الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الوسواس القهري وارتباطه بالتوتر والقلق النفسي
رقم الإستشارة: 2113650

3120 0 386

السؤال

أعاني منذ صغري من مشكلة لا أستطيع التخلص منها، أرهقتني وأرهقت تفكيري، واستهلكت وقتي، وهذه المشكلة أو الحالة تكمن في الآتي: أنني أحياناً أقرأ فكرة أو معلومة في كتاب أو مجلة تعجبني، ثم بعد فترة أيام أو ساعات يحركني شيء بداخلي، ويقول لي: أين قرأت هذه المعلومة أو هذه الفكرة، لابد أن أجدها، فأقوم بالبحث المرهق بين صفحات الكتب وطيات المجلات، ولا أهدأ إلى أن أجد موضعها، ولو استغرق مني ذلك البحث أياماً طويلة، وأحياناً أترك دراستي -حيث أني أدرس الماجستير- أو أترك عملي للتفرغ من أجل البحث عن هذه الفكرة.
بل والمصيبة أني قد أكون قرأت هذه المعلومة من مكتبة عامة أو من الإنترنت أو من كتبي الخاصة، فلا أستطيع تحديد مصدرها، فتراني منهمكاً في البحث عبر النت أو في تقليب صفحات الكتب أو المجلات -كما سبق- والطامة الكبرى أنه أثناء الامتحان تتوارد الأفكار ويتشتت ذهني من أجل تحديد موضع المعلومة التي قرأتها أو حفظتها ثم نسيتها.
من الطبيعي أن ينسى الإنسان، لكن أرى أنه من غير الطبيعي أن أكلف نفسي فوق طاقتها وأستنزف جهدي وفكري في تذكر مصدر عبارة أو فكرة قرأتها في حياتي، ولا يقتصر الأمر عندي على الأمور الفكرية، بل يتعدى ذلك إلى أمور حياتية معيشية، كأن أضع شيئاً ما في مكان، وقد لا يكون هذا الشيء مهماً، بل قد يكون تافهاً، وأنسى مكانه، وبعد فترة يتحرك الوازع الداخلي ويطلب مني أن أجد هذا الشيء، لا لأني أريده، بل لكي أعرف مكانه، بل أحياناً أرمي هذا الشيء لكوني لا أريده ولست بحاجة له أو أضعه في مكان يحتوي الأمور غير الضرورية، ولكن سرعان ما تأمرني نفسي بالبحث عنه ومعرفة مكانه، علماً أنني في الحقيقة لا أريده، ويسألني البعض هل أنت بحاجة له، وقد يقدم لي غيره من البعض، لكني أرفض إلا أن أعرف أين وضعت هذا الشيء حتى أستريح، وكأن هناك هماً على قلبي أريد أن أتخلص منه.
هذا ملخص معاناتي مع هذه الحالة التي أرقتني وشوشتني وأضعفتني، فهل من تشخيص ونصح وعلاج؟
وجزاكم الله خيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فالذي تعاني منه هو نوع من الوسواس القهري، وهذه نسميها بوساوس البحث التفصيلي، وأنت ذكرت كلمة جميلة جدّاً أن الوازع الداخلي هو الذي يحركك ويطلب منك أن تجد هذا الشيء، حتى وإن كان ليس مهمّا، وهذا ليس وازعاً داخلياً فقط، إنما هو وازع قهري يصر عليك ويستحوذ عليك، وهذه هي طبيعة الوساوس القهرية، ولا شك أن الوساوس مرتبطة دائماً بالقلق النفسي ومرتبطة دائماً بالتوتر، وأكثر ما يؤلم صاحبها أنها سخيفة وليست ذات معنى وليست ذات جدوى، وأنها تفرض نفسها عليه وتسيطر عليه.
