الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أتقي شعوري بظلم الآخرين وأتجاوز اليأس والإحباط؟
رقم الإستشارة: 2156162

6308 0 573

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أنا فتاة, عمري 18 عاما, رأيت من الظلم والقسوة والعنصرية ما فيه الكفاية من عائلتي ومجتمعي.

أولاً: والداي لم يحسنا تربيتي أبداً, ولم يوفرا لي كامل احتياجاتي الشخصية، فكوني فتاة, أجد تعنيفاً جسدياً ونفسياً شديداً, وأبسط حقوقي لا أمتلكها لأني فتاة .

حالياً شخصيتي مهزوزة، وغير قادرة على اتخاذ القرار, أتخوف من المستقبل, ومنعزلة بعض الشي, أكذب، وأتخيل أموراً غير موجودة لأنسى الواقع.

لا أرغب بالزواج، لكرهي الشديد للرجل الشرقي، وتفكيره المعقد المريض الجاهلي, أشعر بتناقض شديد بين فكري وفكرهم، وأجد صعوبة بالغة في التفاهم معهم.

أصبحت أكره أبي أشد الكره! وأتفادى وجوده بالمنزل، وأتجاهله، ولكن أينما ذهبت يلاحقني ويستفزني بأبسط الأمور, رجل بخيل جداً جداً, عقله متحجر، راودتني أفكار تجبرني على الانتحار أو الهروب من المنزل، ولكن أرجع لعقلي باللحظة الأخيرة .

أنا متخوفة من إقدامي على الانتحار، أو فعل شيء يغضب ربي، فماذا أفعل؟ لم أعد أطيق حياتي، ولا أهتم بنفسي، وأصبحت أكره ذاتي، وأحطم قدراتي، وقد قاربت على الاقتناع بأني فاشلة، هذا ما يريده أبي.

علماً بأني شخصية متفائلة جداً، وأبسط الأمور ترضيني، وقنوعة جداً، ومحبة للحياة، ولكن ما يحدث لي فوق طاقتي، فلم أعد أتحمل هذا الذل والعذاب والعنف.

ماذا أفعل؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ نور حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،،،

فإني أقدر كل كلمة وردت في رسالتك، ولا شك أنني أتعاطف معك جدًّا.

أيتها الفاضلة الكريمة: لقد نشأت تنشئة غير مريحة، وفيها الكثير من السلبيات، وهذا كان له إفرازات عليك الآن، ومنها الشعور بعدم الارتياح، وكذلك الضجر للدرجة التي جعلتك تفكرين في الانتحار.

هنا يجب أن نتوقف قليلاً، أنا أحزن كثيرًا عندما أسمع من شبابنا وبناتنا الحديث عن الانتحار، وأنا على قناعة تامة على أنه لا أحد يريد أن ينتحر، ولكن مجرد الحديث عن الانتحار أمر مزعج جدًّا، ومُحبط جدًّا، فأرجو تمامًا أن تُمسح هذه الكلمة من قاموسك الفكري واللغوي.

أنت شابة مسلمة، والحياة - إن شاء الله تعالى – أمامك طيبة، حتى وإن كانت هناك قسوة فيما مضى، فأمامك الآن فرصة عظيمة بأن تُسلحي نفسك بأسلحة المعرفة والعلم والدين، وهذه سوف تقضي تمامًا على معاناتك، وتُشعرك بكينونتك.

أيتها الفاضلة الكريمة: ضعي لنفسك هدفًا، ولا تلتفتي للصعوبات، فالآخرون سوف يحاولون فرض سيطرتهم عليك، فحاولي أن تقبلي ما هو مقبول وما هو معقول، وكل ما يناسب الفتاة المسلمة، أما الباقي فأنت لست مكلفة بالأخذ به.

تواءمي مع الحياة، وغيّري فكرك السلبي هذا، ابني علاقات اجتماعية طيبة مع الفتيات الصالحات، وافرضي إرادتك داخل الأسرة، وذلك من خلال أن تأخذي المبادرات الإيجابية التي تفيدك وتفيد أسرتك.

الإنسان يستطيع أن يبني نفسه ويؤكدها، حتى وإن كان يعيش في محيط سلبي، وذلك من خلال الإصرار، والقيام بالأفعال الإيجابية التي تُجبر الآخرين على أن يحترموا ما تقومين به، وهذا ممكن جدًّا.

