الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الغيرة بين أخواتي أفسدت العائلة
رقم الإستشارة: 2130792

7539 0 467

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته,,،

توفي والدي منذ 20 عاما وكنا صغارا, وعشنا مع أمنا الغالية, فكانت بمثابة الأم والأب، وما إن كبرنا حتى أصبح يسود البيت جو مشحون من المشاكل بين الأخوات الأربع الكبار -وخصوصا الوُسْطَيَيْن- ، وأشعر أنه بسبب الغيرة بين الأخوات؛ لعدم رفض أمي لطلبات أخواتي الكبار, وسماع مشورتهن؛ مما أثر كثيرا على الأختين الوسطيين، وبعدها بدأت القطيعة, حتى وصلت إلى قطيعة الأم، واحدة منهن تزوجت ثم طلقت وتعيش وحدها, والأخرى بقيت في البيت (الأخت الوسطى) ، وبعدها تغيرت الأخت التي بقيت في البيت كثيرا, وبدأت تهدد أمي, وقادت السيارة بإرادتها, وفقدت احتشامها, وتعامل الرجال في العمل كأنهم أصدقاء, ناهيك أن فيها -على ما أعتقد- مسا من الجن، والاثنتان الآن تطالبان بحقهم من البيت حتى لو أدى الأمر إلى بيع البيت, وعددنا كبير، وبعدها توقفن عن المطالبة؛ وذلك لانخفاض السعر.

والحقيقة أن إخواني الشباب تقتلهم الغيرة, ولا ينامون الليل, وقد يرتكبون جريمة من تصرفاتها, وتهددهم بالشرطة وحقوق المرأة.

ولقد تم اتخاذ القرار من قبل العائلة بإفراز الحصص, وإعطائها حصتها من البيت على أن تخرج, وتستقر في مكان آخر.

لا أنكر أنهن أخواتي, وأدعوا لهن بالصلاح في كل وقت, وأنا متأكدة أنهن طيبات القلب, ولكن المال والغيرة تأكل قلوبهن، ما الحل؟ لا أريد أن أظلم أو أظلم, وإن كان هناك أسئلة أخرى سأجيب عنها.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Mona حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،،،

فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك إسلام ويب، فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت, وعن أي موضوع، ونسأل الله جل جلاله العلي الأعلى بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى أن يصلح أسرتكم، وأن يصرف عنكم كيد شياطين الإنس والجن، وأن يجنبكم الفرقة والخلاف، وأن يُذهب عنكم هذه الغيرة وهذا التشاحن والتطاحن، وأن يجعلكم من سعداء الدنيا والآخرة، وأن يؤلف على الخير قلوبكم، وأن يصلح ذات بينكم، إنه جواد كريم.

وبخصوص ما ورد برسالتك – أختي الكريمة الفاضلة – فإني أرى أن مشكلتكم في حاجة إلى شخصية كبيرة تتمتع بثقل لدى جميع أطراف الأسرة، وذلك كعمٍّ أو خالٍ أو قريب عزيز عليكم، أو شخصية مقبولة لدى الأطراف جميعًا أو معظمهم، تتدخل لحل هذه الخلافات التي تراكمت حتى أدت إلى القطيعة؛ لأن الخلاف كله شر، كما أخبر الله تبارك وتعالى بقوله: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}؛ فالنزاع يؤدي دائمًا إلى الفشل, ويؤدي إلى تمزيق الصف، ويؤدي دائمًا إلى تفريق القلوب.

ولذلك أتمنى أن نجتهد غاية الاجتهاد في أن نبحث عن وسيلة تجمع القلوب كما كانت؛ لأن هذا حقيقة أنفع وأفضل من ملء الأرض ذهبًا, فما الفائدة من وجود أموالٍ ولكن هناك قطعية - خاصة ما بين ذوي الأرحام-؟ وأنتم في الغالب ليس لكم إلا بعضكم بعضًا، فأنتم من رحم واحدة, ومن صُلب رجل واحد، والأولى بكم أن تكونوا أحرص على مصلحة بعضكم بعضًا، ولذلك قال الله تعالى: {واتقوا الله الذي تساءلون به الأرحام}, أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن من وصل رحمه وصله الله، وأن من قطعها قطعه الله.

فأنا أقول: دعينا نبحث أولاً في وسيلة للمِّ الشمل, ولجمع القلوب على قلب واحد، حتى نستطيع أن نواجه أعباء الحياة، وعندها ستكون النفوس راضية مرضية، وستبذل وتُعطي حتى وإن كان من حقها الأصلي من باب إكرام الأخوات.

فأنا أقول: قبل أن نفكر في فرز الحصة -كما ذكرت أنت- لهذه الأخت التي بدأت تتصرف تصرفات مزعجة، أقول: دعينا نبحث عن وسيلة أو عن شخصية – كما ذكرتُ – مناسبة تتدخل للإصلاح ذات بيننا؛ لأنه لو تم إصلاح ذات بينكم لحُلّت كل هذه المشاكل -بإذن الله تعالى-، ولاستقامت الأحوال, وعادت المياه إلى مجاريها، وأصبحتم بنعمة الله إخوانًا.

