الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أريد إعفاف نفسي لكن أبي رفض ذلك
رقم الإستشارة: 240854

4297 0 500

السؤال

بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
من يأخذ بيد هؤلاء المساكين الذين تهتز مشاعرهم تجاه حب الإغراء والغزل باسم الضياع والفشل، وتضعف نفوسهم أمام تلك المنافسات الشيطانية في هذا العصر الذي يحمل شتى أنواع الشر والدمار عن طريق أمور كثيرة تكاد لا تنتهي، وهي في ازدياد كل يوم، فهناك أبواب للشيطان يدخلها الشباب وهم لا يبصرون ولا يسمعون، فصارت الوسائل المدمرة متوفرة بشكلٍ كبير، فهناك النفوس الضعيفة وأصدقاء السوء، بالإضافة إلى الوسائل المصاحبة للضياع، والتي يستخدمها الشباب بقصد التواصل بين الشر والمتابعة فيه، فالجوال صار وسيلة مُثيرة تقرب إلى شتى أنواع الضياع، ولقد خرج في الآونة الأخيرة ما يُعطي الجوال لمسة راقية في سماء الضياع بما يسمى بالبلوتوث، والذي يُعتبر وسيلة من وسائل الدمار بيننا كشباب... وغيره وغيره الكثير، ولا أريد حصر الموضوع على الجوال فقط، بل أضرب به مثلاً، فوسائل الدمار كثيرة، والدمار شامل علينا كشباب، نضيع كل يوم وكل لحظة، ولكن من ينجينا من هذا الضياع؟! فعندما نفكر بالخروج من هذه الرياح القوية المدمرة وتبدأ أبواب الأمل في الانفتاح، نراها تبتعد أميالاً وأميالا.

أنا شابٌ أبلغ من العمر 21 سنة، أعزب، من الشباب الذي لي قلب وعقل ومشاعر تتأذى بمشاعر الإغراء وغيره، أحياناً أذكر الله وأُبعد الشيطان عني، ومراتٍ يوسوس لي ويزيّن لي الخبث فأسقط أمامه حائراً في ظل تلك الإغراءات الموجودة في هذا الزمن، ولقد فكرت في وضع حد لكل شيء، وأنجو بنفسي من هذا الأمر، ففكرت في الزواج، فهو دواء وسلاح يحفظ الشباب في هذا العصر، ويبعده عن مشاعر الفتنه والضياع، ويجعل حياته مستقرة، فكرت وفكرت، فأنا شابٌ محتاج إلى هذا الأمر، أريد أن أتزوج وأن أستقر، وأبعد عني هذه الأمور التي قد تؤذيني وتضيعني، فأنا موظف في أحد القطاعات الخاصة، وراتبي متوسط يكفيني ويكفي زوجتي، والسكن كبداية مع أهلي حتى ييسر الله، وعندما عزمت الأمر وفتحت أبواب الحياة حتى أستقبل هواء نظيفاً باسم الزواج، بادرت بطرح الموضوع على أهلي، وقبلهم كلمت أصدقائي فأيدوني، فتمسكت أكثر، وصار عزمي أكبر، فطرحت الموضوع على والدتي فلم تصدق من شدة فرحتها، وقبلت الأمر، فزاد إصراري، وبالرغم من أنه ليس لدي إلا المال القليل الذي قد يغطي ربع المهر، هذا بالإضافة إلى أنه ينقصني الزواج والعشاء والسيارة، فلست أملك ذلك، ولكن إصراري على إنقاذ نفسي من الضياع جعلني لا أفكر بغير الزواج، فأصدقائي متزوجون ويؤيدونني على الزواج، نجحت في الخطوة الأولى وهو رضا والدتي، وبقيت الخطوة الأخيرة وهي رضا والدي، فهو لا يسكن معنا في نفس البيت، بل إنه متزوج من امرأةٍ أخرى ويسكن معها في بيتٍ آخر، اتصلت عليه، وطلبت مقابلته، وأنا نشوان فرح، يرفعني الحماس والسرور، فأنا سوف أبتعد عن هذا العالم الأعزب الذي يدمره شر الزمان، وعندما حضر والدي فاتحته بالموضوع وقلت له أريد الزواج، فأنا خائف على نفسي، وأريد الاستقرار والحفاظ على نفسي، وتوقعت أنه سيفرح لي ويؤيدني على ذلك، لكنه رد بأنني ما زلت شاباً، والعمر أمامي طويل، فرددت عليه بأن الإنسان لا يضمن يومه، فأنا أريد السعادة وأريد أن أستقر، فوضح لي بأن الزواج مسئولية وتكاليف ومصروفات، أعلمته أن كل شيء بيد الله، لكنه كان يتعذر بأي شيء وكأنه يريد أن يقولها بصراحة، فقال: "أي أبٍ في الدنيا يسر ويفرح لتفكير ابنه بذلك لكنك أنت ما زلت شاباً وبدري عليك الزواج" عندها جن جنوني وانسدت نافذة الفرحة في وجهي، وكان عذره المال، أي ليس لديه المال للزواج، مع العلم أني متأكد أن لديه المال، فهو موظف أرامكو وراتبه -ولله الحمد- مرتفع، ولديه الاستطاعة لتزويجي، ولكنه يحب المال أكثر من ابنه، وأنا الضحية أقف ضائعاً، لا أدري ماذا أفعل! رغبتي بالزواج انطفأت، فليس لدي المال، وليس لدي شخص يفهم أني بحاجة ماسه لذلك الشيء.