أنصحك بأن تضعي لنفسك برامج يومية، وأن تقومي فيها بأنشطة متعددة، لأن إدارة الوقت بصورة جيدة وصحيحة، تجعل الإنسان يحس بالرضا، وهذا مهم وضروري جدًّا.

إذن الحلول تتمثل في المزيد من الثقة بالنفس، وخاصة أنك شخصية متفائلة، فيجب أن تكون توقعاتك في حدود المعقول، ولابد للإنسان أن يحترم معتقداته، وما تطبع عليه مجتمعه – فهذا مهم جدًّا-.

حديثك عن الرجل الشرقي، وكراهيتك لطريقة تفكيره: هذا موضوع طويل ومعقد جدًّا، ونحن ندعو الناس لأن يتواءموا ويتلاءموا مع محيطهم، والإنسان الذكي حتى وإن عاش وسط الأسود والذئاب، فإنه يعرف كيف يعيش حياة آمنة.

أشكر لك رسالتك هذه، وأقول لك: هوني عليك، فأنت أفضل مما تتصورين، والحياة أجمل مما تعتقدين، - وإن شاء الله تعالى - المستقبل لك.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، ونشكرك على ثقتك في إسلام ويب.
_________________________________________

انتهت إجابة الدكتور/ محمد عبد العليم، استشاري أول الطب النفسي وطب الإدمان
وتليها إجابة الشيخ/ موافي عزب، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية
_________________________________________

فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك إسلام ويب، فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونسأل الله العلي الأعلى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يفرج كربتك، وأن يرد عنك كيد شياطين الإنس والجن، وأن يرزقك الثبات على الدين، وحسن الظن به، وصدق التوكل عليه، وأن يمنحك قوة من لدنه تتمكنين معها من مواجهة هذه التحديات التي تعصف باستقرارك وأمنك وأمانك، كما نسأله تبارك وتعالى أن يحفظك بما يحفظ به عباده الصالحين.

وبخصوص ما ورد برسالتك - ابنتي الكريمة الفاضلة – فكان الله في عونك (بداية) على تلك المآسي التي عشتها في مراحلك الأولى، واعلمي – يا بنيتي – أن هذه لم ولن يغفرها الله تبارك وتعالى لهؤلاء الذين ظلموك إلا بعفوك أنت عنهم شخصيًا، لأن الله تبارك وتعالى لا يُحب الظالمين، ولن يسمح لأحد أن يدخل الجنة وقد أساء لأحد من خلقه، حتى ولو بضربة الكف أو اللطمة، فإن هذا كله لابد له من قصاص عادل يوم العرض على الله تبارك وتعالى، وهذا الإيمان باليوم الآخر يجعلنا نواجه تلك التحديات بنفس قوية ومطمئنة، لأننا نعلم أن الله تبارك وتعالى لا يظلم أحدًا من خلقه، ولا يحب لأحدٍ أن يظلم أحدًا أيضًا.

تقولين بأن والديك لم يُحسنا تربيتك، أقول: لعلهما لم يكن لديهما أكثر مما قدَّماه، لأننا أحيانًا قد نعتب على والدينا لعدم قيامهما بما كنا نتمنى أو نريد، أو ما كان ينبغي عليهما أن يقوما به، ولكننا نسينا في نفس الوقت أنهما أيضًا قد يكونا ضحية لتربية غير موفقة وغير مسددة، أدت إلى إخفاقهما في إعطائك ما تريدين، لأن الأمر مع الأسف الشديد أمر متسلسل، ومعظم هذه السلبيات نتوارثها نحن من الماضي كما تحكمين أنت الآن على سلوك والديك.

ولذلك أقول لك: اعلمي بارك الله فيك أن هذه الابتلاءات التي أصابتك أنت مأجورة عليها يقينًا، ولن يضيعك الله تبارك وتعالى ما دمتِ مؤمنة به، محبة له جل جلاله، وهي مرحلة سوف تنتهي قريبًا، لأنك الآن من فضل الله تعالى قد دخلت الجامعة وعلى أبوابها، ومعنى ذلك أنها سنوات معدودات وتصبحين شخصًا آخر وشيئًا آخر تمامًا، خاصة وأنك شخصية متفائلة جدًّا، وأنك قنوعة، وترضين بالقليل، وتحبين الحياة، فهذه عوامل من عوامل النجاح.