فهذا هو الذي ينبغي أن نركز عليه – أختي الفاضلة (منى) حفظك الله – وهذا حقيقة هو أهم شيء في الموضوع.

قضية فرز الحصة، أنا لا أنصح بها لسبب واحد: أن الأخت قد تضيع هذه الأموال, وهي ما زالت في ريعان شبابها، وقد تأتيها لحظات لا تجد قوت يومها -لا قدر الله-.

فإذن أنا أرى أن حبس هذه الأموال هذه الفترة -خاصة وأنها توقفت الآن عن المطالبة بحقها- نظرًا لانخفاض السعر، فأنا أرى عدم طرح هذا الموضوع الآن، ما دامت الحاجة ليست ماسة أو مُلحة، وما دامت هي لا تطالب بقوة كما كانت تفعل سابقًا.

وإذا ما قدر الله وتحسنت الأحوال فيما بينكم, وعادت المودة والمحبة, فأعتقد أن هذه الفكرة سيتم رفضها نهائيًا، خاصة وأنها ستعرض الأسرة للخطر؛ لاحتمال أن لا تتمكن الأسرة من جمع المال المطلوب، وبالتالي قد تضطر إلى بيع البيت، وبيع البيت معناه الشتات، ومعناه الفرقة والخلاف، فأنتم في بيت ستركم الله تبارك وتعالى فيه، وله في نفوسكم ما له، إذ أن ذكرياتكم كلها فيه، وهو عزيز وغالٍ على النفس؛ لأن الأوطان من الأمور التي جبل الله الناس على محبتها، وكذلك البيوت إلا في حالات الضرورة، ولذلك قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم عندما خرج مهاجرًا من مكة: (والله إنك لأحب بلاد الله إلى الله، وأحب بلاد الله إليَّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجتُ) بل والصحابة عندما هاجروا وظلوا فترة في المدينة, ثم لمّا جاء فتح مكة كلهم ذهبوا إلى مكة, ثم إلى بيوتهم، يتلمس الواحد منهم ذكرياته الماضية, ويحن حنينًا قويًّا لهذه الربوع والمضارب التي نشأ فيها, وتربى على ترابها.

فأنا أرى أن نصرف النظر تمامًا عن فكرة إعطائها حصتها الآن، خاصة وأنها قد سكتت نتيجة انخفاض الأسعار، وأرى أن نجتهد, وأن نحاول في ذلك, ثم لا مانع بعد ذلك أيضًا من عرض فكرة الرقية الشرعية عليكم جميعًا، خاصة هذه الأخت التي ذكرتِ أنه من المحتمل أن يكون بها مسّ من الجن، فما المانع إذا كنت أنت قريبة منها - أو إحدى أخواتك قريبة منها – أن تعرضوا عليها فكرة الرقية الشرعية؟ ليس لعودة العلاقات إلى مجاريها؛ لأنها قد لا ترغب في ذلك، ولكن اجعلوا لها أي وسيلة أو أي سبب من الأسباب التي قد تجعلها تهتم بالرقية الشرعية.

قد نقول مثلاً بسبب عدم الزواج إلى الآن، أو للظروف المتعسرة, أو غير ذلك، وهي يقينًا إن أكرمها الله تبارك وتعالى بالرقية الشرعية فسوف تستفيد فائدة عظيمة؛ لأن الرقية الشرعية يقينًا إذا لم تنفع فقطعًا هي لن تضر؛ لأنها من كلام الله تعالى, وكلام النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم.

أخيرًا: أوصيك ووالدتك بالدعاء, والإلحاح على الله تعالى أن يصرف الله عنكم هذه الفرقة، وأن يباعد بينكم وبين الخلاف والشقاق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن دعاء المسلم لا يُرد، وأن الدعاء هو الذي يغير القضاء، ولذلك علّمه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، فقال لهم: (يسأل أحدكم ربه حاجاته كلها، حتى ملح طعامه, وعلف دابته) فكان الصحابة يلجؤون إلى الله في الصغيرة والكبيرة، وينبغي علينا أن يكون هذا حالنا؛ لأن الدعاء به تتحقق الأعاجيب، وبه يخرق الله النواميس, ويخالف القوانين؛ لأنه جعل للدعاء منزلة لم يجعلها لغيرها من الأسباب، حيث أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (ليس شيء أكرم على الله من الدعاء), وبقوله أيضًا: (إن الدعاء ينفع مما نزل, ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاْء), وبقوله كذلك صلوات ربي وسلامه عليه: (لا يرد القضاء إلا الدعاء).

فاجتهدوا -بارك الله فيكم- في الدعاء، وحاولوا الإكثار من الصيام -خاصة في هذه الأيام الطيبة-، فالنهار قصير والليل طويل، فمن الممكن استغلال هذه الفرصة في الدعاء مع الصيام, وكذلك في قيام الليل، صرف الله عنكم كل سوء, وعافاكم من كل بلاء، وأصلح ذات بينكم, وألف على الخير قلوبكم.

هذا وبالله التوفيق.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأعلى تقيماً