هذا النوع من الوساوس بسيط ومقدور عليه - إن شاء الله - والعلاج يتكون من علاج دوائي، وقد تستغرب ما علاقة الدواء بالوساوس؟ العلاقة أصبحت الآن مثبتة، وهنالك أبحاث يقينية جدّاً أشارت أن كيمياء الدماغ هي التي تلعب دوراً في تثبيت هذه الوساوس، فهناك مادة تعرف باسم (سيروتونين) لأسباب غير معروفة وجد أنه يحدث اضطراب في إفرازه أو عدم انتظامه، وبفضل من الله تعالى تم اكتشاف الأدوية التصحيحية التي تضع هذه المكونات الكيميائية في مساراتها الصحيحة، والأدوية بفضل الله تعالى هي أدوية سليمة وفعالة جدّاً.
لذا أنا أنصحك بتناول أحد هذه الأدوية، وهي كثيرة جدّاً، منها العقار المشهور والمعروف تجارياً باسم (بروزاك) ويسمى علمياً باسم (فلوكستين) أرجو أن تتحصل على هذا الدواء، وقد تجده تحت مسمى تجاري آخر في الأردن؛ لذا اسأل عنه تحت الاسم العلمي، الجرعة المطلوبة هي أن تبدأ بكبسولة واحدة في اليوم، وتناولها بعد الأكل، وبعد أسبوعين اجعلها كبسولتين في اليوم – وهذه هي الجرعة المطلوبة – استمر عليها لمدة ستة أشهر وبانتظام قاطع، بعد ذلك خفضها إلى الجرعة الوقائية وهي كبسولة واحدة في اليوم لمدة ستة أشهر أخرى.
هذه المدة ليست مدة طويلة؛ لأن الوساوس تتطلب أن لا تقل مدة العلاج عن سنتين كاملة، وهذه مدة معقولة جدّاً، هذا بالنسبة للعلاج الدوائي.
بالنسبة للعلاج السلوكي: أولاً أريدك أن تفهم أن هذه وساوس قهرية وليست أكثر من ذلك، هي ليست اضطراباً عقلياً، وليست خللاً فكرياً، إنما هي حالة قلقية مستحوذة تسيطر على الإنسان وتسبب له الكثير من القلق والتوتر، وهي - إن شاء الله - ليست اهتزازاً أو ضعفاً في الشخصية، وليست قلة في الإيمان.
ثانياً: الوساوس تعالج أيضاً من خلال تحقيرها وتجاهلها، هذا هو المسلك السلوكي الثاني.
المسلك السلوكي الثالث هو: أن تتصور الفكرة الوسواسية أمامك وتتأمل فيها وتركز عليها، بعد ذلك تقول: (قف، قف، قف) بكل قوة وشدة وتركيز حتى تحس بالجهد، هنا حين تحس بالإنهاك سوف تجد أن الفكرة الوسواسية أصبحت تضعف كثيراً لأنك تخاطبها مباشرة.
تمرين سلوكي آخر هو: أن تربط الفكر الوسواسي بشيء من الأشياء المؤلمة على النفس والمقززة والمنفرة، وُجد أن إيقاع الألم بالنفس هو من أفضل أنواع العلاج، مثلاً: قم بوضع الرباط المطاطي الذي تُربط به الأوراق المالية، ضعه على رسغ يدك، وقم بشده وجذبه بقوة ثم أطلقه، هذا سوف يسبب لك الألم بالطبع، اربط بين هذا الألم والفكر الوسواسي، أي فكر في الفكرة الوسواسية التي تعاني منها وفي نفس الوقت قم بشد وإطلاق هذا الرباط المطاطي، متى ما كان الألم شديداً والتركيز قويّاً والربط بين الاثنين ثابتاً كانت الفعالية أكبر.
يكرر هذا التمرين عشر مرات متتالية بمعدل مرة في الصباح ومرة في المساء، وقد وجد أنه بعد انقضاء عشرة أيام سوف تضعف الأفكار الوسواسية كثيراً.
تقريباً هذه هي الحيل السلوكية العلاجية، وبجانب العلاج الدوائي وتفهمك لطبيعة حالتك والتي قمنا بشرحها، وبإدارتك لوقتك بصورة صحيحة، بشرط أن لا تترك مساحة للفراغ، وتمارس الرياضة وتمارس تمارين الاسترخاء، سوف تجد أن العائد العلاجي كان إيجابياً وبديعاً جدّاً.
بارك الله فيك، وجزاك الله خيراً، ونشكرك على تواصلك مع إسلام ويب.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً