً على الله معتمدةً على ربها، وتروح بطاناً أي ترجع إلى بيوتها وقت الرواح أي في المساء وقد شبعت، فتوكلها على الله صاحبه الأخذ بالسبب والسعي وراء الرزق، وهكذا هي قاعدة الشريعة أن أقدار الله تتدافع، يقدر الله تعالى القدر، ويقدر ما يدفعه، ومطلوب من العبد أن يأخذ بأقدار الله تعالى، كما قال عمر رضي الله عنه: نفر من قدر الله إلى قدر الله.

فخذ بالأسباب التي تعينك للتخلص من أدوائك وأمراضك، واستعن بالله ولا تعجز، واعلم أن الله وحده هو الذي يقدر على نفعك وضرك وتخليصك ورزقك، فعلق قلبك به وأحسن الظن به؛ فإنه تعالى يقول في الحديث القدسي: أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء.

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقك للخير، وأن ييسر لك الأسباب، ويفتح لك أبواب الخيرات، ويغنيك من فضله.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً