الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

عائلتي لا تفهمني وأشعر بتباعد المستوى الفكري بيننا، فما العمل؟
رقم الإستشارة: 2186460

5377 0 347

السؤال

السلام عليكم ورحمة وبركاته.

أشكركم أولا: على مساعدة الناس، جعله الله فى ميزان حسناتكم.

مشكلتى: أبلغ من العمر 18 سنة، وقد أكملت والحمد لله الثانوية العامة، ولكنني شبه مدمر نفسيا لأسباب كثيرة، منها: أنني أحس أني غريب عن عائلتي, مع العلم أن عائلتي والحمد لله ملتزمة، وقد تربينا على الخلق، ولكني في هذا السن، أصبحت أعي كثيرا من الأمور وتغيرت عندي الكثير من الأشياء.

ولكن عائلتي قد توقف بهم الزمن عند العاشرة من عمري، فهم يعاملونني كأنني طفل ولا يعون التغيرات التي أصابتني، وسوف أضرب لكم بعض الأمثلة من تصرفاتهم.

أولا: عندما أخرج إلى أي مكان، يريدون معرفة المكان وعدد الأصدقاء وأسمائهم وأرقام التليفونات، ويريدون أن يعرفوا ماذا سوف أفعل هناك وهكذا؟!! أنا لا أمانع أن أقول لهم: أنا ذاهب إلى مكان كذا فقط, مع العلم أنني قلت لهم أنني لا أصاحب إلا أصدقاء على خلق! فلماذا يريدون أن يعرفوا كل شيء عن أصحابي؟ أسمائهم وأرقام تليفوناتهم، ومكان إقامتهم وهذه أمور لا تعنيهم أبدا.

وقد أعطيتهم نبذة قبل ذلك عن بعض أصدقائي وماذا يفعلون وأسمائهم، ولكن هم يريدون أن أقول لهم جميع هذه المعلومات في كل مرة أخرج فيها.

المثال الثاني هو: أنهم يحسبون أنهم أدرى بكل شيء مني لأنهم أكبر سنا، وقد عاشوا ومروا بتجارب كثيرة فى الحياة!! وهذا مزعج جدا لي؛ لأنهم لا يسمعون رأيي، وأبي دائم الإزعاج لي بطريقة أنه يضرب المثل عندما كان في سني، ويقول لي: عندما كنت في سنك كنت أفعل كذا وكذا وكذا، ويقول: أنني لا أعرف أن أعمل أي شيء!!

أما والدتي فهي تشجعني ولكن هنا تكمن هذه الجملة التى كتبتها في أول الحديث (أحس أني غريب عنهم) لأن ثقافتي غير ثقافتهم ولا أقول أنهم غير متعلمين أو شيء من هذا بل هم خريجو جامعات وأذكياء جدا والحمد لله، ولكن تغير العصر الذي كان يعيشون فيه, فأنا والحمد لله متميز فى مجال علوم الحاسب، ومتفوق دراسيا، وأحب العمل على الحاسوب جدا، مما أدى إلى تعمقي فى بعض العلوم وأصبح العلم هو وجهتي في الحياة، وقرأت الكثير من الكتب ولذلك عندما أحدث أسرتي أحس أنهم لا يفهمونني على الإطلاق، وأحس أنني لا أستطيع التواصل معهم، مما يؤدي إلى الاكتئاب النفسى!!

أنا لا أعرف ماذا أفعل؟ يعلم الله أني حاولت أن أتكلم معهم كثيرا، فأبي لا يسمعني ودائم العصبية في الحديث, وأمي تجلس أمامي وبعد أن أنتهي من حديثي تذهب, وكل الكلام الذى قلته ذهب هباء!!! فهي تسمعني من أذنها ولا تعي ماذا أقول أو حتى تركز على كلامي؟

أنا آسف جدا على الإطالة، مع العلم أنه يوجد مشاكل أخرى تقتحم حياتي، ولكن لا أريد أن أطيل عليكم، وأشكركم على قراءة السؤال ومساعدتي, فأنتم آخر أمل لي -بعد الله تعالى- ويعلم الله أن حياتي قربت من الدمار، فأنا أفقد الثقة في نفسي، وكل العزم الذي كنت أبنيه للعلم والمرحلة القادمة شارف على الانتهاء.

وجزاكم الله خيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Ehab حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أشكرك على رسالتك الجيدة، فهي من الرسائل التي أعتبرها ذات مضمون وذات معنى، وأنت بالفعل تشعر بما نسميه بـ (الفجوة الجيلية) ما بينك وبين أسرتك، الفجوة الجيلية ليس من الضروري أبدًا أن تكون ناتجة عن فوارق علمية أو تعليمية أو عمرية، هو شعور يأتي الإنسان، ولا أقول يضعف انتماءه لأسرته، ولكن فعلاً يرى الإنسان كأنه هو الإنسان الصحيح ولكنه في المكان الخطأ أو في الأسرة الخطأ.

أيها الفاضل الكريم: حتى تبدد هذه المشاعر أنا أؤكد لك حقائق وحقائق مهمة جدًّا، أولها: بالفعل أنت تمر بمرحلة تغيرات، تغيرات نفسية ووجدانية وعاطفية وهرمونية، تغيرات تتعلق بهويتك، بانتمائك، بميولاتك، وبنظرتك نحو المستقبل، وهذا أمر يجب أن يُقدَّر، يقدر من جانبنا، وكذلك من جانب أهلك، ومن جانبك أنت أيضًا.

