الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

اعتزلت الناس لأنني أخجل من ضعفي وعدم تركيزي في الحفظ!
رقم الإستشارة: 2348813

1284 0 132

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لا أعرف من أين أبدأ، وماذا أقول! أنا شاب، عمري 17 عاما، أطلب العلم منذ عدة سنوات، ولكن للأسف لم أحصل شيئا منه؛ لأن حفظي ضعيف، وحتى الذي حصلته حفظي فيه ضعيف جدا، والذين بدءوا معي حفظوا القرآن، وحفظوا، وحفظوا وما زلت في مكاني.

وفي الحقيقة أثر هذا على نفسيتي كثيرا، ومع بعض الأشياء الأخرى التي تؤثر على نفسيتي أيضا، والتي تشتت عقلي وفكري وعقلي، فأنا منذ مدة متوقف عن طلب العلم، وبدأت أشعر أنني لا أستطيع الحفظ والضبط كأن حيل بيني وبينه، فأجلس الأوقات والأوقات ولا أحفظ شيئا، وتضيع الساعات والساعات في الحزن على ما فات والقلق مما هو آت.

حاولت الإقبال على القراءة والدروس دون الحفظ، لكني أشعر أن هذه الطريقة ستضيع هباء منثورا بعد سنين ولن أحصل شيئا، أضع البرامج ثم البرامج التي أفشل في تطبيقها في كل مرة، مع أن البرنامج لا يتجاوز خمس أو ست ساعات يوميا، لكن لا أعلم كيف يضيع الوقت دون تطبيقه! لا أعلم الخلل؟ مع أنني أشعر أن الأمر سهل، والله بدأت أخجل من أهل العلم لكثرة سؤالي عن المنهجية الصحيحة في طلب العلم وكيف أبدأ، وماذا أحفظ من المتون..إلخ! ولكن في الحقيقة أشعر أن أكثر الإجابات قاصرة ولا تشفي ألم القلب؛ لذلك اخترت العزلة والابتعاد عن الناس وأن أطلب العلم وحدي عن طريق الإنترنت.

تركت المعهد الذي أطلب العلم فيه منذ مدة؛ لأنني بدأت أخجل من ضعفي في الحفظ وتقصيري، حتى بدءوا يظنون أنني أنا الذي لا أبالي، ولكني لم أعتزل في المعنى الكلي عن كل شيء، مع أن أغلب أيامي من المسجد إلى غرفتي فقط ولا أخالط الناس إلا في ضرورة حتى أهلي! ومع ذلك ما زلت على تواصل مع طلبة العلم وبعض أهل العلم، وأذهب أحيانا للأشياء التي أرى أنها مفيدة، لكن حتى مع اعتزالي للناس لا أعرف كيف أستغل هذا الاعتزال، ولا كيف أستغل وقتي في طلب العلم! والله أشعر أنني مكبل، ولا أعرف ماذا أفعل وكيف أبدأ! والله إن ليلي هو الآلام والحسرات، هو التنهيدات والزفرات، وهو الحروب الطاحنات بيني وبين نفسي، والله قلبي يتفطر عندما أقرأ سير السلف كيف هم وكيف أنا، لا بل عندما ما أرى من حولي ماذا حصل وأنا ما زلت مكاني، دمعات محبوسة وآهات مخنوقة وحلم ينتهي كل يوم بالأحزان والتيه أعيد أمسي في كل يوم، وقد يبرأ جرحي ولكن يعيده التذكار ويحييه لي.

أشعر أنني في السجن أتعذب ليلا ونهار عشيا وإبكارا، ولا أعرف كيف أخرج منه، حتى أنني لا أعرف كيف أصلح قلبي فلا أنا من العباد الصالحين، ولا من طلبة العلم المجدين! هذا غير تقصيري أيضا في دراستي، حتى أنني بدأت أشعر أني سأفشل بها أيضا مع أن مستواي جيد.

لا تظن هذا الكلام من باب اليأس بل سأبقى أحاول حتى الممات ولكن الفشل وراء الفشل، وجرح وراء جرح، وهم يحمل هما، وفكر يحمل فكرا، ونار تكوي القلب في كل لحظة، هو الذي أتعبني، وأريد تغيير الواقع والحال فلا مجال للتقاعس والتباطىء في هذا الزمان، فنحن في هذه الأيام أشد ما نحتاج إليه هو العلم، فأرجو أن أجد عندكم سبيلاً للخلاص وطريقاً قاصدًا للتوفيق.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ وسام حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

توصيف المشكلة: الحفظ الضعيف، وعدم القدرة على المضي قدماً في طريق العلم.
سأقف معك على نقطتين هامتين:
النقطة الأولى: هي كيفية تنمية قدراتك العقلية.
النقطة الثانية: طريقة الحفظ الصحيحة.
عرّف العلماء القدرة العقلية على أنها: هي الإمكانية أو القوة الفعلية على الأداء، أو هي نشاط معين، أو مجموعة من الأداءات أو الاستجوابات.

