الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كل أحلامي التي بنيتها تتلاشى أمامي
رقم الإستشارة: 2123646

9167 1 675

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عمري 24 سنة ولم يتقدم لي أحد أبداً، كلما فكرت في المستقبل أرى مستقبلاً أسود، لا يوجد حل، لم أجد وظيفة، لا أجد ما يشغل وقتي، أفكر طول الوقت في مصيري، هل سأظل دائماً تحت رعاية والدي مثل الطفلة؟ لا أملك بيتاً خاصاً لي، أنا أتخذ فيه كل القرارات، وعائلة خاصة بي.

أنا أعيش في عالم الخيال أكثر من الواقع، أحب أن أجلس وحدي، أقرأ قصصاً رومانسية، ولا أحب أن أخرج من عزلتي، أعيش ساعات طويلة في أحلام اليقظة، أكون فيها متزوجة وأملك بيتي الخاص، وأطفالي وأعمل في وظيفة تناسبني.

أشياء كانت تجلب لي السرور لا تعني شيئاً لي الآن، أكره حياتي، أكره أنني لا أستطيع التحكم فيها، حتى عندما أردت وظيفة أشغل وقتي بها، وأصرف منها على نفسي - بدل أن أعتمد على أبي - لم أجد! أشعر بأني ضائعة، وبأن كل من في عمري بدؤوا حياتهم، وأنا حياتي متوقفة.

عندي كم هائل من المشاعر المكبوتة، لا مخرج لها، أريد شريكاً لحياتي، وأريد أطفالاً، لكن لا أحد يريدني.

أكره أن التركيز أصبح علي (هيا متى ستتزوج؟! لماذا لم تتزوج؟)وكأني أنا من سيخطب، ليس الرجل، أكره أنه يجب أن ألبس قناع الفتاة السعيدة، حتى لا يشفق علي أحد، فكل أقربائي يعلمون بأنه لم يتقدم لي أحد أبداً، فهم لا يعرفون معنى كلمة خصوصية، وأمي إنسانة لا تكذب في هذه الناحية، وحتى أنا فالكذب أسوأ من الحقيقة، لكن أكره أن يعلموا وضعي.

لا أريد أن أصل لمرحلة الشفقة من الناس لأني عانس، الآن كل معارفي من عمري متزوجات وأمهات، أما أنا فعاطلة عن العمل، فاشلة في الحياة، لا أرى وسيلة للخروج من هذا الوضع، أفكر كثيراً، هل سأصل للثلاثين وأنا مازلت هكذا؟ أكثر ما يضايقني هو أني لا أملك شيئاً خاصا بي، قرارات المنزل بيد أمي، المال بيد أبي، ولكي أفعل أي شيء - كبيراً كان أم صغيراً - يجب أن أستأذن! أهلي طيبون، لكن أريد أن أشعر أني إنسانة بالغة، ولست طفلة.

منذ سن المراهقة وأنا أشتاق لشريك في حياتي، وبيتي الخاص، وأجد أني وصلت لسني ولم أحقق شيئاً من رغباتي، أشعر بالوحدة حتى بوجود أهلي وإخواني، إحساسي بالانكسار يزيد أكثر كل يوم.

أريد أن أرضى بمصيري، لكن أجد نفسي أبكي كثيراً، أنا دائماً متضايقة وحزينة.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سارة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،،،

فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك إسلام ويب، فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونسأل الله جل جلاله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يفرج كربتك، وأن يقضي حاجتك، وأن يُخرجك مما أنت فيه، وأن يمنَّ عليك بزوج صالح طيب مبارك تحققين معه آمالك وأحلامك التي طالما عاشت معك وعشت معها عبر سنوات طويلة ومنذ المراهقة إلى يومك هذا.

وبخصوص ما ورد برسالتك - أختي الكريمة الفاضلة - فإنه وكما لا يخفى عليك - بارك الله فيك - أن الله قدّر المقادير وقسّم الأرزاق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وأنه لا يقع في ملك الله إلا ما أراد الله، وأنه لا يتحرك متحرك إلا بأمره، ولا يسكن ساكن إلا بأمره، وأن الأمر كله لله، وأن الناس جميعًا مهما عظمت قدراتهم وإمكاناتهم فإنهم قطعًا ويقينًا خاضعون لمراد الله تبارك وتعالى، قال تعالى: {هو الذي يسيركم في البر والبحر} وليس كل شيء يستطيع الإنسان أن ينفذه في هذه الحياة إلا بإذن الله.

كما أنك إذا أردت شيئًا لابد أن تستأذني أهلك كما لو كنت طفلة صغيرة لأنك مازلت تعيشين معهم، وما زلت تأكلين من طعامهم وتبيتين في بيتهم، فإن هؤلاء الخلق جميعًا أمام عظمة الله تعالى حالهم من حالك أنت أمام والديك، هناك أمور لا يستطيعون أن يتحكموا فيها بحال من الأحوال، لأن الله تبارك وتعالى استأثر بها، وهذا العالم عبارة عن منظومة كبيرة واسعة جدًّا يتولى تدبيرها الملِك جل جلاله، ونحن ننظر إلى مصلحتنا فقط، وننظر دائمًا من زاوية واحدة وهي التي تهمنا، ولا نعلم أن هذا العالَم بهذه المساحة الهائلة له ترتيب ونظام دقيق وبديع ومُحكم قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.