ماذا أفعل مع والدي الذي أشعر بأنه واقفٌ في طريقي؟!! هل أضيع وأستسلم لما يمر به أي شاب في هذا الزمن؟! فأنا حائر، لا علم ماذا أفعل!! أحس أن نفسيتي بدأت تتغير إلى الأسوأ وأنا أرى أن أقرب الناس إلي يقف في طريق حياتي.

أفيدوني، هل أبقى هكذا أهتز مع رياح الضياع حتى انتهي، أم أظل حائراً باكياً على حظي؟

ابنكم: فيصل

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الابن الفاضل/ فيصل حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،،،

نسأل الله العظيم أن يقدر لك الخير، وأن يوفقك لما يحبه ويرضاه، وأن يبلغنا منازل رضاه، وأن يعيننا جميعاً على ذكره وشكره وحسن عبادته.

فقد صدقت في وصفك لمعاناة الشباب في عصر الشهوات، ولكنَّ ذلك لا يعني أن الطريق لاتجاه واحد؛ فإنه يوجد في هذا الزمان أيضاً من يقبض على دينه، ويحافظ على نفسه بغض البصر وحفظ الفرج والاشتغال بالنافع المفيد، والإكثار من الصيام، وشغل الأوقات بالقرآن والقيام، والبعد عن مواطن الريب، وهكذا ينبغي أن يكون شباب الإسلام الذين نفاخر بهم؛ لأن الإسلام أمر الشباب إذا تعذر عليهم أمر الزواج أن يسلكوا طريق العفاف، فقال تبارك وتعالى: (( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ))[النور:33].

ونحن نشكر لك هذا الوضوح في الطرح، ونرحب بك مع آبائك وإخوانك في الشبكة الإسلامية، وأبشر فنحن في خدمة إخواننا والأخوات، وعليك بمواصلة السير على طريق الذكر والقرآن؛ فإن ذلك يطرد الشيطان، واحرص على أن تكون في رفقة الصالحين من الإخوان، فإن رفقة الأشرار تعدي وتؤذي الإنسان، وتجنب الذهاب إلى مواطن الشبهات، وتخلص من وسائل الشر وأدوات الشيطان، وأكثر من اللجوء إلى الرحيم الرحمن، وتذكر أن الاعتداء على أعراض الآخرين يعرض أعراضنا لعبث أهل الفسوق والعصيان، فإن الزنا دين، وكما تدين تُدان.

ولا شك أن الزواج هو الحل الناجح والناجع، وبه يحفظ الله الشباب، ويكثر من ورائه أهل الصلاح أولوا الألباب، وأبشر فإن الله يعين طالب العفاف، واعلم أن رفض والدك أو اعتذاره ليس نهاية المطاف؛ لأنك تستطيع أن تكرر المحاولات، وأرجو أن تعاونك على إقناعه الوالدة والأعمام وكل من يحترمهم الوالد ويقبل كلامهم.

وأرجو أن تجد من الدعاة من يسعى لإقناع هذا الوالد بأن حاجتك إلى العفاف لا تقل عن حاجتك إلى الطعام، وكما قال سعيد بن العاص رضي الله عنه: (إذا علم الرجل ولده القرآن وحج به بيت الله الحرام، وزوجه فقد أدى ما عليه)، وللشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمة الله عليه كلام يحضُّ فيه الآباء على مساعدة أبنائهم بل وتزويجهم إذا كان عند الوالد أموال، وقد ذكر بعض الأشياخ أن والده كان يزوجهم بمجرد بلوغهم مبلغ الرجال، ثم يقول: (والعجيب أنني بعد أن كبرت علمت أنه استدان ليزوجني) وهكذا يفعل أهل العقل والفضل والإيمان حتى يحفظوا أولادهم من مصائد الشيطان، ولا داعي لليأس، فكرر المحاولات واستعن بالله، وعليه فتوكل، والزم تقواه، فإنه (( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ))[الطلاق:4]، واعلم أن رفض الوالد لا يبيح لك سلوك طريق الانحراف والضياع؛ لأن المسلم يتمسك بطهره وعفافه حتى يرزقه الله وييسر له أمر الزواج، مع ضرورة مواصلة السعي والكد والأخذ بالأسباب، ثم التوكل على الكريم الوهاب، وتعوذ بالله من الشيطان، وأكثر من ذكر الله والاستغفار، والزم طريق العفة والطهر، فإن عاقبة الفواحش سيئة، وأكثر من الدعاء، واجتهد في إعداد نفسك بقدر استطاعتك لتحمل مسئوليات تكوين الأسرة، والزم طريق المتقين فإن الله سبحانه (( مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ))[النحل:128]، وقال تعالى: (( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ))[الطلاق:2-3].

والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأعلى تقيماً