ومن نعم الله علينا أن دماغنا يمتلك قدرة عجيبة على التطور والتغيير، وأنه من الممكن تنمية الذكاء وتطوير القدرات العقلية متى أردنا ذلك، فضعف القدرات العقلية سببه الرئيسي الكسل وعدم تدريب العقل وتنشيطه بالحفظ والدراسة وما إلى ذلك، فإن أردنا استخدامه بعد ذاك التكاسل وجدنا صعوبة في الحفظ والتعلم.

أكدت بعض التجارب الطبية أن أفضل الأساليب والطرق لتنمية الذكاء وتطوير القدرات العقلية هي القيام بالتمارين العقلية؛ لأنها تحفز خلايا المخ وتعمل علي تفعيل وتنشيط خلايا مخ الإنسان، لذا عليك أن تواظب على ممارسة الرياضات العقلية كحل الألغاز، والكلمات المتقاطعة، أو الشطرنج، أو خوض نقاشات مع الأصدقاء، أو غير ذلك مما يبقي الدماغ في حالة نشاط وتوقد دائمين، فإذا ما أردت الحفظ يكون على أهبة الاستعداد للتلقي.

كما أن من الأشياء التي تعينك على الحفظ تجنب المعاصي، والحرص على الطاعات والأعمال التي تقربك من الله سبحانه وتعالى، والعمل على تزكية النفس قبل الانطلاق برحلة الحفظ.
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:
شَكَوْتُ إلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي .. فَأرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ المعَاصي
وَأخْبَرَنِي بأَنَّ العِلْمَ نُورٌ ..............ونورُ الله لا يهدى لعاصي

أما كيفية تزكية النفس:
أولًا: تصحيح النية، وإخلاصها لله وحده لا شريك الله، اجلس مع نفسك بصفاء، واسألها لماذا تطلب العلم؟ ولماذا تريد أن تحفظ القرآن ؟ جدد نيتك كلما خرجت من منزلك متوجهاً إلى المسجد.

ثانيًا: فعل الطاعات، وترك المحرمات؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَة" [صحيح البخاري].

ثالثًا: الصبر والمثابرة والمجاهدة، والاستمرار في سلك طريق العلم وتحدي الصعاب.

رابعًا: الالتزام بالأوراد في الصباح والمساء، والإكثار من الاستغفار والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- ففي الالتزام بهما المخرج لكل هم وغم، وتحقيق لكل غاية وأرب بإذن الله.

أما طريقة الحفظ الصحيحة، فإن هناك طرقًا عديدةً لحفظ القرآن، وإن أفضلِ طريقةٍ لحفظهِ، والتي توصلت إليها من خلال عدة تجارب، وقمتُ بعمل هذا الملخص الرَّائع لدورةٍ كاملةٍ في مجالِ حفظِ القرآن الكريم، وهو ما أسميته بـ (التاءات العشر في حفظِ القرآن الكري ) وهي تُساعدك على حفظِ كتابِ الله، بإذنِ الله تعالى:

أولًا: التهيئة النفسية: حدِّد ما تُريدُ حفظه، وهيئ نفسك من الليلِ عن طريقِ التَّشويقِ الدِّماغي، كأن تقول: كم أنا رائعٌ حينَ أحفظُ خمسةَ أحزابٍ من القرآنِ الكريم! كم أنا رائعٌ في حفظِ الزَّهراوين" البقرة وآل عمران" فإنَّ هذا يحفِّزك على الحفظ، ومن التَّشويق: استحضارُ منزلةِ حافظِ القرآنِ يوم القيامة، وما أعدَّه الله من الأجرِ والثَّواب، أما أن تستمر في الرسائل السلبية، أنا ضعيف في الحفظ، زملائي سبقوني في الحفظ، فاعلم أن هذا أيضاً من باب التهيئة النفسية، ولكن بمعناها السلبي، حيث أنت تأخذ نفسك بنفسك إلى مهاوي الفشل، وتقنع دماغك أنك حقاً فاشل ولا تستطيع الحفظ، فالدماغ يتفاعل مع ما نوجه إليه من رسائل سلبية كانت أو إيجابية.

ثانيًا: التَّخيّل: تخيل نفسك وأنت تحفظ بسرعة وإتقان، تخيل نفسك وأنت تسبق أقرانك، تخيل نفسك وأنت حافظ للقرآن، فالخيال له سر عجيب؛ إذ أن الدماغ يتفاعل معه بطريقة رائعة، فكلما أبدعت في الخيال، كلما حققت ما تتمناه، وكرر تمرين التخيل كل يوم.