تواصلك معنا في موقع إسلام ويب يدل على أن قلبك مليء بالإيمان ومحبة الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم –، ولذلك أقول لك: لماذا التفكير في الانتحار وأنت تحملين هذا الكم الهائل من تلك الصفات الإيجابية الراقية؟ وهل سيحل الانتحار المشكلة؟

مع الأسف الشديد أننا قد نبحث عن حل لكل مشكلة بحزمة مشاكل لا تنتهي، وأنت تعلمين أن المنتحر يظل يعذب في قبره وإلى يوم القيامة كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم –: أن من قتل نفسه بحديدة، جاء يوم القيامة وحديدته في يده، ومن تجرع سُمًّا جاء يوم القيامة وكأس السمُّ في يده، وهم ممن غضب الله عليهم ولعنهم، خاصة إذا كان من الممكن أن يبحثوا عن حل ولم يقوموا به.

ولذلك أرجو أن تصرفي تفكيرك تمامًا عن فكرة الخروج وإنهاء حياتك، لأن حياتك ليست ملكًا لك ولا ملكًا لي، وإنما نحن نعلم أننا جميعًا ملك لله تبارك وتعالى الواحد الأحد، وليس من حق أحد أن يهدم بنيان الله تعالى.

أنت تقولين: بأنك لا ترغبين في الزواج: ونحن نعتبر أن هذا قرار متعجل.

تقولين بأنك تكرهين الرجل الشرقي كراهية شديدة، لأنه معقد، ومريض، وجاهلي، وغير ذلك، فأقول: ليس الناس كلهم سواء، فكما أن هناك تصرفات سلبية في أهل الشرق، فهناك تصرفات سلبية مئات المرات في أهل الغرب، فهل بالله عليك تقبلين برجل لا يغار عليك؟ وهل بالله عليك تقبلين برجل ليس مسؤولاً عن الإنفاق عنك مطلقًا؟ وهل بالله عليك تقبلين برجل يفضل الكلب عليك، أو يفضل صديقته عليك، وأنت زوجة شرعية له؟ إنك تنظرين إلى الرجل الغربي على أنه متميز، وهذا الذي يبينه لنا الإعلام، ولكن في الواقع هم يعيشون جحيمًا لا يُطاق، فأنت تعلمين أنه لا توجد هناك قوانين في هذه البلاد تُلزم الرجل بالإنفاق على زوجته، ولا بالغيرة عليها، ولا بالاهتمام بها، ولذلك يفضلون هذه الحياة البهيمية عن الارتباط المقدس الذي جاء به الإسلام.

أنا لا أدافع عن الرجل الشرقي الذي لا يحمل فكر الإسلام، ولكن أقول بأنه لابد لنا من الإنصاف.

تقولين بأنك متخوفة من الإقدام على الانتحار؟ أقول: مثلك لن يفكر في ذلك - بإذن الله تعالى –، فأنت مؤمنة بالله تبارك وتعالى، تحبين الله ورسوله، والذي يُحب الله تعالى يعلم أنه مسؤول عن بدنه، كما قال الله تبارك وتعالى: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً}.

أتمنى بارك الله فيك – يا بنيتي – أن تركزي على مستقبلك، وأن تهتمي بدراستك، وأن تحسني علاقتك مع الله.

وأتمنى أن تحافظي على الصلاة في أوقاتها، وأذكار ما بعد الصلوات، وأذكار الصباح والمساء، وأن تُكثري من الاستغفار والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم –، واعلمي أن الله قال: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب}.

أقول: جربي عبادة الذكر، وأكثري من ذكر الله تعالى ألف مرة أو أكثر، فبعض الناس يذكر الله تعالى إلى ميلون مرة يوميًا، وصدقيني كلما أقبلت على الذكر، وواظبت عليه، كلما خفف الله عنك تلك الآلام جميعًا، وستشعرين بأنك إنسانًا آخر بمعنى الكلمة، لأن الله قال: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}، وستذهب من نفسك هذه الهواجس كلها وتنتهي تمامًا، وتشعرين بأمن وأمان وسعاد واستقرار.

أسأل الله لك التوفيق والسداد.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأعلى تقيماً