الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أبي وأمي في خصومة دائمة كيف نصلح بينهما؟
رقم الإستشارة: 2331092

8982 0 158

السؤال

السلام عليكم ..

جزاكم الله خيراً عن هذا الصرح الإسلامي العظيم، وبارك الله بجهودكم.

أعاني من مشكلة تؤرقني ليلاً ونهاراً، طرقت كل الأبواب لحلها بدون جدوى، مشكلتي أن والدي بينهما خصومات وخلافات معقدة ومستمرة منذ 30 عاماً، تسببت هذه الخلافات بمشاكل كبيرة وتوابع خطيرة على إخوتي، فمنهم من فشل في حياته، ومنهم من يتخبط هنا وهناك بلا جدوى!

بيتنا يفتقد لأقل معاني الأسرة، حاولت أن أحل هذه الخصومات لكن دون جدوى، توجهت لأعمامي وأقاربي لكنهم لم يبدوا اكتراثاً كثيراً للموضوع ، أبواي -أصلحهما الله- لا يتكلمان مع بعضهما بالأشهر الطوال، أحياناً لمدة 10 شهور متواصلة أو سنة، ينام كل واحد منهما في غرفة، لا يتكلمان بكلمة واحدة مع بعضهما!

هذه الخصومات أدت إلى إحباط إخوتي الصغار، فهم يفتقدون معنى الحنان ومعنى الأسرة، يفتقدون معنى الحياة، بحثت وبحثت لأجد حلاً لمشكلتهما ولم أستطع، توصلت في النهاية إلى أن بقاءهما على هذا الحال أفضل من الطلاق، أو أن يتزوج أبي زوجة ثانية، ولكنه لا يملك المال، إضافة إلى أنهما قد بلغا من الكبر عتياً، والطلاق سيكون بمثابة رصاصة الرحمة لهذه الأسرة المنهكة، إضافة إلى أن أبي بدأ المرض يدب فيه، وهو بحاجة إلى بعض الرعاية، وأنا أعمل وأعود في المساء، مستقبلاً قد يحتاج إلى من يقوم على أموره، وأنا ما زلت أحتاج إلى سنوات لأتزوج فلمن أتركه؟! وأمي أيضاً بحاجة إلى من ينفق عليها.

إن كلاً منهما مقصر بحق الآخر، ولو مات أحدهما على هذه الحال سيسأله الله عن تقصيره، فكيف أصل لحل يرضي الله جل جلاله، بحيث أنه إذا مات أحدهما يكون بريئاً من ذمة الآخر، فأنا أريد حلاً يحجبهما عن نار جهنّم، تكفي آلام هذه الدنيا، وما الحكم الشرعي لهما، بحيث أنهما لا يحققان معنى الزواج لأشهر طويلة؟ هل يجوز الأخذ بقاعدة أخف الضررين أن أبقيهما على هذا الحال؟

أرجو الإجابة بسرعة، لأني بحاجة ماسة لنصحكم وتوجيهكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

جزاك الله خيراً على حرصك على استقرار حياة أسرتك، ومحاولة حل مشاكل والديك، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على رجاحة عقلك، وبرك بوالديك.

أخي الكريم: لا شك أن أي مشكلة تنشأ فلا بد أن يكون لها سبب، وكما يقال: (لا دخان بدون نار) وإذا عرف السبب بطل العجب، ويمكن -بإذن الله- إصلاح العطب، فأتمنى أن تجلس مع كل من والديك بانفراد، للتعرف على أسباب الخلاف بينهما، فقد تكون ثمة أسباب حقيقية، وقد تكون أسبابا واهية ولكن الطباع تكبرها.

الشيطان حريص كل الحرص على إثارة المشكلة بين الزوجين، ويسعى بكل وسيلة للتفريق بين الزوجين، ويضخم السبب في نظر كل طرف، والجهل في إدارة الخلاف وعدم التنازل والاعتراف بالخطأ أو الرجوع من الطرف غير المخطئ من أسباب تفاقم المشاكل بين الزوجين.

لا تستقيم الحياة بالمحاسبة الشديدة في كل صغيرة وكبيرة، بل لا بد من التغافل وغض الطرف عن بعض الأخطاء والهفوات، فذلك من أخلاق النبوة، وبذلك تنزل القرآن الكريم، (عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ۖ) (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ) فلا بد من تبصير والديك بهذه المعاني، ولا بد من تذكيرهما بالله تعالى، وتخويفهما منه ومن عقابه الدنيوي والأخروي، وتذكيرهما بالموت، وأنه قد يفاجئ أياً منهما في أي لحظة.

لا شك أن الله تعالى سيحاسب كل نسان عما فعله، وخاصة الظلم، لأنه حرمه على نفسه وحرمه بين الناس، يقول تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ)، وفي الحديث القدسي:( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، ويقول نبينا عليه الصلاة والسلام: (الظلم ظلمات يوم القيامة)، ويقول: (لتؤدُّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقادَ للشاة الجلحاءِ من الشاة القرناء).

بأسلوب رفيق وحكيم بين لكل من والديك موضع الخطأ الذي وقع فيه، فإذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام قد قال: (انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا)، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: (تَحْجُزُهُ، أَوْ تَمْنَعُهُ، مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ)، فإذا كان هذا في حق الأخ المسلم ففي حق الوالدين أوجب.

ذكرهما بفضل الصبر وغفران الزلل، كما قال تعالى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)، وقال سبحانه: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)، وذكرهما ألا ينسيا الفضل بينهما، كما قال تعالى: (وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ).
اجتهد في وعظهما لتقوية إيمانهما، وتوثيق صلتهما بالله تعالى، فإن من وثق صلته بالله وقوي إيمانه أثمر ذلك مراقبة لله تحجز صاحبها عن مخالفة أمره وجلب له الحياة الطيبة، كما قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

قرب وجهات النظر بينهما ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وحاول الجمع بينهما للتسامح، ولو احتجت إلى الكذب في الإصلاح بينهما فافعل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً) كأن تقول لوالدك الوالدة متأسفة وتتمنى أن تلتقيا وتتسامحا وتصطلحا فإن قبل بذلك فاذهب لوالدتك وقل لها مثل ذلك فإن قبلت جمعتهما وأصلحت بينهما.

إن تعسر ذلك فنتمنى أن تكتب لموقعنا بأسباب الخلاف بينهما، ولعل بعض المستشارين يعينك ببعض الحلول المناسبة.

إبقاء كل منهما مبتعداً عن الآخر قد يكون حلاً، لكن ليس هذا وقته، وإنما بعد أن تعمل بما سبق، فإن لم ينفع ذلك فتعرض الأسباب على أحد المستشارين وتعمل بمشورته، فإن لم ينفع ذلك فليس أقل من أن يسامح كل منها الآخر ثم يرضيا بالعيش على ذلك الوضع، مع بذل كل منهما الحقوق الواجبة عليه والمتفق عليها بينهما، دون أن يحدث أي احتكاك بينهما، وإن كان ذلك صعباً على نفوس الأبناء ولكن ذلك أهون من الطلاق، والله المستعان.

نسأل الله أن يجعلك مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، وأن يصلح بين والديك على يديك، ويكتب أجرك ويقر عينيك بذلك ويسعدك.

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأعلى تقيماً