ثالثًا: التَّسخين: عندما تمسك مصحفك للحفظ، لا تبدأ مباشرة بالحفظ الجديد، فالدِّماغَ لا يكونُ مهيأً تهيئةً كاملة، إنَّما يحتاجُ لبعضِ الوقتِ من التَّسخينِ، وذلك بأن تقرأ شيئًا ممَّا حفظته من قبل، وتُراجعهُ غيبًا أو في المصحفِ لمدةِ خمس دقائق.

رابعًا: التركيز: عندما تمسكُ المصحفَ قم بتركيزِ النَّظرِ من خلالِ طريقتك في الإمساكِ بالمصحف: ينبغي أن يكونَ العمود الفقري مستقيمًا، ثم اجعل المصحفَ إلى اليسارِ أعلى قليلًا، وهذا يجعلُ بؤبؤ العين يتَّجهُ نحو اليسارِ -وهذه الحركة تنشطُ الجزءَ المسؤولَ عن الحفظِ والتَّذكر في الدِّماغ- ركّز حركةَ حدقةَ العينِ على الآيةِ بهدوءٍ تام؛ حتى لا تكون الصُّورة مشوَّشة، ولا تلتفت يمنةً أو يسرةً؛ حتى لا تدخل على الدِّماغ سورًا أخرى مع الآية، وبالتالي لا يكون حفظها متقنًا بشكلٍ جيّدٍ.

خامسًا: التَّنفس: بعد أن ركَّزتَ النَّظرَ جيدًا، خذ نفسًا عميقًا من الأنفِ، واقرأ الآية، وستتفاجأ أنَّ الآيةَ تُحفظُ بسرعةٍ مُدهشة.

سادسًا: التَّرتيلُ والتَّنغيم: يوجدُ في الدِّماغِ ذاكرةٌ نطلقُ عليها: (الذاكرة النغمية أو الإيقاعية) فالدِّماغُ يلتقطُ الجُملَ المنغّمة بسرعةٍ تفوقُ غير المنغمة، والمقصودُ بالتنغيمِ هنا: التَّرتيلُ والتَّجويد، والمطلوبُ منك هو: الحدّ الأدنى من الغنّةِ، وبعض المدود، والقلقلة، ويُنصح برفعِ الصَّوت في بعض الآيات.

سابعًا: التَّكرار: التكرارُ فائدته أنَّهُ: ينقلُ المعلومة من الذاكرةِ قصيرةِ المدى إلى طويلةِ المدى، والتكرارُ يحمي الحفظَ من التَّفلت والفرار، وهو نوعان:

أولهما: بمعنى إمرار المحفوظِ على القلب سرًّا.
ثانيهما: التكرارُ الصوتي وبطريقةٍ مرتفعة يوميًا.

ثامنًا: التَّرابط: وذلك بأن تقومَ بعمليةِ ربطِ آخر الآيةِ بأولِ الآيةِ التي تليها، وهناك ربطٌ سمعي، وربطٌ بصري، وربطٌ حسِّي، حسب النَّمط الذي يغلبُ على الإنسانِ استخدامه.

تاسعًا: التَّثبيتُ والمراجعة: ينصحُ بالحفظِ اليومي المنتظم، وأفضل وقتٍ للحفظِ من ثلثِ الليلِ الأخير إلى شروق الشمس، ويفضلُ الحفظُ البطيء الهادئ على الحفظِ السَّريع المندفع، وقد يكونُ حفظُ القرآنِ سهلًا، لكن العبرةُ في المراجعة؛ لذا لابدَّ لك أن تلتزمَ نظامًا قويًا في مراجعةِ القرآنِ الكريم؛ حتى لا تضيعه، وذلك عن طريقِ المراجعةِ اليوميةِ والأسبوعيةِ والشهرية، يقول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: (تعاهدوا هذا القرآن، فو الذي نفس محمدٍ بيدهِ لهو أشدُّ تفلتًا من الإبلِ في عقلها) [رواه مسلم]، وقال: (تعاهدوا هذهِ المصاحف، وربَّما قال القرآن، فلهو أشدُّ تفصياً في صدورِ الرِّجالِ من النعم من عقله)"رواه أحمد"

عاشرًا: التَّوكل على الله؛ فهذه التَّاء من أهمّ التَّاءات، ففي كل تاءٍ ينبغي أن يكونَ عندنا توكلٌ على اللهِ -عزَّ وجلّ- واعتمادٌ عليه، وذلك بلزومِ الطاعات مع الدُّعاء، والالتجاءُ إلى اللهِ تعالى، قال الشاعر:
إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى *** فأوّل ما يقضي عليه اجتهاده.

وفقك الله -عزَّ وجل- لحفظِ القرآنِ الكريم، وتفسيره، والعمل به، وفقك الله لحفظ كتابه وجعلك من الحافظين.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأعلى تقيماً