الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حالة ابن أخي أثناء التعاطي من قوة تركيز وانتباه، هل هي حقيقة أم وهم؟
رقم الإستشارة: 2120716

4979 0 450

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بحسب ما أخبرني به ابن أختي أحاول أن أوصل إليكم ما يشعر به خلال فترة تعاطي المخدرات وفترة ترك المخدرات، فهو - حسب وصفه - يشعر خلال فترة تعاطي المخدرات بحبه للقراءة وقدرته العالية على التركيز وفهم المعنى للمفردات التي يقرؤها، حتى إنه - حسب كلامه - إذا قرأ آية صغيرة يتوقف عندها ليتدبرها ويفهم معناها، ويشعر بأنه يهتم بقراءة الموضوعات المهمة، ويشعر بأنه أشد حباً للحياة بشكل عام، ومع ذلك كله يذكر بأنه يعرف أن هذه المخدرات هي سبب دماره وتدمير حياته، ويرغب بشدة في تركها والبعد عنها، ولكنه عندما يقارن حاله أثناء التعاطي وحاله بعد التعاطي يتذبذب في قرار تركها، فهو يصف نفسه بعد ترك التعاطي والبعد عن المخدرات بأنه إنسان ساهٍ غير مبال وكثير النسيان، لا يشعر بالرغبة في الحياة، ويفقد رغبته في القراءة، حتى وإن قرأ فإنه يقرأ دون متعة ودون تدبر للمعنى الذي يقرؤه.

هو يصف حاله ويريد منكم مساعدته للوصول إلى الحل الصحيح بعد إرادة الله سبحانه وتعالى، وقد ذكرت لكم باختصار الحالة النفسية التي يشعر بها أثناء ترك التعاطي، ولديه ضعف شديد بالسمع، فنرجو منكم مساعدته، ولكم جزيل الشكر.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أم بدر حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


فنشكر لك اهتمامك بابن أختك، والذي أود أن يكون معلومًا هو أن كثيراً من متعاطي المخدرات قد يعطون مبررات واهية للاستمرار في تعاطيهم لهذه المخدرات اللعينة، ونجدهم دائمًا يذكرون هذه المبررات لمن ليس لديهم خبرة في الآثار الجانبية للمخدرات، فابن الأخت هذا – حفظه الله– يثق بك، لذا أقدم وتحدث معك حول هذا الموضوع، لكنه يعرف سلفًا أنك لست خبيرة – مع احترامي الشديد – في عالم المخدرات، لذا - وهو تحت التوهم وتحت ما نسميه بالتأثير الإيحائي أو ما يُشاع حول هذه المخدرات - بدأ يتكلم معك من زاوية أن المخدرات تزيد من تركيزه وتحسن رغبته في القراءة والاطلاع.

هذا ليس صحيحًا، الذي يحدث هو أن بعض المخدرات مثل حبوب الأنفتامينات والتي تعرف باسم (كابتجون) أو الحشيش، في لحظات التعاطي الأولى ربما تعطي شعوراً بالنشوة، وشعوراً بأن التركيز أفضل، وهذا قد يكون فيه شيء من الحقائق البسيطة، لكن الحقيقة الكاملة أنه لا يوجد أي تحسن حقيقي في التركيز، ولا يوجد أي تحسن حقيقي في القدرة على الاستيعاب، الذي يحدث مثلاً أن الأنفتامين أو الكابتجون يقلل درجة النعاس لدى الإنسان، وهذا يجعله يحس بشيء من اليقظة، ومنها يتوهم أنه أفضل تركيزًا واستيعابًا وأكثر نشاطًا من الناحية الفكرية والجسدية والنفسية، ونفس الشيء يحدث لمتعاطي الحشيش، فقد يحدث له شعور بالاسترخاء المبدئي، وهذا يجعله أكثر قبولاً لما يود أن يقوم به، لكن بعد ذلك تأتي الطامة الكبرى وهي التعود والإدمان، ويحتاج أن يرفع الجرعة حتى يتجنب الآثار الجانبية، وهذا لا شك أنه يُضعف التركيز، ويضعف المقدرات، ويضعف القدرة على التواصل، وذلك بجانب الأعراض الذهانية والتدهور في الشخصية والضرر الذي يحدث في كل قطاعات ومرافق الحياة: القطاع الاجتماعي، الإنساني، الديني، الاقتصادي، كل هذه مضار لا أحد ينكرها حتى من المتعاطين أنفسهم.

هنالك أمر ضروري جدًّا وهو أن يُسأل هذا الأخ: ما هي درجة استيعابه للأشياء التي قرأها وفهمها بعد أن تعاطى المخدر الذي يقول إنه يحسن من رغبته في القراءة؟ إذا سُئل عن رصيده العلمي أو المعرفي أو كم حفظ، نجده حقيقة ليس لديه أي رصيد في كل هذا، إذن هو شعور وهمي بدائي، وأعتقد أن هذا الأخ يريد أن يبرر تعاطيه لهذه المخدرات.

والأمر الآخر: وهو ضروري جدًّا، وهو أنه لا يمكن أن يقول لأحد إنني أقرأ القرآن وأتناول المخدرات وأحس أنني أكثر مقدرة ورغبة وتركيزًا في قراءة القرآن الكريم حين أكون تحت تأثير المخدرات، هذا الكلام لا يمكن أن يكون صحيحًا، وذلك استنادًا إلى نظرية تسمى بنظرية التنافر المعرفي، والتنافر المعرفي نقصد به أن الأشياء المخالفة لبعضها البعض، الأشياء المعاكسة لبعضها البعض لا يمكن أن تلتقي في حيز إيماني واحد، فمثلاً الحسد لا يمكن أن يلتقي مع الإيمان، لا يمكن أن يمارس الإنسان الفاحشة ويقول لك إنني أصلي الصلوات الخمس في المسجد، هذا يعني أن صلاته لم ترتقِ للدرجة التي تنهاه عن الفحشاء والمنكر، لا يمكن لأحد أن يقول إنني أصلي وأواظب على الصلاة والصيام وأنا أتناول المخدرات، هذا الذي يقوم به لا أعتقد أنها صلاة، لا أعتقد أنه صيام، هو فقط يركز على الجانب الحركي، لكن الجانب الحقيقي وراء هذه العبادات لا أعتقد أنه استوعبه أبدًا، هذه المعلومة يجب أن تكون واضحة أيضًا.

خلاصة الأمر أن ما يذكره هذا الأخ من تحسن للتركيز حين يكون تحت تأثير المخدر هذا توهم، وكثير من هذه التوهمات منتشرة وسط المدمنين، يتحدثون في بعض الأحيان عن تحسن أدائهم الجنسي وهم أكثر الناس اضطرابًا في الأداء الجنسي، يتحدثون عن تحسن نومهم، تحسن شهيتهم للطعام، هذه كلها مبررات خاطئة وخادعة، والذي أنصح به هو أن يبتعد هذا الأخ عن المخدرات تمامًا، وسوف يجد بعد فترة ثلاثة إلى أربعة أسابيع – أي حين تنقطع فترة الانسحاب لهذه المخدرات وفترة التشوق – سوف يجد أن نشاطه قد تحسن جدًّا، عليه أن يمارس الرياضة، عليه أن يكون منضبطًا في التواصل الاجتماعي، وإن أراد أن يتواصل مباشرة معي مع ذكر نوعية المخدرات التي يتناولها، هذا أيضًا ربما يكون أمرًا جيدًا، لأننا نستطيع أن ننصحه ببعض العلاجات الدوائية التي قد تفيده.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وكل عام وأنتم بخير.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأعلى تقيماً