فالمشاعر التي تأتيك لا أعتبرها مشاعر تمرد على الأسرة أو على قيمها، إنما هي مشاعر تتعلق بهويتك، فأنا أؤكد لك أنها أمر طبيعي ارتقائي تطوري يمر بكثير من الناس، لكن في ذات الوقت أتفق معك أن هذا الأمر يجب ألا يستمر، حتى لا يعطل حياتك ويعرقلها، وتحس بعدم الانتماء أو ضعف الانتماء، وهذا قطعًا قد يخل بمسيرتك في مستقبل أيامك.

ثانيًا: لا بد أن تبني قبولاً لأسرتك، أنت لا تكره أسرتك، أنا أعرف ذلك، لكن انظر إلى جوانبها الإيجابية، أنا متأكد أن الأسرة لديها جوانب إيجابية كثيرة جدًّا، فركز على الجوانب الإيجابية، وحاول أن تجد لهم العذر في جوانبهم السلبية، أي: عزز إيجابياتهم، وحاول أن تتغاضى عن سلبياتهم، هذا مبدأ مريح متى ما انتهجناه في الحياة سوف نجد أننا -إن شاء الله تعالى– نسير على الطريق الصحيح، وأننا لا نكلف أنفسنا فوق طاقتها.

ثالثًا: موضوع التخوفات والشفقة التي يُبديها والداك حين تخرج من البيت، تساؤلاتهم: مع من كنتَ؟ وأين تذهب؟ وما هي تليفونات أصدقائك؟ .. هذا الأمر يشغلنا جميعًا كآباء، أنا لا أريد أن أعطيك كلامًا ليس واقعيًا، هذا واقعي، كلنا نقوم بذلك مع أبنائنا، وذلك لسبب بسيط جدًّا: ليس لعدم الثقة، إنما نحن نعيش الآن في زمان فيه الكثير من المخاطر التربوية، فيه الكثير من الاستغفال للطيبين والجيدين والمحافظين من الشباب، لذا تجد الوالدين في قمة الحرص، يحاولون أن يتابعوا أبناءهم، يتدبرون أمرهم، وفي ذات الوقت بكل أسف هناك نوعية من الوالدين على العكس تمامًا، لا تسأل، لا تعرف، وهؤلاء هم الذين يأتون في العيادات يتباكون ويتحسرون لأن أبناءهم قد وقعوا في أحضان تجّار المخدرات، أو أصدقاء السوء أو شيء من هذا القبيل.

أنا حقيقة أتفق معك أنك يجب أن تكون مصدر ثقة أسرتك، لا تتضايق كثيرًا من أسئلتهم هذه، هي نوع من المحبة وإن كان فيها شيء من الحماية الزائدة أو المطلقة، فأرجو ألا يضايقك هذا، وأريدك أن تدعم هذا الأمر أو تخفف منه من خلال: أن تدعو بعض أصدقائك للمنزل في بعض المرات، دعهم يتعرفون عليهم، الآباء والأمهات يتحسسون ليعرفوا، بل لديهم حاسة شمٍّ وإحساس قوي جدًّا فيما يتعلق بسلوك أبنائهم وكذلك أصدقائهم.

هذا هو الذي أنصحك به، ولا أريد أن أحمل عليك كثيرًا، وأرجو ألا تعتبرني أنني من جيل والديك لذا حاولت أن أضغط عليك، أبدًا أيها الابن الكريم، نحن نحبك وهم يحبونك، وأنا متأكد أنهم فخورون بك جدًّا.

ثالثًا: على المستوى الحياتي والمستوى المهني، نحن كآباء لا نحسد الآخرين أبدًا، لكننا لا نريد أحدًا أن يكون أفضل منا إلا أبناءنا، فإذًا هذا أيضًا شيء قد لا يُعبَّر عنه لكنه موجود، وأمر أستطيع أن أقول: إن فيه الكثير من الجبلية –من الفطرة– فهذا موقف يجب أيضًا أن تقدره.

النقطة الرابعة: أنا أريدك أن تكون مساهمًا حقيقيًا في شؤون أسرتك، قدم اقتراحات فيما يخص تطور الأسرة وإسعادها، كن دائمًا لديك حضورًا، كن صاحب مبادرات، هذا يجعلك تكبر كثيرًا في نظر والديك.

ونصيحة أخرى أنصحك بها، وهي: أن تكون مُجيدًا لإدارة وقتك، تنهل من العلم، ترفه عن نفسك، تمارس الرياضة، تأخذ قسطًا كافيًا من الراحة، تكون حريصًا على عباداتك وصلواتك في المسجد، هذه هي الحياة الطيبة الجميلة.

والنقطة الأخيرة -أيها الفاضل الكريم-: بر الوالدين مكافأة عظيمة، يُسعدك إن شاء الله تعالى في الدنيا والآخرة.

بارك الله فيك، وأنا أشكر لك رسالتك هذه، وثقتك في استشارات إسلام ويب.

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

لا توجد استشارات مرتبطة
لا يوجد صوتيات مرتبطة

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأعلى تقيماً