أنت الآن - بارك الله فيك - دخلت إلى مرحلة تعتبرينها حرجة، وتعيشين حياة نفسية غير مستقرة، لأن الآمال التي خططتِ لها فوجئت بأنها تتلاشى أمامك ولم يتحقق منها شيء، فلا يوجد عمل، ولا توجد وظيفة، ولا يوجد زوج، ولا يوجد بيت، ولا يوجد أطفال، فكل ما كنت تحلمين به لم يتحقق منه شيء إلى الآن.

أقول: نعم، أنا معك في ذلك كله، ولكن هل تظنين أن الله تبارك وتعالى غافل عنك؟ - حاشا وكلا - هل تظنين أنك خارج إطار هذه المنظومة؟ الأمر قطعًا ستقولين لا، فإن شأنك شأن كل مخلوق داخل هذه المنظومة يخضع لإرادة الله تبارك وتعالى وحده، وليس لك من الأمر شيء، وليس لوالديك ولا لأي أحد من الأمر شيء، فلا الملائكة لهم من الأمر شيء، ولا الأنبياء ولا المرسلون ولا عباد الله الصالحون ولا حكّام العالَم ولا عظماؤه، وإنما الأمر كله للملِك جل جلاله سبحانه.

لذلك إذا أردنا أن نغيّر واقعًا كهذا الواقع فما الذي علينا أن نفعله؟ نتوجه إلى مالك هذه المنظومة، إلى من بيده الأمر كله، إلى من هو على كل شيء قدير، نتوجه إلى الله جل جلاله بالأسباب التي أعطانا الصلاحية لاستعمالها، ومن أعظم هذه الأسباب هو الدعاء.

أنا لا أرى أنك توجهت إلى الله بالدعاء، ولعلك تدعين فعلاً ولكنك لم تشيري إلى ذلك عبر رسالتك، أقول: هذه هي الوسيلة المتاحة، وهي ليست بوسيلة سهلة، وإنما وسيلة في قمة الخطورة والعظمة، لأن الله تبارك وتعالى بدعوات بعض العباد ممن عاشوا على هذه الأرض غيّر الله تبارك وتعالى كثيرًا من الأمور، حضارات دمّرها الله تبارك وتعالى لأن أهلها كانوا من الظلمة الغاشمين واستجاب الله لدعاء المظلومين فأذهب ريحهم، صحة أذهبها الله من أجساد هؤلاء الظلمة الذين تجرؤوا على عباد الله الفقراء، حكّام وملوك وسلاطين جعلهم الله تبارك وتعالى في أعماق اليم كفرعون وقومه وهامان وقارون، وغيرهم من الطواغيت، بدعوات عباد الله الضعفاء المساكين من الصالحين غيّر الله هذا الواقع.

أحلام كانت قد تلاشت حققها الله تبارك وتعالى أيضًا ببركة الدعاء، شفاء لأمراض لا شفاء منها قدّر الله تبارك وتعالى لها الشفاء، كما دعا أيوب عليه السلام فشفاه الله تعالى، وكما دعا يعقوب عليه السلام فشفاه الله تعالى وردّ عليه ولده وبصره، وكما دعا إبراهيم عليه السلام فأكرمه الله بإجابة كل دعواته، وكما دعا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وأنتِ أيضًا قطعًا لك دعوات استجاب الله لها، ونظرًا لأنها لم تكن على قدر من الأهمية كهذه الأمور التي ذكرتها لم تلتفتي لها.

أختي الكريمة: توجهي إلى الله بالدعاء، وأكثري من أعمال الشرع، فعليك بالمحافظة على الصلاة في أوقاتها، والتزام الحجاب الشرعي الذي بيّن النبي هديه فيه صلى الله عليه وسلم، وعليك بالمحافظة على أذكار الصباح والمساء، وعليك جزاك الله خيرًا بالإلحاح على الله تعالى، وكذلك أوصيك بكثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وكثرة الاستغفار، واعلمي أن هذه الأمور التي ذكرتِها كلها سوف تُحل بإذن الله تعالى، وأريد أن أقول لك: إن سن الرابعة والعشرين في هذا العصر الذي نحن فيه ليس سن عنوسة ولا سن خطورة، نعم هناك من حولك من قد أصبح لهنَّ أطفال، أقول لك نعم، ولكن الله تبارك وتعالى هذا قدره الذي ينبغي علينا أن نرضى به وأن نصبر عليه، لعل الله قد ادخر لك شيئًا أفضل مما أكرم به هؤلاء جميعًا وأنت لا تشعرين، كما قال تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شرٌ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون).

كذلك أيضًا مَن لديها عمل تخرج إليه كل يوم وتحصل من ورائه حاجتها، أقول نعم، ولكن هناك أيضًا ملايين من المرضى الذين لا يتحركون من فراشهم والجياع الذين لا يجدون قوت يومهم، والعمّال الكادحون الذين لا يكفيهم دخلهم، فعليك بالدعاء والإلحاح على الله، وأبشري بفرج من الله قريب، واعلمي أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرًا.

هذا وبالله التوفيق.

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأعلى تقيماً